(( العدد الجديد - عدد 35)) يسعدنا أن نقدم لكم العدد الجديد من مجلة كلمة حق، ومعه مختصر كتاب قصة الاقتصاد المصري، لجلال أمين (من يواجه مشكلة في التحميل هناك روابط بديلة في التعليقات) حمّل العدد t.me/klmtu/60 الهدية t.me/klmtu/61 الأعداد السابقة t.me/klmtu
(( العدد الجديد - عدد 35))

يسعدنا أن نقدم لكم العدد الجديد من مجلة كلمة حق، ومعه مختصر كتاب قصة الاقتصاد المصري، لجلال أمين

(من يواجه مشكلة في التحميل هناك روابط بديلة في التعليقات)

حمّل العدد
t.me/klmtu/60

الهدية
t.me/klmtu/61

الأعداد السابقة
t.me/klmtu
‏٠١‏/٠٦‏/٢٠٢٠ ٩:٤٧ م‏
ملف: أوراق أفغانية..التاريخ السري للحرب عالقون بلا استراتيجية (3-3) ● كان لدى بوش وأوباما خُطط على طرفي نقيض لكسب الحرب وقد فشلت كلها تحقيق حصري لصحيفة واشنطن بوست[1] ترجمه لمجلة كلمة حق: حامد عبد العظيم ________________________________________ [1] كاتب الاستقصاء هو الصحفي بواشنطن بوست: كريج ويتلوك. والاستقصاء منشور بتاريخ 9-12-2019. رابط الاستقصاء. الذي يقولونه في العلن 27 يوليو 2010 "يجب علينا تصنيفهم إلى عنيد لا يقبل المساومة، وإلى طرف يمكن التفاهم معه، وسوف نحيّد القسم الأول منهم". جنرال البحرية آنذاك جيم ماتيس، عن طالبان خلال جلسة استماع بمجلس الشيوخ. افتقر أوباما -كسابقه بوش- إلى استراتيجية دبلوماسية فعالة للتفاهم مع طالبان. كانت إدارة أوباما في العلن تدعو إلى "مصالحة" بين الحكومة الأفغانية وقادة التمرد، لكن مقابلات الدروس المستفادة تظهر أن مستشاري أوباما اختلفوا بشدة حول ما يعنيه ذلك. وقال روبين، الذي فضّل التحدث إلى طالبان، للمقابلات إن بعض المتشددين حصروا المصالحة في شريحة معينة وصفها قولهم: "سنكون لطيفين مع الأشخاص الذين يستسلمون". وقال على وجه الخصوص إن وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون كانت "مترددة جداً في المضي قدماً في هذا"، بسبب تطلعاتها الرئاسية. وقال روبن: "النساء يشكلن دائرة انتخابية مهمة للغاية بالنسبة لها، لم تستطع الترويج لعقد صفقة مع طالبان". "إذا كنت تريد أن تكون أول امرأة تترأس، فلا يمكنك التلميح أو فعل ما يشكك في أنك أقوى شخص في الأمن القومي". جادل دبلوماسيون آخرون بأن محاولة الاتفاق مع طالبان ما هي إلا مضيعة للوقت. وقال ريان كروكر، الذي عمل سفيراً لأوباما في أفغانستان في الفترة من 2011 إلى 2012، لمحاوري الحكومة: "لم أصدق أبداً أن المفاوضات مع طالبان، أياً كان من يجريها، ستقود إلى أي نجاح". شعرت أن المفاوضات على الأكثر يمكنها أن تحيد عدداً من أفراد طالبان وتجعلهم في صف الحكومة، وأن هذا سيحدث بالتدريج". في مقابلات الدروس المستفادة، أقر مسؤولو إدارة أوباما أنهم فشلوا في مواجهة تحدٍ استراتيجي آخر أزعج بوش، وهو ما يجب فعله حيال باكستان. واصلت واشنطن منح باكستان مليارات الدولارات سنوياً للمساعدة في مكافحة الإرهاب. ومع ذلك، لم يتوقف القادة العسكريون والاستخباراتيون الباكستانيون عن دعم طالبان الأفغانية وتوفير الملاذ لقادتها. قال مسؤول سابق بالبيت الأبيض لمحاورين حكوميين عام 2015: "اعتقدت إدارة أوباما أنه إذا بقيتْ هناك سترى باكستان النور". في مقابلة منفصلة عام 2015، اشتكى مسؤول آخر لم يذكر اسمه من أن إدارة أوباما لن تسمح للقوات الأمريكية بمهاجمة معسكرات طالبان على الجانب الباكستاني من الحدود. وقال المسؤول "وما زلنا حتى اليوم نتساءل ما المشكلة!". "لقد تحدثت إلى الجنرال بتريوس وقلت لو كنت جنرالًا وأُطلقت رصاصة على رجالي سأطارد مصدرها، فقال بتريوس نعم، حسنًا، تحدث إلى واشنطن!". وقال كروكر، الذي عمل أيضًا سفيرًا للولايات المتحدة في باكستان من عام 2004 إلى عام 2007، لمحاوري الحكومة: "إن القادة الباكستانيين لم يكلفوا أنفسهم عناء إخفاء ازدواجيتهم". وقد روى محادثة أجراها مع الجنرال أشفق كياني، الذي كان آنذاك رئيس المخابرات الباكستانية، والذي كان يتابع معه شأن طالبان، قال فيها: "أتعلم؟ أعرف أنك تعتقد أننا نحوط رهاناتنا، أنت على حق، لأنكم في يوم من الأيام سترحلون، الأمر سيكون مثل أفغانستان في المرة الأولى، سوف ينتهي أمركم، لكننا سنبقى هنا ولا نستطيع نقل بلادنا إلى مكان آخر. ولا يمكن أن نضيف إلى كل مشاكلنا الأخرى تحويل طالبان إلى عدو مميت، لذا، نعم، نحن نحوط رهاناتنا". قال كروكر في مقابلات الدروس المستفادة في ديسمبر 2016: "إن الطريقة الوحيدة لإجبار باكستان على التغيير تكون بإبقاء ترامب القوات الأمريكية في أفغانستان إلى أجل غير مسمى، ومنحها الضوء الأخضر لمطاردة طالبان على الأراضي الباكستانية". إن ذلك سيسمح له بالقول: "أنت قلق بشأن مصداقيتنا، ومن انسحابنا من أفغانستان، أنا هنا لأخبرك أنني سأبقي القوات هناك طالما أشعر أننا بحاجة إليها". "هذه هي الأخبار الجيدة، أما الأخبار السيئة بالنسبة لك فهي أننا سنقتل قادة طالبان أينما وجدناهم: بلوشستان، البنجاب، وسط إسلام آباد، سنذهب للعثور عليهم، لذلك ربما تريد إعادة التفكير في استراتيجيتك". الذي يقولونه في العلن 2 فبراير 2015 "التكتيك بدون استراتيجية طريق جيدة للفشل". مسؤول ألماني غير مذكور اسمه لمقابلات الدروس المستفادة في البداية، كانت الآمال كبيرة أن تؤدي استراتيجية أوباما إلى تغيير الاتجاه، لكن المسؤولين العسكريين والمدنيين الذين اشتركوا في مقابلات مشروع SIGAR قالوا إنه سرعان ما أصبح واضحًا أن الدروس المستفادة من منطقة حرب ما لا تنطبق بالضرورة على الأخرى. قال ضابط مجهول الهوية من القوات الخاصة عمل في أفغانستان عام 2013، إن جميع القوات هناك كانت تعتقد أن أفغانستان ستكون مثل العراق تمامًا. قال: "كانوا يشيرون إلى العراق باستمرار، ولكن كون القرويين يرتدون الروب ويتحدثون لغة ديركا ديركا[1] لا يعني أنها البلد نفسه". قال الضابط لمقابلة الحكومة إن الاستراتيجية الجديدة لمكافحة التمرد كانت متعجلة، إذ تلقت القوات توجيهات شحيحة من الأعلى: "لم نُعطَ أي وثائق تعلمنا كيفية القيام بعملنا، لقد أُعطينا الأولويات الاستراتيجية الغامضة للقائد، لكن ذلك كان بمثابة "اذهب وافعل أفعالاً جيدة". فالقيام بالأمور على وجهها الصحيح سواء على المستوى الاستراتيجي أو التشغيلي، تأخر لصالح فعلها بسرعة. وقال آخرون إن الاستراتيجية قائمة على الكلمات الطنانة وتفتقر إلى الجوهر. تبنى القادة العسكريون الأمريكيون نهجًا وصفوه بأنه "واضح، متماسك، مبني"، إذ ستطهر القوات المناطق من المتمردين وتبقى حتى يتمكن مسؤولو الحكومة المحلية وقوات الأمن الأفغانية من تحقيق الاستقرار بالمناطق بتدفق المساعدات. ونظرًا لأنهم كانوا يعملون وفقًا لجدول زمني ضيق، حاول القادة الأمريكيون أولاً تطهير المناطق التي ترسخت فيها طالبان بشدة، مثل مقاطعتي هلمند وقندهار في جنوب أفغانستان، وقد أدى هذا النهج إلى نتائج عكسية عندما ألقى المسؤولون الأمريكيون المساعدة في المناطق التي ظلت داعمة لطالبان ولكنها أهملت المناطق السلمية التي انحازت إلى الحكومة في كابول. وفي مقابلة مع "الدروس المستفادة"، قال مسؤول كبير بالوكالة الأمريكية للتنمية الدولية إن حكامًا مستقرين من مقاطعات مستقرة سيأتون إلى كابول ويسألون: "ما الذي يجب علي فعله للحصول على حب الأمريكيين؟ هل نقوم ببعض الفوضى؟". مسؤول الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، مقابلة الدروس المستفادة، 2016/11/18. وقال نفس المسؤول: "كنا بحاجة إلى الذهاب أولاً حيث المسالمون ونكافئ أصحاب السلوك الإيجابي منهم"، مضيفًا أن الأمريكيين وحلفاءهم بحاجة إلى "تعزيز الأشخاص الذين يتعاونون مع الحكومة، وبذلك يمكننا أن نبرهن عن نجاحنا، ثم نطلب المثل في المناطق غير الآمنة، لكن هذا يستغرق وقتًا كما ينبغي، ونحن لم يكن لدينا وقت أو صبر". عام 2014، مع تراكم الأدلة على أن خطة أوباما كانت متعثرة، أخبرت مسؤولة كبيرة في وزارة الخارجية مقابلات الحكومة أن المهمة كانت غير مركزة منذ البداية. وقالت الدبلوماسية الكبيرة: "لقد سئمت من قول أوباما: (لقد سئمنا الحرب). 5٪ فقط من الأمريكيين مشاركون في الحرب، إنها لا تؤثر على معظم الأمريكيين". وأضافت: "لو كنت مؤلفةً كتابًا، فإن غلافه سيكون: "أمريكا تذهب إلى الحرب دون أن تعرف لماذا تفعل ذلك". “لقد دخلنا بشكل لا إرادي بعد أحداث 11 سبتمبر دون معرفة ما كنا نحاول تحقيقه. أود أن أكتب كتابًا عن أهمية وجود خطة ونهاية متوقعة". أخبر عشرات المسؤولين الأمريكيين والأفغان الذين أجروا المقابلات أن المشاكل تعكس خللاً أعمق بكثير. على الرغم من سنوات من الحرب، ما زالت الولايات المتحدة لا تفهم ما الذي يحفز أعداءها على القتال. قال مسؤول لم تسمه الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في مقابلة مع الدروس المستفادة عام 2016 إن وجود طالبان "كان عرضًا، لكن نادرًا ما حاولنا فهم ماهية المرض". في مقابلة منفصلة ذلك العام، قال ضابط الشؤون المدنية بالجيش: «من أجل التوضيح، عليك أن تعرف عدوك. أنت لا تعرف عدوك، أنت فقط تدمر ما حولك وتبعد الناس من أمامك". وقال شهم محمود ميخائيل، وهو مسؤول أفغاني كبير يعمل الآن حاكمًا لإقليم نانجاهار، للمقابلات إن هناك طريقة بسيطة لمعرفة ما إذا كانت استراتيجية الولايات المتحدة ناجحة. وقال: "أخبرت بتريوس أنك ستفشل في مكافحة التمرد التي لا تعرف فيها صديقك، ولا عدوك ولا البيئة المحيطة". "أخبرته بالتحقق من قائمته التي تحتوي الأشخاص الذين يستحقون القتل أو الاعتقال، وقلت له انظر هل أصبحت أطول أم أقصر؟ لو أصبحت أطول فهذا يعني أن استراتيجيتك قد فشلت". في مارس 2011، عندما كان قائدًا لقوات الولايات المتحدة وقوات الناتو، قدر بتريوس أعداد مقاتلي طالبان بـنحو 25000، وفقًا لشهادة أدلى بها للكونجرس. اليوم، يقدر الجيش الأمريكي أن العدد قد تضاعف إلى نحو 60،000. *** [هنا ينتهي الملف الثاني من تحقيق "أوراق أفغانية.. التاريخ السري للحرب". ونبدأ في ترجمة الملف الثالث في العدد القادم بحول الله وقوته. (المترجم)] ________________________________________ [1] "يستخدم قطاع من الأمريكيين لفظة "ديركا ديركا" للإشارة إلى اللغة التي يتحدث بها المسلمون بالعراق وأفغانستان وما شابههما من البلدان، وبعضهم يصفها بأنها لغة الإرهابيين". المترجم
ملف: أوراق أفغانية..التاريخ السري للحرب
عالقون بلا استراتيجية (3-3)

● كان لدى بوش وأوباما خُطط على طرفي نقيض لكسب الحرب وقد فشلت كلها

تحقيق حصري لصحيفة واشنطن بوست[1]

ترجمه لمجلة كلمة حق: حامد عبد العظيم
________________________________________
[1] كاتب الاستقصاء هو الصحفي بواشنطن بوست: كريج ويتلوك. والاستقصاء منشور بتاريخ 9-12-2019. رابط الاستقصاء.





الذي يقولونه في العلن
27 يوليو 2010

"يجب علينا تصنيفهم إلى عنيد لا يقبل المساومة، وإلى طرف يمكن التفاهم معه، وسوف نحيّد القسم الأول منهم".

جنرال البحرية آنذاك جيم ماتيس، عن طالبان خلال جلسة استماع بمجلس الشيوخ.


افتقر أوباما -كسابقه بوش- إلى استراتيجية دبلوماسية فعالة للتفاهم مع طالبان.

كانت إدارة أوباما في العلن تدعو إلى "مصالحة" بين الحكومة الأفغانية وقادة التمرد، لكن مقابلات الدروس المستفادة تظهر أن مستشاري أوباما اختلفوا بشدة حول ما يعنيه ذلك.

وقال روبين، الذي فضّل التحدث إلى طالبان، للمقابلات إن بعض المتشددين حصروا المصالحة في شريحة معينة وصفها قولهم: "سنكون لطيفين مع الأشخاص الذين يستسلمون".

وقال على وجه الخصوص إن وزيرة الخارجية هيلاري كلينتون كانت "مترددة جداً في المضي قدماً في هذا"، بسبب تطلعاتها الرئاسية.

وقال روبن: "النساء يشكلن دائرة انتخابية مهمة للغاية بالنسبة لها، لم تستطع الترويج لعقد صفقة مع طالبان". "إذا كنت تريد أن تكون أول امرأة تترأس، فلا يمكنك التلميح أو فعل ما يشكك في أنك أقوى شخص في الأمن القومي".

جادل دبلوماسيون آخرون بأن محاولة الاتفاق مع طالبان ما هي إلا مضيعة للوقت.

وقال ريان كروكر، الذي عمل سفيراً لأوباما في أفغانستان في الفترة من 2011 إلى 2012، لمحاوري الحكومة: "لم أصدق أبداً أن المفاوضات مع طالبان، أياً كان من يجريها، ستقود إلى أي نجاح".

شعرت أن المفاوضات على الأكثر يمكنها أن تحيد عدداً من أفراد طالبان وتجعلهم في صف الحكومة، وأن هذا سيحدث بالتدريج".

في مقابلات الدروس المستفادة، أقر مسؤولو إدارة أوباما أنهم فشلوا في مواجهة تحدٍ استراتيجي آخر أزعج بوش، وهو ما يجب فعله حيال باكستان.
واصلت واشنطن منح باكستان مليارات الدولارات سنوياً للمساعدة في مكافحة الإرهاب. ومع ذلك، لم يتوقف القادة العسكريون والاستخباراتيون الباكستانيون عن دعم طالبان الأفغانية وتوفير الملاذ لقادتها.

قال مسؤول سابق بالبيت الأبيض لمحاورين حكوميين عام 2015: "اعتقدت إدارة أوباما أنه إذا بقيتْ هناك سترى باكستان النور".

في مقابلة منفصلة عام 2015، اشتكى مسؤول آخر لم يذكر اسمه من أن إدارة أوباما لن تسمح للقوات الأمريكية بمهاجمة معسكرات طالبان على الجانب الباكستاني من الحدود.

وقال المسؤول "وما زلنا حتى اليوم نتساءل ما المشكلة!". "لقد تحدثت إلى الجنرال بتريوس وقلت لو كنت جنرالًا وأُطلقت رصاصة على رجالي سأطارد مصدرها، فقال بتريوس نعم، حسنًا، تحدث إلى واشنطن!".

وقال كروكر، الذي عمل أيضًا سفيرًا للولايات المتحدة في باكستان من عام 2004 إلى عام 2007، لمحاوري الحكومة: "إن القادة الباكستانيين لم يكلفوا أنفسهم عناء إخفاء ازدواجيتهم".

وقد روى محادثة أجراها مع الجنرال أشفق كياني، الذي كان آنذاك رئيس المخابرات الباكستانية، والذي كان يتابع معه شأن طالبان، قال فيها: "أتعلم؟ أعرف أنك تعتقد أننا نحوط رهاناتنا، أنت على حق، لأنكم في يوم من الأيام سترحلون، الأمر سيكون مثل أفغانستان في المرة الأولى، سوف ينتهي أمركم، لكننا سنبقى هنا ولا نستطيع نقل بلادنا إلى مكان آخر. ولا يمكن أن نضيف إلى كل مشاكلنا الأخرى تحويل طالبان إلى عدو مميت، لذا، نعم، نحن نحوط رهاناتنا".

قال كروكر في مقابلات الدروس المستفادة في ديسمبر 2016: "إن الطريقة الوحيدة لإجبار باكستان على التغيير تكون بإبقاء ترامب القوات الأمريكية في أفغانستان إلى أجل غير مسمى، ومنحها الضوء الأخضر لمطاردة طالبان على الأراضي الباكستانية".

إن ذلك سيسمح له بالقول: "أنت قلق بشأن مصداقيتنا، ومن انسحابنا من أفغانستان، أنا هنا لأخبرك أنني سأبقي القوات هناك طالما أشعر أننا بحاجة إليها".

"هذه هي الأخبار الجيدة، أما الأخبار السيئة بالنسبة لك فهي أننا سنقتل قادة طالبان أينما وجدناهم: بلوشستان، البنجاب، وسط إسلام آباد، سنذهب للعثور عليهم، لذلك ربما تريد إعادة التفكير في استراتيجيتك".


الذي يقولونه في العلن
2 فبراير 2015

"التكتيك بدون استراتيجية طريق جيدة للفشل".
مسؤول ألماني غير مذكور اسمه لمقابلات الدروس المستفادة

في البداية، كانت الآمال كبيرة أن تؤدي استراتيجية أوباما إلى تغيير الاتجاه، لكن المسؤولين العسكريين والمدنيين الذين اشتركوا في مقابلات مشروع SIGAR قالوا إنه سرعان ما أصبح واضحًا أن الدروس المستفادة من منطقة حرب ما لا تنطبق بالضرورة على الأخرى.

قال ضابط مجهول الهوية من القوات الخاصة عمل في أفغانستان عام 2013، إن جميع القوات هناك كانت تعتقد أن أفغانستان ستكون مثل العراق تمامًا. قال: "كانوا يشيرون إلى العراق باستمرار، ولكن كون القرويين يرتدون الروب ويتحدثون لغة ديركا ديركا[1] لا يعني أنها البلد نفسه".

قال الضابط لمقابلة الحكومة إن الاستراتيجية الجديدة لمكافحة التمرد كانت متعجلة، إذ تلقت القوات توجيهات شحيحة من الأعلى: "لم نُعطَ أي وثائق تعلمنا كيفية القيام بعملنا، لقد أُعطينا الأولويات الاستراتيجية الغامضة للقائد، لكن ذلك كان بمثابة "اذهب وافعل أفعالاً جيدة". فالقيام بالأمور على وجهها الصحيح سواء على المستوى الاستراتيجي أو التشغيلي، تأخر لصالح فعلها بسرعة.

وقال آخرون إن الاستراتيجية قائمة على الكلمات الطنانة وتفتقر إلى الجوهر. تبنى القادة العسكريون الأمريكيون نهجًا وصفوه بأنه "واضح، متماسك، مبني"، إذ ستطهر القوات المناطق من المتمردين وتبقى حتى يتمكن مسؤولو الحكومة المحلية وقوات الأمن الأفغانية من تحقيق الاستقرار بالمناطق بتدفق المساعدات.

ونظرًا لأنهم كانوا يعملون وفقًا لجدول زمني ضيق، حاول القادة الأمريكيون أولاً تطهير المناطق التي ترسخت فيها طالبان بشدة، مثل مقاطعتي هلمند وقندهار في جنوب أفغانستان، وقد أدى هذا النهج إلى نتائج عكسية عندما ألقى المسؤولون الأمريكيون المساعدة في المناطق التي ظلت داعمة لطالبان ولكنها أهملت المناطق السلمية التي انحازت إلى الحكومة في كابول.

وفي مقابلة مع "الدروس المستفادة"، قال مسؤول كبير بالوكالة الأمريكية للتنمية الدولية إن حكامًا مستقرين من مقاطعات مستقرة سيأتون إلى كابول ويسألون: "ما الذي يجب علي فعله للحصول على حب الأمريكيين؟ هل نقوم ببعض الفوضى؟". مسؤول الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، مقابلة الدروس المستفادة، 2016/11/18.

وقال نفس المسؤول: "كنا بحاجة إلى الذهاب أولاً حيث المسالمون ونكافئ أصحاب السلوك الإيجابي منهم"، مضيفًا أن الأمريكيين وحلفاءهم بحاجة إلى "تعزيز الأشخاص الذين يتعاونون مع الحكومة، وبذلك يمكننا أن نبرهن عن نجاحنا، ثم نطلب المثل في المناطق غير الآمنة، لكن هذا يستغرق وقتًا كما ينبغي، ونحن لم يكن لدينا وقت أو صبر".

عام 2014، مع تراكم الأدلة على أن خطة أوباما كانت متعثرة، أخبرت مسؤولة كبيرة في وزارة الخارجية مقابلات الحكومة أن المهمة كانت غير مركزة منذ البداية.

وقالت الدبلوماسية الكبيرة: "لقد سئمت من قول أوباما: (لقد سئمنا الحرب). 5٪ فقط من الأمريكيين مشاركون في الحرب، إنها لا تؤثر على معظم الأمريكيين".

وأضافت: "لو كنت مؤلفةً كتابًا، فإن غلافه سيكون: "أمريكا تذهب إلى الحرب دون أن تعرف لماذا تفعل ذلك". “لقد دخلنا بشكل لا إرادي بعد أحداث 11 سبتمبر دون معرفة ما كنا نحاول تحقيقه. أود أن أكتب كتابًا عن أهمية وجود خطة ونهاية متوقعة".

أخبر عشرات المسؤولين الأمريكيين والأفغان الذين أجروا المقابلات أن المشاكل تعكس خللاً أعمق بكثير. على الرغم من سنوات من الحرب، ما زالت الولايات المتحدة لا تفهم ما الذي يحفز أعداءها على القتال.

قال مسؤول لم تسمه الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية في مقابلة مع الدروس المستفادة عام 2016 إن وجود طالبان "كان عرضًا، لكن نادرًا ما حاولنا فهم ماهية المرض".

في مقابلة منفصلة ذلك العام، قال ضابط الشؤون المدنية بالجيش: «من أجل التوضيح، عليك أن تعرف عدوك. أنت لا تعرف عدوك، أنت فقط تدمر ما حولك وتبعد الناس من أمامك".

وقال شهم محمود ميخائيل، وهو مسؤول أفغاني كبير يعمل الآن حاكمًا لإقليم نانجاهار، للمقابلات إن هناك طريقة بسيطة لمعرفة ما إذا كانت استراتيجية الولايات المتحدة ناجحة.

وقال: "أخبرت بتريوس أنك ستفشل في مكافحة التمرد التي لا تعرف فيها صديقك، ولا عدوك ولا البيئة المحيطة". "أخبرته بالتحقق من قائمته التي تحتوي الأشخاص الذين يستحقون القتل أو الاعتقال، وقلت له انظر هل أصبحت أطول أم أقصر؟ لو أصبحت أطول فهذا يعني أن استراتيجيتك قد فشلت".

في مارس 2011، عندما كان قائدًا لقوات الولايات المتحدة وقوات الناتو، قدر بتريوس أعداد مقاتلي طالبان بـنحو 25000، وفقًا لشهادة أدلى بها للكونجرس.

اليوم، يقدر الجيش الأمريكي أن العدد قد تضاعف إلى نحو 60،000.
***

[هنا ينتهي الملف الثاني من تحقيق "أوراق أفغانية.. التاريخ السري للحرب". ونبدأ في ترجمة الملف الثالث في العدد القادم بحول الله وقوته. (المترجم)]

________________________________________
[1] "يستخدم قطاع من الأمريكيين لفظة "ديركا ديركا" للإشارة إلى اللغة التي يتحدث بها المسلمون بالعراق وأفغانستان وما شابههما من البلدان، وبعضهم يصفها بأنها لغة الإرهابيين". المترجم
‏٠١‏/٠٦‏/٢٠٢٠ ١:٠٨ م‏
فتاوى كورونا التي هدمت الشعائر د. مجدي شلش [حمّل العدد 34 t.me/klmtuhaq/507 هدية العدد t.me/klmtuhaq/511 الأعداد والهدايا السابقة t.me/klmtu] سيل من الفتاوى المتعلقة بنازلة كورونا، منها ما يتعلق بالفرائض كصلاة الجمعة وصيام رمضان وحج بيت الله الحرام، ومنها ما يتعلق بالنوافل كصلاة الجماعة في المساجد والتراويح في شهر رمضان، هذه الفتاوى بعضها صدر من أشخاص والبعض الآخر صدر من مجامع أو هيئات علمية. لا عتب أبداً على أناس لا صلة لهم بالعلم وخاضوا بأهوائهم في غلق المساجد وهدم الشعائر التي هي أصلاً مهدومة في قلوبهم قبل سلوكهم، إنما العتب واللوم على من يتصدر للفتوى ويدلي بدلوه وهو منسوب لأهل العلم، وقد قدم بفتواه التي تمنع مطلقاً الشعائر في المساجد فرضاً أو نفلاً، وخاضت في ترك الصيام أو الحج لمنع الضرر المترتب على أداء الشعائر جماعة على طبق من ذهب لهدم الشعائر تأصيلاً وتفصيلاً. قد يقول قائل إنني أفتيت بالحق، والحق أحق أن يتبع، وافق أهواء المجرمين الذين يتربصون بالإسلام الدوائر والدواهي أو خالف، هذا دين، ويجب أن نفتي به، وهذا المنهج له عندي عدة نصائح: أولها: الفتاوى التي منعت الشعائر وقالت بحرمة الاجتماع في المساجد لصلاة الجمعة أو الجماعة إنما قامت على أدلة ظنية الثبوت أو الدلالة، وليس لها دليل قاطع يدل على المنع، إنما هي من قبيل الاجتهاد الذي يقبل الصواب والخطأ، وليس من قبيل الحق المطلق، حتى يقال إن الفتوى بالمنع دين وحق وافق أهل الأهواء أو لم يوافقهم. ثانيها: غالب من قرأت لهم بالمنع ليسوا من أهل الفتوى، الذين توافرت فيهم شروط الاجتهاد، إنما منهم سادة خطباء من أهل الدعوة إلى الله، ومنهم من تخصص في الثقافة العامة، أو نشط في مجال التزكية، ومجال الفتوى وبالأخص في النوازل الكبرى يحتاج إلى تخصص دقيق، يشمل: 1- العلم بجميع النصوص التي وردت في النازلة، أو التي تشبهها في غالب أوصافها، حتى يصح التنزيل الصحيح. 2- فقه هذه النصوص وعللها في ضوء شرائط الاستدلال التي تمكن الشخص من الاستنباط الصحيح. 3- فقه الواقع والوقوف على التحديات التي تحياها الأمة الآن، فمن المعلوم أن الجهل بالواقع وبمفرداته يؤثر في صحة الفتوى، والواقع الذي تعيشه الأمة من الظلم والقتل والهدم لا يخفى على أحد، وفي مقدمة ذلك استهداف الشعائر الإسلامية التي القصد الأول منها إعلاء كلمة الله وإظهار التوجه الإسلامي للأمة. غالب الأنظمة المتحكمة في رقاب المسلمين الآن لا يرقبون في شعيرة من الشعائر إلّاً ولا ذمة، والواقع خير شاهد ودليل، فهل نقدم لهم على طبق من ذهب هدم الشعائر بأيدينا، أو أن الأمر يحتاج منا إلى تريث وفقه وإنزال الحكم على ما يناسبه، بحيث لا نقع في مخالفة نص قطعي الثبوت قطعي الدلالة، ولا مقصد ضروري من المقاصد التي أجمع على رعايتها الشرع الحنيف، من حفظ دين أو نفس أو مال أو نسب أو عقل. الفتوى في النوازل من قبيل الاجتهاد قطعاً، ولما لم يجمع أهل العلم فيها على قول معين، تبقى في حيز الأخذ والرد، والقطع في محل الظن ليس من دأب الأفذاذ من العلماء، إنما من دأب بعض طلبة العلم الذين لم يتقنوا فن الفتوى. 4- الاستشهاد بالقواعد الشرعية التي لم تحظَ باتفاق العلماء في المنع من الشعائر وتصويرها للعامة على أنها من قبيل القواعد المتفق عليها، وأنها قاطعة في المنع من الشعيرة نوع من الغش والتدليس والاحتكام إلى مظنون لمنع ما هو ثابت بيقين ألا وهم تعظيم شعائر الله وأنها علامة على تقوى القلوب. 5- نعم نفي الضرر مقدم على جلب المنفعة، ودرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، وارتكاب أخف الضررين أهون من ارتكاب أشدهما، كلها قواعد صحيحة، لكن من الذي عنده المكنة العلمية على تطبيقها على النازلة، هذا ليس للأفراد أو الهيئات المسيسة والتي تدافع عمن يملك قرارها، أو المؤسسات التي تعيش من أجل الأمن ولقمة العيش التي فقدته في بلادها. تنزيل الواقعة على النصوص الشرعية أو القواعد الشرعية يحتاج على سبيل الوجوب لهيئة علمائية مستقلة، تجمع أهل الاختصاص المحترفين في الفتوى، لا مجموعة هواة ليسوا من أهل التخصص وتلعب بهم الأهواء النفسية من حب الشهرة بالسبق إلى الفتوى والتسرع فيها حتى يكون من أهل السبق. القدوة في ذلك الصحابة رضوان الله عليهم إذا جد جديد أو نزلت نازلة جمعوا لها أولي الأمر من أهل العلم، فإن اتفقوا صار إجماعاً، وإن تعددت الأقوال فالأمر فيه سَعة، مع وضع الضوابط والمحاذير لمن منع ولمن أجاز حتى لاتكون فتنة ويقع الضرر. 6- عرض مذاهب العلماء السابقين من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة وغيرهم من أئمة الاجتهاد المطلق في النازلة أمر مقدر ومحترم، لكن القطع به لزماننا والإلزام به لوقتنا وقد اختلفت الظروف والأحوال، فهؤلاء الأئمة غالبهم عاش في ظل خلافة تحترم الشعائر الإسلامية وبالأخص ما يتعلق منها بأمور العبادات من صلاة وصيام وحج، ولم يروا المهازل التي تعيشها الأمة في زمن حل فيه الاستخراب العقدي والفكري والأخلاقي والسياسي والمالي، وأصبحت الأمة رهينة عند أبناء القردة والخنازير، فهل تلزم الأمة الآن بما أفتى به المجتهدون في العصر الأول أو الثاني أو الثالث أو الرابع الهجري، أو أن ذلك يقدر ويحترم ويكون موضع الاستئناس عند الفتوى؟ 7- ألا من جديد في الفتوى يقدمه العلماء في النوازل، يحترموا فيه النصوص الشرعية والقواعد الفقهية واجتهادات السابقين من أولي العلم من أئمتنا وسادتنا، أم أننا ما زلنا عالة على فكرهم وجهدهم، العصمة للنص وحده، وما عدا ذلك فكل يؤخذ من كلامه ويترك حسب الواقع الذي نرى بأم أعيننا تحدياته وصعوباته تجاه الأمة الإسلامية. 8- الجديد الذي نستطيع أن نقدمه الآن هو: أن يكون القصد الأول من الفتوى ملاءمة المقاصد العامة مع فقه الواقع، والشرع أعطى بل ألزم الاجتهاد في كل نازلة بما يناسبها، والمناسب في نظري الآن هو: تنادي العلماء الأحرار الذين عرف عنهم إتقان التخصص في إخراج المنتج العلمي المتعلق بالفتوى، وفقههم للواقع بكل ظروفه وأحواله، فإن اتفقوا فقد بدأنا خطوة على طريق الاختصاص ولم شمل أهل العلم، وبداية لما أهم وأعظم، وإن اختلفوا فالأمر فيه مندوحة وسعة. قد يقول البعض هذا حلم لن يتحقق، أقول: ليس مستحيلاً أبداً، وكثير من الأحلام تحققت على أرض الواقع وأصبحت حالة وعرف، إلى أن يأتي ذلك الأمر أقول برأيي - فإن كان صواباً فمن توفيق الله وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان والله بريء منه ورسوله - بكل وضوح وصراحة في نازلة كورونا فيما يخص المنع من الصلاة في المساجد وصلاة التراويح والصيام وغير ذلك: بِحسْب علمي وتخصصي أفتي بالآتي: أولاً: صلاة الجمعة واجبة باتفاق أهل العلم، وإقامتها واجبة في المساجد بالصورة التي لا يتحقق بها ضرر قطعي، أو يغلب على الظن تحققه، وهذا ممكن، بالتباعد في الصفوف، وأخذ المسافة المناسبة بين المصلين، أما تركها بالكلية أرى فيه إثم كبير لمن أفتى بالمنع المطلق، وبالأخص إذا كان من غير أهل الاختصاص، ومن رواد الإعلام الذي يستضيف المتخصص وغير المتخصص، وإنما يركز على أهل الشهرة. ثانياً: صلاة الجماعة فرض كفاية في حق أهل البلد، إن تعمدوا تركها جميعاً يحاسبوا على ذلك، وعليهم من الإثم والوزر في ترك فرض من فرائض الإسلام وشعيرة من شعائره، أما على مستوى الأفراد فأهل التحقيق على أنها سنة مؤكدة، لا يصح المواظبة على تركها، فالسنن المؤكدة وإن جاز تركها بالجزء لا يجوز تركها بالكل، وبناء عليه: يلزم أهل كل بلد أن يقيموا ولو جماعة واحدة في بلدتهم، مع أخذ التدابير والاحتياط لمنع انتقال الفيروس لهم، وعلى المستوى الفردي يؤدي كل مسلم على الأقل صلاة واحدة في المسجد يومياً، وإن تيسر له أكثر من ذلك فهو أفضل لا شك. ثالثاً: صلاة التروايح سنة مؤكدة في رمضان، والاجتماع لها يمثل شعيرة خاصة بالمسلمين في رمضان، ويجب ألا تهدم بالكلية، والعرف فيها أنها في المسجد وليست في البيت، ولا يجري عليها أحكام النوافل الفردية التي جاءت الأحاديث تدل على فضلها في البيت، فما كان شعيرة كصلاة العيدين والكسوف والخسوف والتراويح الجماعة في خارج البيت لا شك أفضل، وبالأخص لو كانت في المسجد، ويتخذ فيها من التدابير ما سبق أن قلته في صلاة الجماعة، وبناء عليه: الفتوى التي تمنع مطلقاً لا حظ لها في نظري من الصواب. رابعاً: الصلاة خلف المذياع بخصوص صلاة التراويح: ليس فيها إجماع على المنع أو الجواز ممن تكلموا في حكمها، وأرى فيها بالآتي: ليس فيها نص قاطع بالمنع، وغاية ما استدل به المانعون من أوجه الدلالة لبعض النصوص أو بعض القواعد الفقهية لا يرقى إلى المنع المطلق فيها، فتبقى المسألة في حيز الاجتهاد والأخذ والرد، وبناء عليه: أفتي بجواز قيامها؛ للآتي: 1- لعدم وجود النص القاطع بالمنع، والشروط التي اشترطها العلماء في صحة اقتداء المأموم بالإمام ليس مجمعاً عليها، وغالبها لا يؤدي إلى بطلان الصلاة، وهذه الشروط وضعها العلماء في الأمور العادية وليست جارية في النوازل، فالنوازل لها حكمها بدليل صلاة الخوف التي لها كيفية تختلف عن الصلاة في الأمور العادية، ولا يقولن أحد إن ذلك من قبيل اختراع عبادة جديدة أو هيئة غير معهودة، فالفقهاء في أمر العبادات لهم اجتهادات كثيرة في مثل هذه المسائل عند كثرة الأعداد للمصلين قالوا بجواز التبليغ، وبعد صحة اشتراط رؤية الإمام لصحة الصلاة، وفي ذلك نماذج اجتهادية مناسبة للوقت في كتب الفقه كثيرة، فالاجتهاد الفقهي لا يوسم بالبدعة حيث سمح الاختلاف في المسألة. 2- في إقامتها تعظيم لما هو قطعي، إذ إنها من جملة الشعائر التي يجب أن تحترم وتقدر، وفي إقامتها تحقيق مقاصد شرعية كثيرة لا تخفى على من كان من أهل العلم. 3- إقامتها مشروطة بعدم تحقق الضرر القطعي أو الظني من انتقال الفيروس، وإما إذا تحقق عدم الضرر فإقامتها في المساجد وما يلحق بها هو الأولي، فمن المعلوم فقها أن الميسور لا يسقط بالمعسور، وما لا يدرك كله لا يترك كله، في العبادات والمعاملات، وبناء عليه: فالفتوى بالمنع المطلق فتوى جامدة صلبة لم تتحر الواقع المحلي ولا الإقليمي ولا العالمي، وتماهت مع أصحاب الأهواء وإن لم تقصد ذلك. خامساً: يجري على الحج كشعيرة ما قلته في أمر صلاة الجمعة وصلاة الجماعة. سادساً: الصيام فريضة تركها لأدنى ملابسة خطر عظيم وبهتان كبير، وما يجري على الفرد فيها إن كان مريضاً أو مسافراً لا يجري على جميع الأمة، وقد ثبت بيقين أن الصوم له تأثير إيجابي على الصحة وبالأخص فيما يتعلق بالمناعة، وبناء عليه: كل من أفتى بحرمة الصوم في نازلة كورونا لا حظ لفتواه من الصحة.
فتاوى كورونا التي هدمت الشعائر
د. مجدي شلش

[حمّل العدد 34 t.me/klmtuhaq/507
هدية العدد
t.me/klmtuhaq/511
الأعداد والهدايا السابقة
t.me/klmtu]

سيل من الفتاوى المتعلقة بنازلة كورونا، منها ما يتعلق بالفرائض كصلاة الجمعة وصيام رمضان وحج بيت الله الحرام، ومنها ما يتعلق بالنوافل كصلاة الجماعة في المساجد والتراويح في شهر رمضان، هذه الفتاوى بعضها صدر من أشخاص والبعض الآخر صدر من مجامع أو هيئات علمية.

لا عتب أبداً على أناس لا صلة لهم بالعلم وخاضوا بأهوائهم في غلق المساجد وهدم الشعائر التي هي أصلاً مهدومة في قلوبهم قبل سلوكهم، إنما العتب واللوم على من يتصدر للفتوى ويدلي بدلوه وهو منسوب لأهل العلم، وقد قدم بفتواه التي تمنع مطلقاً الشعائر في المساجد فرضاً أو نفلاً، وخاضت في ترك الصيام أو الحج لمنع الضرر المترتب على أداء الشعائر جماعة على طبق من ذهب لهدم الشعائر تأصيلاً وتفصيلاً.

قد يقول قائل إنني أفتيت بالحق، والحق أحق أن يتبع، وافق أهواء المجرمين الذين يتربصون بالإسلام الدوائر والدواهي أو خالف، هذا دين، ويجب أن نفتي به، وهذا المنهج له عندي عدة نصائح:

أولها: الفتاوى التي منعت الشعائر وقالت بحرمة الاجتماع في المساجد لصلاة الجمعة أو الجماعة إنما قامت على أدلة ظنية الثبوت أو الدلالة، وليس لها دليل قاطع يدل على المنع، إنما هي من قبيل الاجتهاد الذي يقبل الصواب والخطأ، وليس من قبيل الحق المطلق، حتى يقال إن الفتوى بالمنع دين وحق وافق أهل الأهواء أو لم يوافقهم.

ثانيها: غالب من قرأت لهم بالمنع ليسوا من أهل الفتوى، الذين توافرت فيهم شروط الاجتهاد، إنما منهم سادة خطباء من أهل الدعوة إلى الله، ومنهم من تخصص في الثقافة العامة، أو نشط في مجال التزكية، ومجال الفتوى وبالأخص في النوازل الكبرى يحتاج إلى تخصص دقيق، يشمل:

1- العلم بجميع النصوص التي وردت في النازلة، أو التي تشبهها في غالب أوصافها، حتى يصح التنزيل الصحيح.

2- فقه هذه النصوص وعللها في ضوء شرائط الاستدلال التي تمكن الشخص من الاستنباط الصحيح.

3- فقه الواقع والوقوف على التحديات التي تحياها الأمة الآن، فمن المعلوم أن الجهل بالواقع وبمفرداته يؤثر في صحة الفتوى، والواقع الذي تعيشه الأمة من الظلم والقتل والهدم لا يخفى على أحد، وفي مقدمة ذلك استهداف الشعائر الإسلامية التي القصد الأول منها إعلاء كلمة الله وإظهار التوجه الإسلامي للأمة.

غالب الأنظمة المتحكمة في رقاب المسلمين الآن لا يرقبون في شعيرة من الشعائر إلّاً ولا ذمة، والواقع خير شاهد ودليل، فهل نقدم لهم على طبق من ذهب هدم الشعائر بأيدينا، أو أن الأمر يحتاج منا إلى تريث وفقه وإنزال الحكم على ما يناسبه، بحيث لا نقع في مخالفة نص قطعي الثبوت قطعي الدلالة، ولا مقصد ضروري من المقاصد التي أجمع على رعايتها الشرع الحنيف، من حفظ دين أو نفس أو مال أو نسب أو عقل.

الفتوى في النوازل من قبيل الاجتهاد قطعاً، ولما لم يجمع أهل العلم فيها على قول معين، تبقى في حيز الأخذ والرد، والقطع في محل الظن ليس من دأب الأفذاذ من العلماء، إنما من دأب بعض طلبة العلم الذين لم يتقنوا فن الفتوى.

4- الاستشهاد بالقواعد الشرعية التي لم تحظَ باتفاق العلماء في المنع من الشعائر وتصويرها للعامة على أنها من قبيل القواعد المتفق عليها، وأنها قاطعة في المنع من الشعيرة نوع من الغش والتدليس والاحتكام إلى مظنون لمنع ما هو ثابت بيقين ألا وهم تعظيم شعائر الله وأنها علامة على تقوى القلوب.

5- نعم نفي الضرر مقدم على جلب المنفعة، ودرء المفسدة مقدم على جلب المصلحة، وارتكاب أخف الضررين أهون من ارتكاب أشدهما، كلها قواعد صحيحة، لكن من الذي عنده المكنة العلمية على تطبيقها على النازلة، هذا ليس للأفراد أو الهيئات المسيسة والتي تدافع عمن يملك قرارها، أو المؤسسات التي تعيش من أجل الأمن ولقمة العيش التي فقدته في بلادها.
تنزيل الواقعة على النصوص الشرعية أو القواعد الشرعية يحتاج على سبيل الوجوب لهيئة علمائية مستقلة، تجمع أهل الاختصاص المحترفين في الفتوى، لا مجموعة هواة ليسوا من أهل التخصص وتلعب بهم الأهواء النفسية من حب الشهرة بالسبق إلى الفتوى والتسرع فيها حتى يكون من أهل السبق.

القدوة في ذلك الصحابة رضوان الله عليهم إذا جد جديد أو نزلت نازلة جمعوا لها أولي الأمر من أهل العلم، فإن اتفقوا صار إجماعاً، وإن تعددت الأقوال فالأمر فيه سَعة، مع وضع الضوابط والمحاذير لمن منع ولمن أجاز حتى لاتكون فتنة ويقع الضرر.

6- عرض مذاهب العلماء السابقين من الحنفية والمالكية والشافعية والحنابلة وغيرهم من أئمة الاجتهاد المطلق في النازلة أمر مقدر ومحترم، لكن القطع به لزماننا والإلزام به لوقتنا وقد اختلفت الظروف والأحوال، فهؤلاء الأئمة غالبهم عاش في ظل خلافة تحترم الشعائر الإسلامية وبالأخص ما يتعلق منها بأمور العبادات من صلاة وصيام وحج، ولم يروا المهازل التي تعيشها الأمة في زمن حل فيه الاستخراب العقدي والفكري والأخلاقي والسياسي والمالي، وأصبحت الأمة رهينة عند أبناء القردة والخنازير، فهل تلزم الأمة الآن بما أفتى به المجتهدون في العصر الأول أو الثاني أو الثالث أو الرابع الهجري، أو أن ذلك يقدر ويحترم ويكون موضع الاستئناس عند الفتوى؟

7- ألا من جديد في الفتوى يقدمه العلماء في النوازل، يحترموا فيه النصوص الشرعية والقواعد الفقهية واجتهادات السابقين من أولي العلم من أئمتنا وسادتنا، أم أننا ما زلنا عالة على فكرهم وجهدهم، العصمة للنص وحده، وما عدا ذلك فكل يؤخذ من كلامه ويترك حسب الواقع الذي نرى بأم أعيننا تحدياته وصعوباته تجاه الأمة الإسلامية.

8- الجديد الذي نستطيع أن نقدمه الآن هو: أن يكون القصد الأول من الفتوى ملاءمة المقاصد العامة مع فقه الواقع، والشرع أعطى بل ألزم الاجتهاد في كل نازلة بما يناسبها، والمناسب في نظري الآن هو:

تنادي العلماء الأحرار الذين عرف عنهم إتقان التخصص في إخراج المنتج العلمي المتعلق بالفتوى، وفقههم للواقع بكل ظروفه وأحواله، فإن اتفقوا فقد بدأنا خطوة على طريق الاختصاص ولم شمل أهل العلم، وبداية لما أهم وأعظم، وإن اختلفوا فالأمر فيه مندوحة وسعة.

قد يقول البعض هذا حلم لن يتحقق، أقول: ليس مستحيلاً أبداً، وكثير من الأحلام تحققت على أرض الواقع وأصبحت حالة وعرف، إلى أن يأتي ذلك الأمر أقول برأيي - فإن كان صواباً فمن توفيق الله وإن كان خطأ فمني ومن الشيطان والله بريء منه ورسوله - بكل وضوح وصراحة في نازلة كورونا فيما يخص المنع من الصلاة في المساجد وصلاة التراويح والصيام وغير ذلك:
بِحسْب علمي وتخصصي أفتي بالآتي:

أولاً: صلاة الجمعة واجبة باتفاق أهل العلم، وإقامتها واجبة في المساجد بالصورة التي لا يتحقق بها ضرر قطعي، أو يغلب على الظن تحققه، وهذا ممكن، بالتباعد في الصفوف، وأخذ المسافة المناسبة بين المصلين، أما تركها بالكلية أرى فيه إثم كبير لمن أفتى بالمنع المطلق، وبالأخص إذا كان من غير أهل الاختصاص، ومن رواد الإعلام الذي يستضيف المتخصص وغير المتخصص، وإنما يركز على أهل الشهرة.

ثانياً: صلاة الجماعة فرض كفاية في حق أهل البلد، إن تعمدوا تركها جميعاً يحاسبوا على ذلك، وعليهم من الإثم والوزر في ترك فرض من فرائض الإسلام وشعيرة من شعائره، أما على مستوى الأفراد فأهل التحقيق على أنها سنة مؤكدة، لا يصح المواظبة على تركها، فالسنن المؤكدة وإن جاز تركها بالجزء لا يجوز تركها بالكل، وبناء عليه: يلزم أهل كل بلد أن يقيموا ولو جماعة واحدة في بلدتهم، مع أخذ التدابير والاحتياط لمنع انتقال الفيروس لهم، وعلى المستوى الفردي يؤدي كل مسلم على الأقل صلاة واحدة في المسجد يومياً، وإن تيسر له أكثر من ذلك فهو أفضل لا شك.

ثالثاً: صلاة التروايح سنة مؤكدة في رمضان، والاجتماع لها يمثل شعيرة خاصة بالمسلمين في رمضان، ويجب ألا تهدم بالكلية، والعرف فيها أنها في المسجد وليست في البيت، ولا يجري عليها أحكام النوافل الفردية التي جاءت الأحاديث تدل على فضلها في البيت، فما كان شعيرة كصلاة العيدين والكسوف والخسوف والتراويح الجماعة في خارج البيت لا شك أفضل، وبالأخص لو كانت في المسجد، ويتخذ فيها من التدابير ما سبق أن قلته في صلاة الجماعة، وبناء عليه: الفتوى التي تمنع مطلقاً لا حظ لها في نظري من الصواب.

رابعاً: الصلاة خلف المذياع بخصوص صلاة التراويح: ليس فيها إجماع على المنع أو الجواز ممن تكلموا في حكمها، وأرى فيها بالآتي:

ليس فيها نص قاطع بالمنع، وغاية ما استدل به المانعون من أوجه الدلالة لبعض النصوص أو بعض القواعد الفقهية لا يرقى إلى المنع المطلق فيها، فتبقى المسألة في حيز الاجتهاد والأخذ والرد، وبناء عليه: أفتي بجواز قيامها؛ للآتي:

1- لعدم وجود النص القاطع بالمنع، والشروط التي اشترطها العلماء في صحة اقتداء المأموم بالإمام ليس مجمعاً عليها، وغالبها لا يؤدي إلى بطلان الصلاة، وهذه الشروط وضعها العلماء في الأمور العادية وليست جارية في النوازل، فالنوازل لها حكمها بدليل صلاة الخوف التي لها كيفية تختلف عن الصلاة في الأمور العادية، ولا يقولن أحد إن ذلك من قبيل اختراع عبادة جديدة أو هيئة غير معهودة، فالفقهاء في أمر العبادات لهم اجتهادات كثيرة في مثل هذه المسائل عند كثرة الأعداد للمصلين قالوا بجواز التبليغ، وبعد صحة اشتراط رؤية الإمام لصحة الصلاة، وفي ذلك نماذج اجتهادية مناسبة للوقت في كتب الفقه كثيرة، فالاجتهاد الفقهي لا يوسم بالبدعة حيث سمح الاختلاف في المسألة.

2- في إقامتها تعظيم لما هو قطعي، إذ إنها من جملة الشعائر التي يجب أن تحترم وتقدر، وفي إقامتها تحقيق مقاصد شرعية كثيرة لا تخفى على من كان من أهل العلم.

3- إقامتها مشروطة بعدم تحقق الضرر القطعي أو الظني من انتقال الفيروس، وإما إذا تحقق عدم الضرر فإقامتها في المساجد وما يلحق بها هو الأولي، فمن المعلوم فقها أن الميسور لا يسقط بالمعسور، وما لا يدرك كله لا يترك كله، في العبادات والمعاملات، وبناء عليه: فالفتوى بالمنع المطلق فتوى جامدة صلبة لم تتحر الواقع المحلي ولا الإقليمي ولا العالمي، وتماهت مع أصحاب الأهواء وإن لم تقصد ذلك.

خامساً: يجري على الحج كشعيرة ما قلته في أمر صلاة الجمعة وصلاة الجماعة.

سادساً: الصيام فريضة تركها لأدنى ملابسة خطر عظيم وبهتان كبير، وما يجري على الفرد فيها إن كان مريضاً أو مسافراً لا يجري على جميع الأمة، وقد ثبت بيقين أن الصوم له تأثير إيجابي على الصحة وبالأخص فيما يتعلق بالمناعة، وبناء عليه: كل من أفتى بحرمة الصوم في نازلة كورونا لا حظ لفتواه من الصحة.
‏٣١‏/٠٥‏/٢٠٢٠ ٥:٤٦ م‏
محمد عمارة ... راهب الفكر وفارس الميدان [2-4]. د. وصفي عاشور أبو زيد [حمّل العدد 34 t.me/klmtuhaq/507 هدية العدد t.me/klmtuhaq/511 الأعداد والهدايا السابقة t.me/klmtu] في الحلقة الأولى تحدثنا عن قيمة الراحل الكبير د. محمد عمارة الفكرية والاجتهادية، وما يمثله رحيله من خسارة كبيرة للفكر الإسلامي وقضايا المسلمين، وتحدثنا عن نذْر والده له قبل ميلاده أن يجعله للعلم الديني، واستعرضنا المسيرة التعليمية له باختصار، وذكرنا مشايخه ومكتبة حازها فيها أربعة آلاف كتاب في وقت مبكر من حياته قرأها كلها، وطبيعة عمله الوظيفي الذي مكنه من إنجاز سلاسل الأعمال الكاملة، وتأثره بعدد من العمالقة منهم: العقاد والغزالي. وفي هذه الحلقة نواصل الحديث عن فقيدنا الكبير، ومعالم مشروعه الفكري. معالم المشروع الفكري لعمارة لقد أثمر الانقطاع الذي انقطعه محمد عمارة مشروعا فكريا مترامي الأطراف تمثل في أكثر من 300 كتاب؛ فضلا عن آلاف المقالات والأبحاث والمداخل الموسوعية في الموسوعات والدوريات والمجلات والصحف والشبكة العنكبوتية؛ وهو الذي قال: "آثرت التفرغ للبحث والكتابة، وتركت الوظيفة الحكومية وزهدت في التطلع للمناصب منذ تخرجت في كلية دار العلوم، وفضلت أن أظل حراً مشتغلاً بالعلم، وأن أكون كالجالس على «الحصيرة»؛ لأن الجالس على الحصيرة لا يصيبه الأذى إذا ما وقع من عليها!". وهذا الانقطاع والعكوف – الذي لم ينفك عن الواقع ولا الميدان يوما كما سنبين لاحقا – استطاع أن يقوم بما لا تقوم به مؤسسات ولا مراكز أبحاث، وهو ما قاله المستشار طارق البشري يوم تكريمه في مركز الإعلام العربي في 2 من نوفمبر 2011م؛ حيث قال: "الدكتور محمد عمارة ممكن تسميته بمؤسسة محمد عمارة وليس الدكتور عمارة؛ نظرا لأن ما قام به في مجال الفكر الإسلامي تعجز مؤسسة بأكملها عن القيام به". معنى "المشروع الفكري": وحتى تكون المصطلحات محررة وواضحة – وهو الذي كتب كتبا عن المصطلحات - فإن معنى" المشروع الفكري" قد سئل هو عنه: ما أهم ملامح هذا المشروع الفكري الذي تتحدث عنه باستمرار؟ فكانت إجابته: "أن نبرز حقيقة الإسلام ومعالمه: العقيدة والشريعة والمنظومة الفكرية، والإحياء الإسلامي للمجتمع، والهداية الإسلامية للإنسان، وعالمية الإسلام، وأيضًا فقه الواقع الذي نعيش فيه وإنزال هذه الأحكام الإسلامية على الواقع الذي نعيش فيه، والتصدي للحرب المعلنة على الإسلام. باختصار: ما هو إسلامنا؟ ما هو الواقع الذي نحن بحاجة إلى فقهه وإلى أسلمته؟ وما التحديات التي تواجه هذا الإسلام؟ هذه هي معالم المشروع الفكري"، ونحاول أن نرصد لكل جانب من هذه الجوانب في المشروع ما يناسبه من مؤلفات د. عمارة على النحو الآتي: أولا: بيان حقيقة فكرة الإسلام: ومن خلال التأمل في عنوانات الكتب التي تعبر عن منجزه الفكري فإننا نلحظ اهتماما كبيرا وواسعا بـ "الفكرة الإسلامية" وعرضها وبيانها، وقد تجلى ذلك من خلال سلسلات كثيرة، منها: "سلسلة التنوير الإسلامي"، و"سلسلة هذا هو الإسلام"، وسلسلة: "رسائل الوعي الحضاري"، هذه سلسلات وفيها عناوين كثيرة، فضلا عن عنواناته الأخرى، مثل: الإسلام والشريعة الإسلامية، الإسلام وضرورة التغيير، إسلامية المعرفة ماذا تعنى، الإسلام والمستقبل، الإسلام في مواجهة التحديات، الإسلام والثورة، الإسلام بين التنوير والتزوير، الإسلام و الفنون الجميلة، الإسلام والأمن الاجتماعي، الإسلام في عيون غربية، الإسلام والحرب الدينية، الإسلام و حقوق الإنسان..ضرورات لا حقوق، الإسلام والعروبة، الإسلام والأقليات، الشريعة الإسلامية والعلمانية الغربية، الإسلام وحقوق الإنسان، الإسلام والأخر، الإسلام والحرب الدينية، الإسلام والتعددية، الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان، الإصلاح بالإسلام، العطاء الحضاري للإسلام، المشروع الحضاري الإسلامي، السماحة الإسلامية... حقيقة الجهاد والقتال والإرهاب، الدين والحضارة، عوامل امتياز الإسلام، مقام العقل في الإسلام، معالم المنهج الإسلامي... كل هذا وغيره يعرض فيه مفكرنا العظيم رؤية الإسلام للقضايا التي يقرنها بالإسلام في عنوانات الكتب. ثانيا: رصد الواقع وتلبية حاجاته: أما من ناحية فقع الواقع فكانت عيناه دائمة الرصد لقضايا الواقع وحاجات المجتمع، ولم يغب يوما عن قضايا الواقع وما يموج به من أفكار، وما يطرحه من رؤى وقضايا وإشكالات، وقد كانت معاركه الفكرية مبنية على وعيه بالواقع وتحدياته، ومن ذلك معركته مع الكنيسة، ومعركته مع التنصير، ومعركته مع الصهيونية، ومعركته مع المشروع الشيعي الإيراني، وغير ذلك، وقد أصدر في ذلك عدة كتب، منها: الغارة الجديدة على الإسلام، الفاتيكان والإسلام، فتنة التكفير، صيحة نذير من فتنة التكفير، تحليل الواقع بمنهاج العاهات المزمنة، استراتيجية التنصير فالعالم الإسلامي، الأقباط في مصر، في المسألة القبطية حقائق وأوهام، عروبة مصر وأقباطها، أكذوبة الاضطهاد الديني في مصر، الأقباط المتطرفون في مصر، الفتنة الطائفية... متى وكيف ولماذا؟. ومن استجاباته للواقع وتلبيته لحاجاته أنه تداعى لتأييد ثورة الخامس والعشرين من يناير 2001م، وأصدر فيها كتابا بعنوان: ثورة 25 يناير وكسر حاجز الخوف. كما كان له اهتمام خاص بقضية فلسطين، وكتب فيها أو مقال له بعنوان: "جهاد" نشر في صحيفة مصر الفتاة عام 1948م، كما كان له كتب عنها، ومن ذلك: فلسطين والقدس، في فقه الصراع على القدس و فلسطين، القدس الشريف رمز الصراع وبوابة الانتصار، القدس.. أمانة عمر في انتظار صلاح الدين، القدس بين اليهودية و الإسلام. ثالثا: التصدي للتحديات التي تواجه الإسلام: وهذا المحور هو منبثق عن السابق، فالوعي بالواقع يثمر إدراك التحديات ومن ثم التصدي لها، وقد كان يتابع في حركة دائبة التحديات التي تواجه الإسلام، والمخاطر التي تهدده سواء من حقد الكنيسة الغربية والشرقية، وقد أسلفنا عناوين كتب في هذا، أو مؤامرات الصهيونية العالمية، أو ضلالات وجهالات العلمانيين والمتغربين، ومعاركه الفكرية التي خاضها في حياته ضد هذه الجهات جميعا شاهدة على رصده الحثيث للواقع المثمر وعيا بالتحديات والاستجابة لها. وقد أصدر في ذلك عددا من الكتب منها: التفسير الماركسي للإسلام، الخطاب الديني بين التجديد الإسلامي والتبديد الأمريكانى، مستقبلنا بين التجديد الإسلامي والحداثة الغربية، الإبداع الفكري والخصوصية الحضارية، مخاطر العولمة على الهوية الثقافية، مقالات الغلو الديني و الادينى، الإصلاح الديني في القرن العشرين، في فقة المواجهة بين الغرب والإسلام، الغارة الجديدة على الإسلام، العلمانية، سقوط الغلو العلماني، علمانية المدفع و الإنجيل، فكر التنوير بين العلمانيين والإسلاميين، العلمانية بين الغرب والإسلام، نهضتنا الحديثة بين العلمانية والإسلام، الحوار بين الإسلاميين والعلمانيين، مأزق المسيحية و العلمانية في أوروبا، تحرير المرأة بين الغرب والإسلام، الإسلام والغرب افتراءات لها تاريخ، الحضارات العالمية تدافع أم صراع. رابعا: الرد على الشبهات: إذا كان المفكر صاحب المشروع يهتم ببيان الفكرة وإقامة الدليل عليها، ورصد الواقع والاستجابة لاحتياجاته، ويقف أمام التحديات التي تواجه الإسلام، فإنه مطالب بالقدر نفسه بالرد على الشبهات التي تثار حول الفكرة وحقيقتها وطبيعتها وأدلتها. وقد أسهم مفكرنا العظيم د. محمد عمارة بنصيب وافر في الرد على الشبهات، وأصدر في ذلك عددا من الكتب، منها: حقائق الإسلام في مواجهة المشككين، نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم، شبهات وإجابات حول مكانة المرأة في الإسلام، رد الشبهات عن الإسلام، شبهات حول القران الكريم، شبهات حول الإسلام، حقائق وشبهات حول السنة النبوية، إزالة الشبهات عن معاني المصطلحات. خامسا: الكتابة عن الأعلام: هذا المحور خارج عن إطار العناصر التي تكون المشروع الفكري، وإنما يستعرض تاريخ هؤلاء الأعلام، ومشروعاتهم الفكرية، ومواقفهم، ومكانتهم وعلمهم. وقد كتب د. محمد عمارة عن كثير جدا من الأعلام قديما وحديثا، وأصدر في ذلك عددا من الكتب، منها: أعلام الفكر الإسلامي والحديث، عبد الرحمن الكواكبى، عبد الرحمن الكواكبى... طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، عبد الرحمن الكواكبى - شهيد الحربة ومجدد الإسلام، الشيخ عبد الرحمن الكواكبى هل كان علمانيا؟، علي مبارك مؤرخ و مهندس العمران، الإمام محمد عبده.. مجدد الدنيا بتجديد الدين، جمال الدين الافغانى موقظ الشرق وفيلسوف الإسلام، جمال الدين الافغانى المفترى عليه، أبو حيان التوحيدي بين الزندقة والإبداع، الشيخ محمد الغزالي.. الموقع الفكري و المعارك الفكرية، قاسم أمين... تحرير المرأة والتمدن الإسلامي، معالم المشروع الحضاري في فكر الإمام الشهيد حسن البنا، الدكتور عبد الرازق السنهوري .. إسلامية الدولة والمدنية والقانون، رفاعة الطهطاوي - رائد التنوير في العصر الحديث، من أعلام الإحياء الإسلامي، شخصيات لها تاريخ، رفع الملام عن شيخ الإسلام ابن تيمية، عمر بن عبد العزيز .. ضمير الأمة وخامس الخلفاء الراشدين، ابن رشد بين الغرب والإسلام. *** هذه الجوانب التي تشكل معالم المشروع الفكري للدكتور عمارة يحتاج كل معلم منها إلى دراسة مستقلة بل دراسات تبين منهجه فيها، وعطاءه الذي أعطاه، والجهد الذي بذله، واستمداد كل محور من هذه المحاور، وامتداداتها وآثارها في الفكر والواقع والحياة، وبيان المآخذ التي تؤخذ على كل جانب سواء أكانت هذه المآخذ نواقص تحتاج لتكميل، أم أخطاء تحتاج لتصحيح، أم غوامض تحتاج لتوضيح، وهو بشر ليس معصوما، ويؤخذ من كلامه ويرد عليه. (في الحلقة الثالثة سيكون الحديث بإذن الله عن الأسرار العشرة لتميز مشروع د. عمارة الفكري، وفي الحلقة الرابعة والأخيرة حول معالم فروسيته في الميادين ونورد معها مصادر الدراسة).
محمد عمارة ... راهب الفكر وفارس الميدان [2-4].
د. وصفي عاشور أبو زيد

[حمّل العدد 34 t.me/klmtuhaq/507
هدية العدد
t.me/klmtuhaq/511
الأعداد والهدايا السابقة
t.me/klmtu]

في الحلقة الأولى تحدثنا عن قيمة الراحل الكبير د. محمد عمارة الفكرية والاجتهادية، وما يمثله رحيله من خسارة كبيرة للفكر الإسلامي وقضايا المسلمين، وتحدثنا عن نذْر والده له قبل ميلاده أن يجعله للعلم الديني، واستعرضنا المسيرة التعليمية له باختصار، وذكرنا مشايخه ومكتبة حازها فيها أربعة آلاف كتاب في وقت مبكر من حياته قرأها كلها، وطبيعة عمله الوظيفي الذي مكنه من إنجاز سلاسل الأعمال الكاملة، وتأثره بعدد من العمالقة منهم: العقاد والغزالي.

وفي هذه الحلقة نواصل الحديث عن فقيدنا الكبير، ومعالم مشروعه الفكري.

معالم المشروع الفكري لعمارة

لقد أثمر الانقطاع الذي انقطعه محمد عمارة مشروعا فكريا مترامي الأطراف تمثل في أكثر من 300 كتاب؛ فضلا عن آلاف المقالات والأبحاث والمداخل الموسوعية في الموسوعات والدوريات والمجلات والصحف والشبكة العنكبوتية؛ وهو الذي قال: "آثرت التفرغ للبحث والكتابة، وتركت الوظيفة الحكومية وزهدت في التطلع للمناصب منذ تخرجت في كلية دار العلوم، وفضلت أن أظل حراً مشتغلاً بالعلم، وأن أكون كالجالس على «الحصيرة»؛ لأن الجالس على الحصيرة لا يصيبه الأذى إذا ما وقع من عليها!".

وهذا الانقطاع والعكوف – الذي لم ينفك عن الواقع ولا الميدان يوما كما سنبين لاحقا – استطاع أن يقوم بما لا تقوم به مؤسسات ولا مراكز أبحاث، وهو ما قاله المستشار طارق البشري يوم تكريمه في مركز الإعلام العربي في 2 من نوفمبر 2011م؛ حيث قال: "الدكتور محمد عمارة ممكن تسميته بمؤسسة محمد عمارة وليس الدكتور عمارة؛ نظرا لأن ما قام به في مجال الفكر الإسلامي تعجز مؤسسة بأكملها عن القيام به".

معنى "المشروع الفكري":

وحتى تكون المصطلحات محررة وواضحة – وهو الذي كتب كتبا عن المصطلحات - فإن معنى" المشروع الفكري" قد سئل هو عنه: ما أهم ملامح هذا المشروع الفكري الذي تتحدث عنه باستمرار؟ فكانت إجابته: "أن نبرز حقيقة الإسلام ومعالمه: العقيدة والشريعة والمنظومة الفكرية، والإحياء الإسلامي للمجتمع، والهداية الإسلامية للإنسان، وعالمية الإسلام، وأيضًا فقه الواقع الذي نعيش فيه وإنزال هذه الأحكام الإسلامية على الواقع الذي نعيش فيه، والتصدي للحرب المعلنة على الإسلام. باختصار: ما هو إسلامنا؟ ما هو الواقع الذي نحن بحاجة إلى فقهه وإلى أسلمته؟ وما التحديات التي تواجه هذا الإسلام؟ هذه هي معالم المشروع الفكري"، ونحاول أن نرصد لكل جانب من هذه الجوانب في المشروع ما يناسبه من مؤلفات د. عمارة على النحو الآتي:

أولا: بيان حقيقة فكرة الإسلام:

ومن خلال التأمل في عنوانات الكتب التي تعبر عن منجزه الفكري فإننا نلحظ اهتماما كبيرا وواسعا بـ "الفكرة الإسلامية" وعرضها وبيانها، وقد تجلى ذلك من خلال سلسلات كثيرة، منها: "سلسلة التنوير الإسلامي"، و"سلسلة هذا هو الإسلام"، وسلسلة: "رسائل الوعي الحضاري"، هذه سلسلات وفيها عناوين كثيرة، فضلا عن عنواناته الأخرى، مثل: الإسلام والشريعة الإسلامية، الإسلام وضرورة التغيير، إسلامية المعرفة ماذا تعنى، الإسلام والمستقبل، الإسلام في مواجهة التحديات، الإسلام والثورة، الإسلام بين التنوير والتزوير، الإسلام و الفنون الجميلة، الإسلام والأمن الاجتماعي، الإسلام في عيون غربية، الإسلام والحرب الدينية، الإسلام و حقوق الإنسان..ضرورات لا حقوق، الإسلام والعروبة، الإسلام والأقليات، الشريعة الإسلامية والعلمانية الغربية، الإسلام وحقوق الإنسان، الإسلام والأخر، الإسلام والحرب الدينية، الإسلام والتعددية، الشريعة الإسلامية صالحة لكل زمان ومكان، الإصلاح بالإسلام، العطاء الحضاري للإسلام، المشروع الحضاري الإسلامي، السماحة الإسلامية... حقيقة الجهاد والقتال والإرهاب، الدين والحضارة، عوامل امتياز الإسلام، مقام العقل في الإسلام، معالم المنهج الإسلامي... كل هذا وغيره يعرض فيه مفكرنا العظيم رؤية الإسلام للقضايا التي يقرنها بالإسلام في عنوانات الكتب.

ثانيا: رصد الواقع وتلبية حاجاته:

أما من ناحية فقع الواقع فكانت عيناه دائمة الرصد لقضايا الواقع وحاجات المجتمع، ولم يغب يوما عن قضايا الواقع وما يموج به من أفكار، وما يطرحه من رؤى وقضايا وإشكالات، وقد كانت معاركه الفكرية مبنية على وعيه بالواقع وتحدياته، ومن ذلك معركته مع الكنيسة، ومعركته مع التنصير، ومعركته مع الصهيونية، ومعركته مع المشروع الشيعي الإيراني، وغير ذلك، وقد أصدر في ذلك عدة كتب، منها: الغارة الجديدة على الإسلام، الفاتيكان والإسلام، فتنة التكفير، صيحة نذير من فتنة التكفير، تحليل الواقع بمنهاج العاهات المزمنة، استراتيجية التنصير فالعالم الإسلامي، الأقباط في مصر، في المسألة القبطية حقائق وأوهام، عروبة مصر وأقباطها، أكذوبة الاضطهاد الديني في مصر، الأقباط المتطرفون في مصر، الفتنة الطائفية... متى وكيف ولماذا؟.

ومن استجاباته للواقع وتلبيته لحاجاته أنه تداعى لتأييد ثورة الخامس والعشرين من يناير 2001م، وأصدر فيها كتابا بعنوان: ثورة 25 يناير وكسر حاجز الخوف.

كما كان له اهتمام خاص بقضية فلسطين، وكتب فيها أو مقال له بعنوان: "جهاد" نشر في صحيفة مصر الفتاة عام 1948م، كما كان له كتب عنها، ومن ذلك: فلسطين والقدس، في فقه الصراع على القدس و فلسطين، القدس الشريف رمز الصراع وبوابة الانتصار، القدس.. أمانة عمر في انتظار صلاح الدين، القدس بين اليهودية و الإسلام.

ثالثا: التصدي للتحديات التي تواجه الإسلام:

وهذا المحور هو منبثق عن السابق، فالوعي بالواقع يثمر إدراك التحديات ومن ثم التصدي لها، وقد كان يتابع في حركة دائبة التحديات التي تواجه الإسلام، والمخاطر التي تهدده سواء من حقد الكنيسة الغربية والشرقية، وقد أسلفنا عناوين كتب في هذا، أو مؤامرات الصهيونية العالمية، أو ضلالات وجهالات العلمانيين والمتغربين، ومعاركه الفكرية التي خاضها في حياته ضد هذه الجهات جميعا شاهدة على رصده الحثيث للواقع المثمر وعيا بالتحديات والاستجابة لها.

وقد أصدر في ذلك عددا من الكتب منها: التفسير الماركسي للإسلام، الخطاب الديني بين التجديد الإسلامي والتبديد الأمريكانى، مستقبلنا بين التجديد الإسلامي والحداثة الغربية، الإبداع الفكري والخصوصية الحضارية، مخاطر العولمة على الهوية الثقافية، مقالات الغلو الديني و الادينى، الإصلاح الديني في القرن العشرين، في فقة المواجهة بين الغرب والإسلام، الغارة الجديدة على الإسلام، العلمانية، سقوط الغلو العلماني، علمانية المدفع و الإنجيل، فكر التنوير بين العلمانيين والإسلاميين، العلمانية بين الغرب والإسلام، نهضتنا الحديثة بين العلمانية والإسلام، الحوار بين الإسلاميين والعلمانيين، مأزق المسيحية و العلمانية في أوروبا، تحرير المرأة بين الغرب والإسلام، الإسلام والغرب افتراءات لها تاريخ، الحضارات العالمية تدافع أم صراع.

رابعا: الرد على الشبهات:

إذا كان المفكر صاحب المشروع يهتم ببيان الفكرة وإقامة الدليل عليها، ورصد الواقع والاستجابة لاحتياجاته، ويقف أمام التحديات التي تواجه الإسلام، فإنه مطالب بالقدر نفسه بالرد على الشبهات التي تثار حول الفكرة وحقيقتها وطبيعتها وأدلتها.

وقد أسهم مفكرنا العظيم د. محمد عمارة بنصيب وافر في الرد على الشبهات، وأصدر في ذلك عددا من الكتب، منها: حقائق الإسلام في مواجهة المشككين، نقض كتاب الإسلام وأصول الحكم، شبهات وإجابات حول مكانة المرأة في الإسلام، رد الشبهات عن الإسلام، شبهات حول القران الكريم، شبهات حول الإسلام، حقائق وشبهات حول السنة النبوية، إزالة الشبهات عن معاني المصطلحات.

خامسا: الكتابة عن الأعلام:

هذا المحور خارج عن إطار العناصر التي تكون المشروع الفكري، وإنما يستعرض تاريخ هؤلاء الأعلام، ومشروعاتهم الفكرية، ومواقفهم، ومكانتهم وعلمهم.

وقد كتب د. محمد عمارة عن كثير جدا من الأعلام قديما وحديثا، وأصدر في ذلك عددا من الكتب، منها: أعلام الفكر الإسلامي والحديث، عبد الرحمن الكواكبى، عبد الرحمن الكواكبى... طبائع الاستبداد ومصارع الاستعباد، عبد الرحمن الكواكبى - شهيد الحربة ومجدد الإسلام، الشيخ عبد الرحمن الكواكبى هل كان علمانيا؟، علي مبارك مؤرخ و مهندس العمران، الإمام محمد عبده.. مجدد الدنيا بتجديد الدين، جمال الدين الافغانى موقظ الشرق وفيلسوف الإسلام، جمال الدين الافغانى المفترى عليه، أبو حيان التوحيدي بين الزندقة والإبداع، الشيخ محمد الغزالي.. الموقع الفكري و المعارك الفكرية، قاسم أمين... تحرير المرأة والتمدن الإسلامي، معالم المشروع الحضاري في فكر الإمام الشهيد حسن البنا، الدكتور عبد الرازق السنهوري .. إسلامية الدولة والمدنية والقانون، رفاعة الطهطاوي - رائد التنوير في العصر الحديث، من أعلام الإحياء الإسلامي، شخصيات لها تاريخ، رفع الملام عن شيخ الإسلام ابن تيمية، عمر بن عبد العزيز .. ضمير الأمة وخامس الخلفاء الراشدين، ابن رشد بين الغرب والإسلام.
***

هذه الجوانب التي تشكل معالم المشروع الفكري للدكتور عمارة يحتاج كل معلم منها إلى دراسة مستقلة بل دراسات تبين منهجه فيها، وعطاءه الذي أعطاه، والجهد الذي بذله، واستمداد كل محور من هذه المحاور، وامتداداتها وآثارها في الفكر والواقع والحياة، وبيان المآخذ التي تؤخذ على كل جانب سواء أكانت هذه المآخذ نواقص تحتاج لتكميل، أم أخطاء تحتاج لتصحيح، أم غوامض تحتاج لتوضيح، وهو بشر ليس معصوما، ويؤخذ من كلامه ويرد عليه.

(في الحلقة الثالثة سيكون الحديث بإذن الله عن الأسرار العشرة لتميز مشروع د. عمارة الفكري، وفي الحلقة الرابعة والأخيرة حول معالم فروسيته في الميادين ونورد معها مصادر الدراسة).
‏٣٠‏/٠٥‏/٢٠٢٠ ٤:٢٧ م‏
سورة المائدة وهُوية الأمة الإسلامية د. عطية عدلان الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد .. لكل سورة في كتاب الله تعالى موضوع واحد، جامع لما تفرق فيها من موضوعات، حتى السور الطوال كالبقرة والنساء والمائدة، لكل سورة منها موضوع تدور في فلكه كل موضوعات السورة على تنوعها واختلافها، فما هو موضوع سورة المائدة الذي منه انبثقت موضوعاتها العديدة والمتشعبة؟ لا بد أولاً أن نستصحب الظروف والملابسات التاريخية التي نزلت فيها هذه السورة، فهي من السور المدنية باتفاق، وقد بدأ نزولها في العام السادس من الهجرة وظلت مفتوحة حتى نزل منها في حجة الوداع قول الله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً) (المائدة 3)، والعام السادس من الهجرة عام استقرار نسبيّ؛ حيث رد الله الأحزاب بغيظهم لم ينالوا خيراً، وكفى الله المؤمنين القتال، وأطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك التصريح السياسي العسكري المشخص للواقع: (الآن نغزوهم ولا يغزوننا)، وحيث انتهى إلى حد بعيد خطر اليهود داخل المدينة بسقوط بني قريظة آخر معاقلهم داخل المدينة، ولم يتبقَ منهم إلا خيبر وهي خارج المدينة. فالظرف إذاً ملائم للالتفات إلى المجتمع المسلم من داخله؛ واستكمال بنائه وتمتينه وشدّ أركانه، وقد كان المجتمع المسلم قوياً بالدعوة وبوجود رسول الله صلى الله عليه وسلم وباستمرار نزول الوحي، لكنه كان مجتمعاً جديداً وسط محيط من العداوات، وكان سريع النمو تنضاف إليه كل يوم شرائح جديدة تغير باستمرار من طبيعته وصورته؛ الأمر الذي يستدعي تكرار عملية إعادة البناء، وتدارك ما يحدث من خلل؛ لكونه المجتمع الذي سيظل على مدى التاريخ النموذج الذي يحتذى. والسورة الكريمة إن تأملتها وتفحصت موضوعاتها تبين لك أنّها معنية بهوية المجتمع المسلم وصبغته؛ إذْ من الضروريّ أن يبقى المجتمع المسلم - رغم انفتاحه وتفاعله مع الآخرين - مميزاً بهويته الإسلامية وصبغته الربانية، صحيح أنّ الهوية كانت ظاهرة وأنّ الصيغة كانت بارزة وأنّ المجتمع المسلم كان مميزاً عن الجاهلية وعن سائر المجتمعات بهويته الإسلامية وصبغته الربانية، لكن بقيت بعض الزوايا في الصورة العامة تحتاج إلى وضوح وبروز، وبقيت بعد الخطوط في الخريطة المجتمعية والثقافية والفكرية والنفسية تحتاج إلى مرور القلم عليه لتزداد بروزاً ووضوحاً وتحديداً، وإلى جانب ذلك بعض التداخل في الأفكار بسبب البيئة التي تعددت فيها هويات رعايا الدولة الإسلامية الشابة. الآن ستبدأ الانطلاقة الكبرى للأمة الإسلامية، اليوم تضع الأمة قدمها على أول درجة في سلم العالمية، عالمية الرسالة والدعوة والتمكين؛ فلا بد من الاطمئنان على سلامة القاعدة ومتانة البناء، ومن هنا جاءت الحاجة للتأكيد على صبغة المجتمع وهويته، ولا سيما مع كثرة المؤثرات المحيطة، فاليهود رغم جلاء معظمهم لا يزال أثرهم باقياً، والنصارى رغم قلة التماس حتى ذاك الوقت إلا أنّ دينهم له شهرة وذيوع لكونه دين الامبراطورية العظمى، إلى جانب موروثات الجاهلية العربية من حولهم. ومن اللافت للنظر أنّ السورة تبدأ بهذا النداء المميز (يا أيها الذين آمنوا) ولم يبدأ بهذا النداء في القرآن إلا سورة المائدة وسورة الحجرات، وكلتاهما تركز على صبغ المجتمع المسلم بالصبغة الإسلامية الخاصة، غير أنّ ريشة الحجرات أكثر دقة، وريشة المائدة أوسع تغطية، فالحجرات تضع اللمسات الأخيرة بالتأكيد على أخلاقيات سامية ونبذ ما يضادها مما لا يليق بالمسلمين، بينما المائدة تضع الألوان الرئيسية للصورة العامة للمجتمع المسلم، وتؤكد على الخطوط الكبيرة الفاصلة. ولنبدأ بما بدأت به السورة الكريمة، فَلِأَنَّ الثقافات التي أحاطت بالمجتمع المسلم وتماست معه بشدة لا تعطي عناية كبيرة بالعهود والعقود والمواثيق؛ مما ترتب عليه النسيان والتبديل والعدوان والبغي، وبما أنَّ أصحاب الديانات الأقرب من الإسلام زماناً والأكثر خطراً عليه كانوا على هذا النحو الذي صورته سورة المائدة: (وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (12) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13) وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (14)) (المائدة 12-14) (لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ) (المائدة 70)؛ ما دام الوضع على هذا النحو الخطير فلابد من هذه البداية الباهرة للسورة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ) (المائدة 1). إنّ الوفاء بالعهود والعقود كافّة صبغة للمسلمين على مستوى الفرد والمجتمع والدولة، وما أكثر الآيات التي جاءت صارمة وحاسمة بصورة قطعت على المسلمين كل سبيل إلى التأويل، فإذا كانت آية المائدة موجزة مما يشعر بالقطع والحزم، فإن آيات أخرى في مواضع أخرى من كتاب الله أسهبت بما لا يدع لأحد فرصة للفرار من المعنى المطبق المحيطـ كقوله تعالى: (وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (91) وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (92) وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (93) وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (94) وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (95) مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ (96)) (النحل 91-96). والمجتمع المسلم متميز غاية التميز في مآكله ومشاربه وسمته وطهارته وعاداته وتقاليده، فالطهارة ركيزة من ركائزه وشعيرة من شعائره: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ..) الآية (المائدة 6)، ولا يسوغ للمجتمع المسلم أن يستوي مع غيره في شيوع القمار والميسر والخمر ومظاهر الجاهلية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (المائدة 9) كما لا يسوغ أن يقع خلط في المآكل تجعل المجتمع المسلم قريب الشبه من المجتمعات الجاهلية: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (المائدة 3). والصبغة الأبرز للأمة الإسلامية وللمجتمع هي سيادة الشريعة وحاكمية الكتاب والسنة، لذلك بسطت السورة الكريمة في بيان هذه الركيزة بما لم تبسطه في موضع آخر، فلا بد من بيان أنّه: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ) (المائدة 44) (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (المائدة 45) (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ) (المائدة 47) (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ) (المائدة 48) (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ) (المائدة 49) (أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (المائدة 50). ولكي تبقة هوية المجتمع المسلم وصبغته واضحة ومميزة فلابد من مواجهة المخاطر التي تهددها، أول هذا المخاطر هو تذبذب الولاء والبراء، فإنّ ضعف الولاء للمسلمين مع موالاة الكافرين يعد الجسر الذي تعبر عليه كل الملوثات التي تغير من طبيعة المجتمع المسلم وتطمس هويته، لذلك ركزت السورة تركيزا شديداً على هذه القضية، فكانت الأحكام الواضحة الحاسمة: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ) (المائدة 51) (إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ) (المائدة 55) (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ) (المائدة 57). أمّا الخطر الأكبر على هوية المجتمع المسلم وصبغة الأمة العامة فهو التشوش الفكري تجاه أهل الملل والنحل التي لها مساس بالمسلمين أو الذين يخالطون المسلمين، فما لم يعلم المسلمون الفرق بين عقيدتهم وعقيدة هؤلاء الذين يخالطونهم، وما لم يعلموا قبح هذه العقائد ومنافاتها للإسلام؛ فإنّهم حتماً سيقعون في الخلط والتساهل الذي يشوه الصبغة الإسلامية ويطمس الهوية، ومن هنا أسهبت السورة في التشنيع على أهل الكتاب في عقائدهم وأفعالهم، ومن ذلك تصريحها بكفرهم وبسبب هذا الكفر، من مثل: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) (المائدة 72) (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ) (المائدة 73) (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) (المائدة 78). إنّنا بحاجة إلى إدراك هذه المعاني وإلى الانطلاق منها في طريق استعادة هوية الأمة الإسلامية، وفي استعادة التمكين لها، ولا ريب أنّ شرط التمكين الأول هو عودة الأمة لما كانت عليه، وفي مقدمة ذلك الهوية الإسلامية والصبغة الربانية، والله المستعان.
سورة المائدة وهُوية الأمة الإسلامية

د. عطية عدلان



الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد ..

لكل سورة في كتاب الله تعالى موضوع واحد، جامع لما تفرق فيها من موضوعات، حتى السور الطوال كالبقرة والنساء والمائدة، لكل سورة منها موضوع تدور في فلكه كل موضوعات السورة على تنوعها واختلافها، فما هو موضوع سورة المائدة الذي منه انبثقت موضوعاتها العديدة والمتشعبة؟

لا بد أولاً أن نستصحب الظروف والملابسات التاريخية التي نزلت فيها هذه السورة، فهي من السور المدنية باتفاق، وقد بدأ نزولها في العام السادس من الهجرة وظلت مفتوحة حتى نزل منها في حجة الوداع قول الله تعالى: (الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً) (المائدة 3)، والعام السادس من الهجرة عام استقرار نسبيّ؛ حيث رد الله الأحزاب بغيظهم لم ينالوا خيراً، وكفى الله المؤمنين القتال، وأطلق رسول الله صلى الله عليه وسلم ذلك التصريح السياسي العسكري المشخص للواقع: (الآن نغزوهم ولا يغزوننا)، وحيث انتهى إلى حد بعيد خطر اليهود داخل المدينة بسقوط بني قريظة آخر معاقلهم داخل المدينة، ولم يتبقَ منهم إلا خيبر وهي خارج المدينة.

فالظرف إذاً ملائم للالتفات إلى المجتمع المسلم من داخله؛ واستكمال بنائه وتمتينه وشدّ أركانه، وقد كان المجتمع المسلم قوياً بالدعوة وبوجود رسول الله صلى الله عليه وسلم وباستمرار نزول الوحي، لكنه كان مجتمعاً جديداً وسط محيط من العداوات، وكان سريع النمو تنضاف إليه كل يوم شرائح جديدة تغير باستمرار من طبيعته وصورته؛ الأمر الذي يستدعي تكرار عملية إعادة البناء، وتدارك ما يحدث من خلل؛ لكونه المجتمع الذي سيظل على مدى التاريخ النموذج الذي يحتذى.

والسورة الكريمة إن تأملتها وتفحصت موضوعاتها تبين لك أنّها معنية بهوية المجتمع المسلم وصبغته؛ إذْ من الضروريّ أن يبقى المجتمع المسلم - رغم انفتاحه وتفاعله مع الآخرين - مميزاً بهويته الإسلامية وصبغته الربانية، صحيح أنّ الهوية كانت ظاهرة وأنّ الصيغة كانت بارزة وأنّ المجتمع المسلم كان مميزاً عن الجاهلية وعن سائر المجتمعات بهويته الإسلامية وصبغته الربانية، لكن بقيت بعض الزوايا في الصورة العامة تحتاج إلى وضوح وبروز، وبقيت بعد الخطوط في الخريطة المجتمعية والثقافية والفكرية والنفسية تحتاج إلى مرور القلم عليه لتزداد بروزاً ووضوحاً وتحديداً، وإلى جانب ذلك بعض التداخل في الأفكار بسبب البيئة التي تعددت فيها هويات رعايا الدولة الإسلامية الشابة.

الآن ستبدأ الانطلاقة الكبرى للأمة الإسلامية، اليوم تضع الأمة قدمها على أول درجة في سلم العالمية، عالمية الرسالة والدعوة والتمكين؛ فلا بد من الاطمئنان على سلامة القاعدة ومتانة البناء، ومن هنا جاءت الحاجة للتأكيد على صبغة المجتمع وهويته، ولا سيما مع كثرة المؤثرات المحيطة، فاليهود رغم جلاء معظمهم لا يزال أثرهم باقياً، والنصارى رغم قلة التماس حتى ذاك الوقت إلا أنّ دينهم له شهرة وذيوع لكونه دين الامبراطورية العظمى، إلى جانب موروثات الجاهلية العربية من حولهم.

ومن اللافت للنظر أنّ السورة تبدأ بهذا النداء المميز (يا أيها الذين آمنوا) ولم يبدأ بهذا النداء في القرآن إلا سورة المائدة وسورة الحجرات، وكلتاهما تركز على صبغ المجتمع المسلم بالصبغة الإسلامية الخاصة، غير أنّ ريشة الحجرات أكثر دقة، وريشة المائدة أوسع تغطية، فالحجرات تضع اللمسات الأخيرة بالتأكيد على أخلاقيات سامية ونبذ ما يضادها مما لا يليق بالمسلمين، بينما المائدة تضع الألوان الرئيسية للصورة العامة للمجتمع المسلم، وتؤكد على الخطوط الكبيرة الفاصلة.

ولنبدأ بما بدأت به السورة الكريمة، فَلِأَنَّ الثقافات التي أحاطت بالمجتمع المسلم وتماست معه بشدة لا تعطي عناية كبيرة بالعهود والعقود والمواثيق؛ مما ترتب عليه النسيان والتبديل والعدوان والبغي، وبما أنَّ أصحاب الديانات الأقرب من الإسلام زماناً والأكثر خطراً عليه كانوا على هذا النحو الذي صورته سورة المائدة:

(وَلَقَدْ أَخَذَ اللَّهُ مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَبَعَثْنَا مِنْهُمُ اثْنَيْ عَشَرَ نَقِيبًا وَقَالَ اللَّهُ إِنِّي مَعَكُمْ لَئِنْ أَقَمْتُمُ الصَّلَاةَ وَآتَيْتُمُ الزَّكَاةَ وَآمَنْتُمْ بِرُسُلِي وَعَزَّرْتُمُوهُمْ وَأَقْرَضْتُمُ اللَّهَ قَرْضًا حَسَنًا لَأُكَفِّرَنَّ عَنْكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَلَأُدْخِلَنَّكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ فَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ مِنْكُمْ فَقَدْ ضَلَّ سَوَاءَ السَّبِيلِ (12) فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ لَعَنَّاهُمْ وَجَعَلْنَا قُلُوبَهُمْ قَاسِيَةً يُحَرِّفُونَ الْكَلِمَ عَنْ مَوَاضِعِهِ وَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ وَلَا تَزَالُ تَطَّلِعُ عَلَى خَائِنَةٍ مِنْهُمْ إِلَّا قَلِيلًا مِنْهُمْ فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ (13) وَمِنَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّا نَصَارَى أَخَذْنَا مِيثَاقَهُمْ فَنَسُوا حَظًّا مِمَّا ذُكِّرُوا بِهِ فَأَغْرَيْنَا بَيْنَهُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاءَ إِلَى يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَسَوْفَ يُنَبِّئُهُمُ اللَّهُ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ (14)) (المائدة 12-14)

(لَقَدْ أَخَذْنَا مِيثَاقَ بَنِي إِسْرَائِيلَ وَأَرْسَلْنَا إِلَيْهِمْ رُسُلًا كُلَّمَا جَاءَهُمْ رَسُولٌ بِمَا لَا تَهْوَى أَنْفُسُهُمْ فَرِيقًا كَذَّبُوا وَفَرِيقًا يَقْتُلُونَ) (المائدة 70)؛ ما دام الوضع على هذا النحو الخطير فلابد من هذه البداية الباهرة للسورة: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ أُحِلَّتْ لَكُمْ بَهِيمَةُ الْأَنْعَامِ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ غَيْرَ مُحِلِّي الصَّيْدِ وَأَنْتُمْ حُرُمٌ إِنَّ اللَّهَ يَحْكُمُ مَا يُرِيدُ) (المائدة 1).

إنّ الوفاء بالعهود والعقود كافّة صبغة للمسلمين على مستوى الفرد والمجتمع والدولة، وما أكثر الآيات التي جاءت صارمة وحاسمة بصورة قطعت على المسلمين كل سبيل إلى التأويل، فإذا كانت آية المائدة موجزة مما يشعر بالقطع والحزم، فإن آيات أخرى في مواضع أخرى من كتاب الله أسهبت بما لا يدع لأحد فرصة للفرار من المعنى المطبق المحيطـ كقوله تعالى:

(وَأَوْفُوا بِعَهْدِ اللَّهِ إِذا عاهَدْتُمْ وَلا تَنْقُضُوا الْأَيْمانَ بَعْدَ تَوْكِيدِها وَقَدْ جَعَلْتُمُ اللَّهَ عَلَيْكُمْ كَفِيلاً إِنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ (91) وَلا تَكُونُوا كَالَّتِي نَقَضَتْ غَزْلَها مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ أَنْكاثاً تَتَّخِذُونَ أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ أَنْ تَكُونَ أُمَّةٌ هِيَ أَرْبى مِنْ أُمَّةٍ إِنَّما يَبْلُوكُمُ اللَّهُ بِهِ وَلَيُبَيِّنَنَّ لَكُمْ يَوْمَ الْقِيامَةِ مَا كُنْتُمْ فِيهِ تَخْتَلِفُونَ (92) وَلَوْ شاءَ اللَّهُ لَجَعَلَكُمْ أُمَّةً واحِدَةً وَلكِنْ يُضِلُّ مَنْ يَشاءُ وَيَهْدِي مَنْ يَشاءُ وَلَتُسْئَلُنَّ عَمَّا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ (93) وَلا تَتَّخِذُوا أَيْمانَكُمْ دَخَلاً بَيْنَكُمْ فَتَزِلَّ قَدَمٌ بَعْدَ ثُبُوتِها وَتَذُوقُوا السُّوءَ بِما صَدَدْتُمْ عَنْ سَبِيلِ اللَّهِ وَلَكُمْ عَذابٌ عَظِيمٌ (94) وَلا تَشْتَرُوا بِعَهْدِ اللَّهِ ثَمَناً قَلِيلاً إِنَّما عِنْدَ اللَّهِ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (95) مَا عِنْدَكُمْ يَنْفَدُ وَما عِنْدَ اللَّهِ باقٍ وَلَنَجْزِيَنَّ الَّذِينَ صَبَرُوا أَجْرَهُمْ بِأَحْسَنِ مَا كانُوا يَعْمَلُونَ (96)) (النحل 91-96).

والمجتمع المسلم متميز غاية التميز في مآكله ومشاربه وسمته وطهارته وعاداته وتقاليده، فالطهارة ركيزة من ركائزه وشعيرة من شعائره: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذا قُمْتُمْ إِلَى الصَّلاةِ فَاغْسِلُوا وُجُوهَكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ إِلَى الْمَرافِقِ وَامْسَحُوا بِرُؤُسِكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ إِلَى الْكَعْبَيْنِ وَإِنْ كُنْتُمْ جُنُباً فَاطَّهَّرُوا ..) الآية (المائدة 6)، ولا يسوغ للمجتمع المسلم أن يستوي مع غيره في شيوع القمار والميسر والخمر ومظاهر الجاهلية: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالْأَنْصَابُ وَالْأَزْلَامُ رِجْسٌ مِنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ) (المائدة 9)

كما لا يسوغ أن يقع خلط في المآكل تجعل المجتمع المسلم قريب الشبه من المجتمعات الجاهلية: (حُرِّمَتْ عَلَيْكُمُ الْمَيْتَةُ وَالدَّمُ وَلَحْمُ الْخِنْزِيرِ وَما أُهِلَّ لِغَيْرِ اللَّهِ بِهِ وَالْمُنْخَنِقَةُ وَالْمَوْقُوذَةُ وَالْمُتَرَدِّيَةُ وَالنَّطِيحَةُ وَما أَكَلَ السَّبُعُ إِلاَّ مَا ذَكَّيْتُمْ وَما ذُبِحَ عَلَى النُّصُبِ وَأَنْ تَسْتَقْسِمُوا بِالْأَزْلامِ ذلِكُمْ فِسْقٌ الْيَوْمَ يَئِسَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ دِينِكُمْ فَلا تَخْشَوْهُمْ وَاخْشَوْنِ الْيَوْمَ أَكْمَلْتُ لَكُمْ دِينَكُمْ وَأَتْمَمْتُ عَلَيْكُمْ نِعْمَتِي وَرَضِيتُ لَكُمُ الْإِسْلامَ دِيناً فَمَنِ اضْطُرَّ فِي مَخْمَصَةٍ غَيْرَ مُتَجانِفٍ لِإِثْمٍ فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (المائدة 3).

والصبغة الأبرز للأمة الإسلامية وللمجتمع هي سيادة الشريعة وحاكمية الكتاب والسنة، لذلك بسطت السورة الكريمة في بيان هذه الركيزة بما لم تبسطه في موضع آخر، فلا بد من بيان أنّه: (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْكافِرُونَ) (المائدة 44) (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ) (المائدة 45) (وَمَنْ لَمْ يَحْكُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ فَأُولئِكَ هُمُ الْفاسِقُونَ) (المائدة 47) (وَأَنْزَلْنا إِلَيْكَ الْكِتابَ بِالْحَقِّ مُصَدِّقاً لِما بَيْنَ يَدَيْهِ مِنَ الْكِتابِ وَمُهَيْمِناً عَلَيْهِ فَاحْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ عَمَّا جاءَكَ مِنَ الْحَقِّ) (المائدة 48) (وَأَنِ احْكُمْ بَيْنَهُمْ بِما أَنْزَلَ اللَّهُ وَلا تَتَّبِعْ أَهْواءَهُمْ وَاحْذَرْهُمْ أَنْ يَفْتِنُوكَ عَنْ بَعْضِ مَا أَنْزَلَ اللَّهُ إِلَيْكَ) (المائدة 49) (أَفَحُكْمَ الْجاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ) (المائدة 50).

ولكي تبقة هوية المجتمع المسلم وصبغته واضحة ومميزة فلابد من مواجهة المخاطر التي تهددها، أول هذا المخاطر هو تذبذب الولاء والبراء، فإنّ ضعف الولاء للمسلمين مع موالاة الكافرين يعد الجسر الذي تعبر عليه كل الملوثات التي تغير من طبيعة المجتمع المسلم وتطمس هويته، لذلك ركزت السورة تركيزا شديداً على هذه القضية، فكانت الأحكام الواضحة الحاسمة: (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الْيَهُودَ وَالنَّصارى أَوْلِياءَ بَعْضُهُمْ أَوْلِياءُ بَعْضٍ) (المائدة 51) (إِنَّما وَلِيُّكُمُ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَالَّذِينَ آمَنُوا الَّذِينَ يُقِيمُونَ الصَّلاةَ وَيُؤْتُونَ الزَّكاةَ وَهُمْ راكِعُونَ) (المائدة 55) (يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَتَّخِذُوا الَّذِينَ اتَّخَذُوا دِينَكُمْ هُزُواً وَلَعِباً مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتابَ مِنْ قَبْلِكُمْ وَالْكُفَّارَ أَوْلِياءَ) (المائدة 57).

أمّا الخطر الأكبر على هوية المجتمع المسلم وصبغة الأمة العامة فهو التشوش الفكري تجاه أهل الملل والنحل التي لها مساس بالمسلمين أو الذين يخالطون المسلمين، فما لم يعلم المسلمون الفرق بين عقيدتهم وعقيدة هؤلاء الذين يخالطونهم، وما لم يعلموا قبح هذه العقائد ومنافاتها للإسلام؛ فإنّهم حتماً سيقعون في الخلط والتساهل الذي يشوه الصبغة الإسلامية ويطمس الهوية، ومن هنا أسهبت السورة في التشنيع على أهل الكتاب في عقائدهم وأفعالهم، ومن ذلك تصريحها بكفرهم وبسبب هذا الكفر، من مثل: (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ هُوَ الْمَسِيحُ ابْنُ مَرْيَمَ) (المائدة 72) (لَقَدْ كَفَرَ الَّذِينَ قَالُوا إِنَّ اللَّهَ ثَالِثُ ثَلَاثَةٍ) (المائدة 73) (لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرائِيلَ عَلى لِسانِ داوُدَ وَعِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ) (المائدة 78).

إنّنا بحاجة إلى إدراك هذه المعاني وإلى الانطلاق منها في طريق استعادة هوية الأمة الإسلامية، وفي استعادة التمكين لها، ولا ريب أنّ شرط التمكين الأول هو عودة الأمة لما كانت عليه، وفي مقدمة ذلك الهوية الإسلامية والصبغة الربانية، والله المستعان.
‏٢٩‏/٠٥‏/٢٠٢٠ ١٠:٤٣ م‏
الحجر الصحي في السنة النبوية أ.د.رشيد كهوس يعتبر الحجر الصحي من أهم الإجراءات الوقائية للحد من انتشار العدوى في هذه الفترة التي يواجه فيها العالم كله "فيروس كورونا". وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم طريقة تطبيقه بالبيان الواضح والمنهاج اللاحب، فعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم : «إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْض فَلاَ تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلاَ تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ»([1]). وقال -صلى الله عليه وسلم- أيضا: « لاَ يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ»([2]). يَحكِي الشَّرِيدُ بنُ سُوَيْدٍ الثَّقَفِيُّ أنَّه «كان في وَفْدِ ثَقِيفٍ» وهي قَبِيلَةٌ مشهورةٌ «رَجُلٌ مَجذُوم»، أي: مُصابٌ بِمَرَضِ الجُذَامِ، وهو مَرَضٌ مُعْدٍ، وأراد هذا المجذومُ أن يأتِيَ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم لِيُبايِعَه على الإسلام والجِهاد، «فأرسَلَ إليه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: إنَّا قد بَايَعْناك»([3])، أي: بالقولِ من غيرِ أخْذِ اليَدِ في العَهْدِ، «فارْجِعْ». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس مِن رَجُلٍ يَقَعَ الطاعونُ فيَمكُثُ في بَيتِه صابِرًا مُحتَسِبًا يَعلَمُ أنَّه لا يُصيبُه إلَّا ما كَتَبَ اللهُ له إلَّا كان له مِثلُ أجْرِ الشَّهيدِ»([4]). وفي رواية: (فيَمكُثُ في بَلَدِه صابِرًا) ([5]). قال الإمام ابن حجر في الفتح: "اقتضى منطوقه أن من اتصف بالصفات المذكورة يحصل له أجر الشهيد وإن لم يمت"اهـ. وبمعنى آخر فمن لزم بيته وقت نزول الوباء يحصل له أجر الشهيد وإن لم يمت. فكل هذه الأحاديث تبين لنا المنهاج النبوي في التعامل مع الوباء، ومواجهة الأقدار الإلهية (الأمراض، الوباء، البلاء...) بأقدار إلهية أخرى (اتخاذ الأسباب)، وهذه الأحاديث الشريفة تنطبق على واقعنا هذا، في ظل انتشار "وباء كورونا" في سائر بقاع العالم. وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الأحاديث، طريقة الحجر الصحي ؛ فمنع الناس من الدخول إلى البلدة المصابة بالطاعون، ومنع كذلك أهل تلك البلدة من الخروج منها، كما دعا إلى عدم الخروج من البيوت حتى لا يتفشى الوباء فتنتقل العدوى بين الناس. ولهذا قال حجة الإسلام الإمام الغزالي رحمه الله في إحيائه: "(من) اعتمد قوله وترك قول الأطباء كان معتوها مغرورا"اهـ. أي على الإنسان ألا يستسلم للقدر، بل يواجه القدر بقدر آخر، ذلك بأن المسببات مرتبطة بأسبابها شرعا وقدرا، لذلك فطلبها من غير أسبابها مذموم. ومن ثم فإن إنكار سنن الله في الأسباب يؤدي إلى إبطال حقائق العلوم وحقائق علوم الطب، وهذا مذموم في ديننا الحنيف. قال ابن الخطيب: "إنه غير خفي على من نظر في هذا الأمر أن من يخالط المصاب بهذا المرض يهلك ويسلم من لا يخالطه، كذلك فإن المرض يقع في الدار أو المحلة من ثوب أو آنية فالقرط يتلف من علقه بأذنه ويبيد البيت بأسره، ومن البيت ينتقل المرض إلى المباشرين، ثم إلى جيرانهم وأقاربهم وزائريهم حتى يتسع الخرق، وأما مدن السواحل فلا تسلم أيضا أن جاءها المرض عبر البحر عن طريق وافد من مدينة شاع عنها خبر الوباء"اهـ. وهذا مستنبط من الأحاديث النبوية السابقة التي تأمر بالأخذ بالسنن الإلهية في الأسباب من خلال الحجر الصحي على المصابين بالوباء، مع عزلهم عن غيرهم، وعزل المكان المصاب (بؤرة انتشار الوباء)، ومراقبة القادمين من أماكن انتشار الوباء... هذا وقد نشرت مجلة نيوزويك الأمريكية، مقالا حول تعاليم نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم، حول النظافة الشخصية وتوجيهاته إذا حل الوباء ببلد ما، أي (الحجر الصحي). وكتب أستاذ قسم الاجتماع بجامعة رايس كريج كونسيدين مقالا بعنوان: "هل يمكن لقوة الصلاة وحدها إيقاف وباء مثل كورونا؟ حتى الرسول محمد كان له رأي آخر" .أكد فيه أن نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم هو أول من نصح بالحجر الصحي والنظافة الشخصية في حالات انتشار الوباء. وأثار كونسيدين سؤالًا حاول الإجابة عنه قائلًا: «هل تعلمون من الذي أوصي بالتزام النظافة، والحجر الصحي الجديد أثناء تفشي الأوبئة؟ فأجاب قائلًا: نبي الإسلام مُحمد، قبل 1400 عام». ورأى الكاتب إنَّه «على الرغم من أنَّ نبي الإسلام ليس بأي حالٍ من الأحوال خبيرًا «تقليديًا» في المسائل المُتعلقة بالأمراض الفتَّاكة؛ إلَّا أنَّه كان لدية نصيحة جيدة؛ لمنع ومُكافحة تطور الأوبئة مثل فيروس كورونا الجديد». واستشهد الكاتب بحديث أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عنِ النَّبِيِّ قَالَ: «إذَا سمِعْتُمْ الطَّاعُونَ بِأَرْضٍ، فَلاَ تَدْخُلُوهَا، وَإذَا وقَعَ بِأَرْضٍ، وَأَنْتُمْ فِيهَا، فَلاَ تَخْرُجُوا مِنْهَا» [رواه الشيخان]. وأشار الكاتب إلى أنَّ النبي قد أوصي بعزل المُصابين بالأمراض المُعدية عن الأصحاء. كما حث الرسول (صلى الله عليه وسلم)، البشر على الالتزام بعادات يومية للنظافة، تسهم في حمايتهم من العدوى. ثم ذكر مجموعة من الأحاديث النبوية الشريفة، ودعا إلى التأمل فيها: «الطَّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ»[صحيح مسلم]. «إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ»[متفق عليه]. «بركة الطعام الوضوء قبله، والوضوء بعده»[سنن أبي داود]. فليس المقصود بالوضوء فيه : المعنى الشرعي المعروف للوضوء ؛ وإنما المراد به غسل اليدين، قبل الأكل. ويسترسل الكاتب الأمريكي في قوله مُتسائلًا: «في حال مرض شخص ما فما النصيحة التي سيُسديها النبي مُحمد إلى البشر الذين يتكبدون الألم؟»، فأجاب الكاتب إنَّه: «بالفعل سيُشجعهم –بالفعل على السعي للحصول على العلاج الطبي والأدوية»، واستشهد بالحديث النبوي الشريف عن أسامة بن شريك- رضي الله عنه- قال: قَالَتْ الأَعْرَابُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلا نَتَدَاوَى ؟ قَالَ: «نَعَمْ، يَا عِبَادَ اللَّهِ تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً، إِلا دَاءً وَاحِدًا، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُوَ؟ قَالَ: الْهَرِمُ»[سنن ابن ماجه]. وقال الكاتب الأمريكي إنَّ نبي الإسلام كان حكيما في المُوازنة ما بين الإيمان والعقل. فخلال الأسابيع الأخيرة، ظن بعضهم أنَّ الصَّلاة وحدها قادرة على حمايتنا من فيروس كورونا، وليس الالتزام بالقواعد الأساسية للتباعد الاجتماعي، والعزل المنزلي. وفي ختام مقاله حثَّ «كونسيدين» على تأمل العبرة من القصة التي رواها الترمذي في سننه أنَّه ذات يوم جاء أعربي يستشير النبي في أمر ناقته «قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْقِلُهَا وَأَتَوَكَّلُ أَوْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكَّلُ قَالَ له: «اعْقِلْهَا وَتَوَكَّل». وهي دعوة إلى الموازنة بين التوكل والأخذ بالأسباب. وقال الكاتب إنَّه على الرغم من أنَّ نبي الإسلام أوصى بأنَّ الدين دستور جامع لحياة البشرية؛ إلَّا أنَّه حثَّ أيضًا على اتباع الأسباب الاحترازية اللازمة لضمان استقرار الجميع وسلامتهم.اهـ. كما نشر موقع صحيفة “ABC” الإسبانية تقريرا حول (نصائح النبي محمد المذهلة) في مواجهة الأوبئة، التي تنطبق تماما على الإجراءات الوقائية والطبية التي تنصح بها الجهات الرسمية والطبية الناس اليوم للحد من انتشار فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19). واعتبر الكاتب الإسباني (خوسيه مانويل نيفز) أنه من المذهل أن النبي محمد الذي عاش قبل أكثر من 1400 عام، والذي كان أميا ولم يتلق أي تدريب علمي -بحسبه-، "كان يعرف بالفعل، خطوة بخطوة، ما يجب فعله أثناء الوباء". واستشهد "نيفز" بتقرير نيوزويك، واقتبس منه ترجمة عدد من التوجيهات التي وردت في أحاديث نبوية، شريفة، أهمها حديث الطاعون، وعدم الدخول أو الخروج من البلد الذي أصيب به. وأشار إلى ما ذهب إليه الكاتب الأمريكي "كريغ كونسيدين"، وهو أن "النبي محمد عرف قيمة الموازنة بين العقل والإيمان، والأخذ بالأسباب مع الصلاة والدعاء". وهذه الملامح التي قدمها الكاتبان الأمريكي والإسباني حول المنهاج النبوي في التعامل مع الوباء، تؤكد سبق الإسلام إلى هذه الإجراءات الطبية الصحية، كما تؤكد اهتمام الإسلام بالعلم، وعنايته بالعقل العلمي، وحثه على العمل بمقتضى السنن الإلهية التي أقام الله عليها نظام الكون والحياة البشرية، ودعوته إلى اتخاذ الأسباب التي تحفظ للناس صحتهم وحياتهم وسلامة مجتمعاتهم واستقرارها وأمنها. وقد سار على الهدى النبوي الصحابة رضي الله عنهم، لذلك لما حل الطاعون بالشام رجع الفاروق عمر رضي الله عنه بالناس ولم يدخلها، فقَالَ له أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ رضي الله عنه: "أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ! فَقَالَ عُمَرُ: "لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ ! نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ"([6]). وهكذا كان الفاروق t فقيها في السنن الإلهية، وأخذ بسنن الأسباب للحفاظ على الناس من إصابتهم بالطاعون، وهذه نتيجة وعيه السنني، وهذا الفقه العمري نحن في حاجة إليه اليوم، مع انتشار وباء كورونا (كوفيد 19) في العالم، فنحن في حاجة إلى المباعدة الاجتماعية، ولزوم البيوت، منعا من انتشار العدوى بين الناس، وحفاظا على صحتهم وأرواحهم، إذ الأمن الصحي مقصد عظيم من مقاصد الرسالة الخاتمة. واتخاذ الإجراءات اللازمة، والأخذ بالأسباب الصحية والوقائية من الوباء، لا ينافي الرضا بالقضاء والقدر، ولا التوكل على الله، بل هو من صميم الدين ومن صميم الرضا بالقدر. ذلك بأن القول بالتنافي بين التوكل على الله تعالى والأخذ بالأسباب جهل بالدين، والتوازن بين مقامي التوكل والأخذ بالأسباب هو الدين. ومسك الختام: إن التعامل مع هذا الوباء الذي انتشر في العالم كله (كورونا)، لا يكون بالسخرية واللامبالاة، ولا بالذعر والخوف والهلع.. وإنما: -بإصلاح العلاقة مع الله، والتوبة إليه، والدعاء والتذلل بين يديه.. [إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِم]. (الرعد: 11). -واتخاذ الأسباب الاحترازية اللازمة، واتباع الإجراءات الطبية الوقائية، والالتزام بمبادئ النظافة والحجر الصحي والعزل الاجتماعي، (نَفِر من قَدَر الله إلى قَدَر الله). -ثم بعد ذلك بالاطمئنان واليقين في الله تعالى، وأن لا شيء يحصل في الكون بدون علمه وحكمته ومشيئته الأزلية. وأن الأمل ينبثق من ثنايا الألم، وأن المنح تخرج من طي المحن، وأن اليسر يأتي على مطايا العسر، وأن العطايا تجيء على أقدام البلايا، وأن النعم تتنكر في أثواب النقم. (فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا).(إن الله بالغ أمره). اللهم اصرف عنّا الوباء، وقِنا شر الداء، ونجنا من الطعن والطاعون والبلاء، بلطفك يا لطيف إنك على كل شيء قدير. ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ ([1]) صحيح البخاري، كتاب الطب، باب ما يذكر في الطاعون، ح5397. صحيح مسلم، كتاب السلام، بَابُ الطَّاعُونِ وَالطِّيَرَةِ وَالْكَهَانَةِ وَنَحْوِهَا، ح2219. ([2]) صحيح البخاري، كتاب الطب، باب لا هامة، ح5437. صحيح مسلم، كتاب السلام، ح2221. ([3]) صحيح مسلم، كتاب السلام، باب اجتناب المجذوم ونحوه، ح2231. ([4]) مسند أحمد بن حنبل، 43/235. ([5]) صحيح البخاري، كتاب الطب، باب أجر الصابر في الطاعون، ح5402. ([6]) صحيح البخاري، كتاب الطب، باب ما يذكر في الطاعون، ح5397.
الحجر الصحي في السنة النبوية

أ.د.رشيد كهوس



يعتبر الحجر الصحي من أهم الإجراءات الوقائية للحد من انتشار العدوى في هذه الفترة التي يواجه فيها العالم كله "فيروس كورونا".

وقد بيّن النبي صلى الله عليه وسلم طريقة تطبيقه بالبيان الواضح والمنهاج اللاحب، فعن عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه أنه سمع النبي صلى الله عليه وسلم : «إِذَا سَمِعْتُمْ بِهِ بِأَرْض فَلاَ تَقْدَمُوا عَلَيْهِ، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلاَ تَخْرُجُوا فِرَارًا مِنْهُ»([1]). وقال -صلى الله عليه وسلم- أيضا: « لاَ يُورِدُ مُمْرِضٌ عَلَى مُصِحٍّ»([2]).

يَحكِي الشَّرِيدُ بنُ سُوَيْدٍ الثَّقَفِيُّ أنَّه «كان في وَفْدِ ثَقِيفٍ» وهي قَبِيلَةٌ مشهورةٌ «رَجُلٌ مَجذُوم»، أي: مُصابٌ بِمَرَضِ الجُذَامِ، وهو مَرَضٌ مُعْدٍ، وأراد هذا المجذومُ أن يأتِيَ النبيَّ صلَّى الله عليه وسلَّم لِيُبايِعَه على الإسلام والجِهاد، «فأرسَلَ إليه النبيُّ صلَّى الله عليه وسلَّم: إنَّا قد بَايَعْناك»([3])، أي: بالقولِ من غيرِ أخْذِ اليَدِ في العَهْدِ، «فارْجِعْ».

قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس مِن رَجُلٍ يَقَعَ الطاعونُ فيَمكُثُ في بَيتِه صابِرًا مُحتَسِبًا يَعلَمُ أنَّه لا يُصيبُه إلَّا ما كَتَبَ اللهُ له إلَّا كان له مِثلُ أجْرِ الشَّهيدِ»([4]). وفي رواية: (فيَمكُثُ في بَلَدِه صابِرًا) ([5]).

قال الإمام ابن حجر في الفتح: "اقتضى منطوقه أن من اتصف بالصفات المذكورة يحصل له أجر الشهيد وإن لم يمت"اهـ. وبمعنى آخر فمن لزم بيته وقت نزول الوباء يحصل له أجر الشهيد وإن لم يمت.

فكل هذه الأحاديث تبين لنا المنهاج النبوي في التعامل مع الوباء، ومواجهة الأقدار الإلهية (الأمراض، الوباء، البلاء...) بأقدار إلهية أخرى (اتخاذ الأسباب)، وهذه الأحاديث الشريفة تنطبق على واقعنا هذا، في ظل انتشار "وباء كورونا" في سائر بقاع العالم.

وقد بيَّن النبي صلى الله عليه وسلم في هذه الأحاديث، طريقة الحجر الصحي ؛ فمنع الناس من الدخول إلى البلدة المصابة بالطاعون، ومنع كذلك أهل تلك البلدة من الخروج منها، كما دعا إلى عدم الخروج من البيوت حتى لا يتفشى الوباء فتنتقل العدوى بين الناس.

ولهذا قال حجة الإسلام الإمام الغزالي رحمه الله في إحيائه: "(من) اعتمد قوله وترك قول الأطباء كان معتوها مغرورا"اهـ.

أي على الإنسان ألا يستسلم للقدر، بل يواجه القدر بقدر آخر، ذلك بأن المسببات مرتبطة بأسبابها شرعا وقدرا، لذلك فطلبها من غير أسبابها مذموم.

ومن ثم فإن إنكار سنن الله في الأسباب يؤدي إلى إبطال حقائق العلوم وحقائق علوم الطب، وهذا مذموم في ديننا الحنيف.

قال ابن الخطيب: "إنه غير خفي على من نظر في هذا الأمر أن من يخالط المصاب بهذا المرض يهلك ويسلم من لا يخالطه، كذلك فإن المرض يقع في الدار أو المحلة من ثوب أو آنية فالقرط يتلف من علقه بأذنه ويبيد البيت بأسره، ومن البيت ينتقل المرض إلى المباشرين، ثم إلى جيرانهم وأقاربهم وزائريهم حتى يتسع الخرق، وأما مدن السواحل فلا تسلم أيضا أن جاءها المرض عبر البحر عن طريق وافد من مدينة شاع عنها خبر الوباء"اهـ.
وهذا مستنبط من الأحاديث النبوية السابقة التي تأمر بالأخذ بالسنن الإلهية في الأسباب من خلال الحجر الصحي على المصابين بالوباء، مع عزلهم عن غيرهم، وعزل المكان المصاب (بؤرة انتشار الوباء)، ومراقبة القادمين من أماكن انتشار الوباء...

هذا وقد نشرت مجلة نيوزويك الأمريكية، مقالا حول تعاليم نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم، حول النظافة الشخصية وتوجيهاته إذا حل الوباء ببلد ما، أي (الحجر الصحي).

وكتب أستاذ قسم الاجتماع بجامعة رايس كريج كونسيدين مقالا بعنوان: "هل يمكن لقوة الصلاة وحدها إيقاف وباء مثل كورونا؟ حتى الرسول محمد كان له رأي آخر" .أكد فيه أن نبي الإسلام محمد صلى الله عليه وسلم هو أول من نصح بالحجر الصحي والنظافة الشخصية في حالات انتشار الوباء.

وأثار كونسيدين سؤالًا حاول الإجابة عنه قائلًا: «هل تعلمون من الذي أوصي بالتزام النظافة، والحجر الصحي الجديد أثناء تفشي الأوبئة؟ فأجاب قائلًا: نبي الإسلام مُحمد، قبل 1400 عام».

ورأى الكاتب إنَّه «على الرغم من أنَّ نبي الإسلام ليس بأي حالٍ من الأحوال خبيرًا «تقليديًا» في المسائل المُتعلقة بالأمراض الفتَّاكة؛ إلَّا أنَّه كان لدية نصيحة جيدة؛ لمنع ومُكافحة تطور الأوبئة مثل فيروس كورونا الجديد».
واستشهد الكاتب بحديث أُسَامَةَ بْنِ زَيْدٍ عنِ النَّبِيِّ قَالَ: «إذَا سمِعْتُمْ الطَّاعُونَ بِأَرْضٍ، فَلاَ تَدْخُلُوهَا، وَإذَا وقَعَ بِأَرْضٍ، وَأَنْتُمْ فِيهَا، فَلاَ تَخْرُجُوا مِنْهَا» [رواه الشيخان].

وأشار الكاتب إلى أنَّ النبي قد أوصي بعزل المُصابين بالأمراض المُعدية عن الأصحاء. كما حث الرسول (صلى الله عليه وسلم)، البشر على الالتزام بعادات يومية للنظافة، تسهم في حمايتهم من العدوى.

ثم ذكر مجموعة من الأحاديث النبوية الشريفة، ودعا إلى التأمل فيها:
«الطَّهُورُ شَطْرُ الْإِيمَانِ»[صحيح مسلم].

«إِذَا اسْتَيْقَظَ أَحَدُكُمْ مِنْ نَوْمِهِ، فَلَا يَغْمِسْ يَدَهُ فِي الْإِنَاءِ حَتَّى يَغْسِلَهَا ثَلَاثًا، فَإِنَّهُ لَا يَدْرِي أَيْنَ بَاتَتْ يَدُهُ»[متفق عليه].

«بركة الطعام الوضوء قبله، والوضوء بعده»[سنن أبي داود]. فليس المقصود بالوضوء فيه : المعنى الشرعي المعروف للوضوء ؛ وإنما المراد به غسل اليدين، قبل الأكل.

ويسترسل الكاتب الأمريكي في قوله مُتسائلًا: «في حال مرض شخص ما فما النصيحة التي سيُسديها النبي مُحمد إلى البشر الذين يتكبدون الألم؟»، فأجاب الكاتب إنَّه: «بالفعل سيُشجعهم –بالفعل على السعي للحصول على العلاج الطبي والأدوية»، واستشهد بالحديث النبوي الشريف عن أسامة بن شريك- رضي الله عنه- قال: قَالَتْ الأَعْرَابُ: يَا رَسُولَ اللَّهِ، أَلا نَتَدَاوَى ؟ قَالَ: «نَعَمْ، يَا عِبَادَ اللَّهِ تَدَاوَوْا، فَإِنَّ اللَّهَ لَمْ يَضَعْ دَاءً إِلا وَضَعَ لَهُ شِفَاءً، إِلا دَاءً وَاحِدًا، قَالُوا: يَا رَسُولَ اللَّهِ، وَمَا هُوَ؟ قَالَ: الْهَرِمُ»[سنن ابن ماجه].

وقال الكاتب الأمريكي إنَّ نبي الإسلام كان حكيما في المُوازنة ما بين الإيمان والعقل. فخلال الأسابيع الأخيرة، ظن بعضهم أنَّ الصَّلاة وحدها قادرة على حمايتنا من فيروس كورونا، وليس الالتزام بالقواعد الأساسية للتباعد الاجتماعي، والعزل المنزلي.

وفي ختام مقاله حثَّ «كونسيدين» على تأمل العبرة من القصة التي رواها الترمذي في سننه أنَّه ذات يوم جاء أعربي يستشير النبي في أمر ناقته «قَالَ رَجُلٌ يَا رَسُولَ اللَّهِ أَعْقِلُهَا وَأَتَوَكَّلُ أَوْ أُطْلِقُهَا وَأَتَوَكَّلُ قَالَ له: «اعْقِلْهَا وَتَوَكَّل». وهي دعوة إلى الموازنة بين التوكل والأخذ بالأسباب.

وقال الكاتب إنَّه على الرغم من أنَّ نبي الإسلام أوصى بأنَّ الدين دستور جامع لحياة البشرية؛ إلَّا أنَّه حثَّ أيضًا على اتباع الأسباب الاحترازية اللازمة لضمان استقرار الجميع وسلامتهم.اهـ.

كما نشر موقع صحيفة “ABC” الإسبانية تقريرا حول (نصائح النبي محمد المذهلة) في مواجهة الأوبئة، التي تنطبق تماما على الإجراءات الوقائية والطبية التي تنصح بها الجهات الرسمية والطبية الناس اليوم للحد من انتشار فيروس كورونا المستجد (كوفيد 19).

واعتبر الكاتب الإسباني (خوسيه مانويل نيفز) أنه من المذهل أن النبي محمد الذي عاش قبل أكثر من 1400 عام، والذي كان أميا ولم يتلق أي تدريب علمي -بحسبه-، "كان يعرف بالفعل، خطوة بخطوة، ما يجب فعله أثناء الوباء".

واستشهد "نيفز" بتقرير نيوزويك، واقتبس منه ترجمة عدد من التوجيهات التي وردت في أحاديث نبوية، شريفة، أهمها حديث الطاعون، وعدم الدخول أو الخروج من البلد الذي أصيب به.

وأشار إلى ما ذهب إليه الكاتب الأمريكي "كريغ كونسيدين"، وهو أن "النبي محمد عرف قيمة الموازنة بين العقل والإيمان، والأخذ بالأسباب مع الصلاة والدعاء".

وهذه الملامح التي قدمها الكاتبان الأمريكي والإسباني حول المنهاج النبوي في التعامل مع الوباء، تؤكد سبق الإسلام إلى هذه الإجراءات الطبية الصحية، كما تؤكد اهتمام الإسلام بالعلم، وعنايته بالعقل العلمي، وحثه على العمل بمقتضى السنن الإلهية التي أقام الله عليها نظام الكون والحياة البشرية، ودعوته إلى اتخاذ الأسباب التي تحفظ للناس صحتهم وحياتهم وسلامة مجتمعاتهم واستقرارها وأمنها.

وقد سار على الهدى النبوي الصحابة رضي الله عنهم، لذلك لما حل الطاعون بالشام رجع الفاروق عمر رضي الله عنه بالناس ولم يدخلها، فقَالَ له أَبُو عُبَيْدَةَ بْنُ الْجَرَّاحِ رضي الله عنه: "أَفِرَارًا مِنْ قَدَرِ اللَّهِ! فَقَالَ عُمَرُ: "لَوْ غَيْرُكَ قَالَهَا يَا أَبَا عُبَيْدَةَ ! نَعَمْ نَفِرُّ مِنْ قَدَرِ اللَّهِ إِلَى قَدَرِ اللَّهِ"([6]). وهكذا كان الفاروق t فقيها في السنن الإلهية، وأخذ بسنن الأسباب للحفاظ على الناس من إصابتهم بالطاعون، وهذه نتيجة وعيه السنني، وهذا الفقه العمري نحن في حاجة إليه اليوم، مع انتشار وباء كورونا (كوفيد 19) في العالم، فنحن في حاجة إلى المباعدة الاجتماعية، ولزوم البيوت، منعا من انتشار العدوى بين الناس، وحفاظا على صحتهم وأرواحهم، إذ الأمن الصحي مقصد عظيم من مقاصد الرسالة الخاتمة.

واتخاذ الإجراءات اللازمة، والأخذ بالأسباب الصحية والوقائية من الوباء، لا ينافي الرضا بالقضاء والقدر، ولا التوكل على الله، بل هو من صميم الدين ومن صميم الرضا بالقدر.

ذلك بأن القول بالتنافي بين التوكل على الله تعالى والأخذ بالأسباب جهل بالدين، والتوازن بين مقامي التوكل والأخذ بالأسباب هو الدين.


ومسك الختام:

إن التعامل مع هذا الوباء الذي انتشر في العالم كله (كورونا)، لا يكون بالسخرية واللامبالاة، ولا بالذعر والخوف والهلع.. وإنما:

-بإصلاح العلاقة مع الله، والتوبة إليه، والدعاء والتذلل بين يديه.. [إِنَّ اللَّهَ لا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِم]. (الرعد: 11).

-واتخاذ الأسباب الاحترازية اللازمة، واتباع الإجراءات الطبية الوقائية، والالتزام بمبادئ النظافة والحجر الصحي والعزل الاجتماعي، (نَفِر من قَدَر الله إلى قَدَر الله).

-ثم بعد ذلك بالاطمئنان واليقين في الله تعالى، وأن لا شيء يحصل في الكون بدون علمه وحكمته ومشيئته الأزلية. وأن الأمل ينبثق من ثنايا الألم، وأن المنح تخرج من طي المحن، وأن اليسر يأتي على مطايا العسر، وأن العطايا تجيء على أقدام البلايا، وأن النعم تتنكر في أثواب النقم. (فَعَسَى أَنْ تَكْرَهُوا شَيْئًا وَيَجْعَلَ اللهُ فِيهِ خَيْرًا كَثِيرًا).(إن الله بالغ أمره).

اللهم اصرف عنّا الوباء، وقِنا شر الداء، ونجنا من الطعن والطاعون والبلاء، بلطفك يا لطيف إنك على كل شيء قدير.

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
([1]) صحيح البخاري، كتاب الطب، باب ما يذكر في الطاعون، ح5397. صحيح مسلم، كتاب السلام، بَابُ الطَّاعُونِ وَالطِّيَرَةِ وَالْكَهَانَةِ وَنَحْوِهَا، ح2219.
([2]) صحيح البخاري، كتاب الطب، باب لا هامة، ح5437. صحيح مسلم، كتاب السلام، ح2221.
([3]) صحيح مسلم، كتاب السلام، باب اجتناب المجذوم ونحوه، ح2231.
([4]) مسند أحمد بن حنبل، 43/235.
([5]) صحيح البخاري، كتاب الطب، باب أجر الصابر في الطاعون، ح5402.
([6]) صحيح البخاري، كتاب الطب، باب ما يذكر في الطاعون، ح5397.
‏٢٦‏/٠٥‏/٢٠٢٠ ٢:٢١ م‏
عيد سعيد علينا وعليكم وعلى أمتنا الإسلامية
عيد سعيد علينا وعليكم وعلى أمتنا الإسلامية
‏٢٣‏/٠٥‏/٢٠٢٠ ١١:٤٧ م‏
إخوة علي خط الدفاع الأول ضد الاحتلال البريطاني في الهند صبغة الله الهدوي [حمّل العدد 34 t.me/klmtuhaq/507 هدية العدد t.me/klmtuhaq/511 الأعداد والهدايا السابقة t.me/klmtu] حتى في الظروف الصعبة تجد الأمة قائداً مناسباً لها، كما حدث في معركة حطين وعين جالوت وفي كل الفتوحات الإسلامية التي فتحت القلوب قبل أن تفتح البلدان والأمصار. وفي عشرينات القرن الماضي، وفي أعقاب انهيار الخلافة العثمانية وصعود الطوائف المتناحرة على العروش العربية والإسلامية، واندلاع صراعات دامية في المجتمعات الدولية التي أطاحت بعروش الإمبراطوريات، كانت الهند تتجه اتجاهاً آخر إذ هبت لجمع شمل المسلمين والتضامن معهم ضد الأطماع البريطانية التي اتسعت رقعتها على الخريطة الإسلامية، فكانت مهد انطلاق حركة الخلافة الإسلامية في الهند تضامناً مع الخلافة العثمانية التي انقض جدارها وتآكل جسدها. وربما لم يرهف التاريخ إلى تلك البطولات التي قام بها مسلمو الهند، في الوقت الذي انشغل العالم العربي بالتكالب على أنقاض الخلافة العثمانية، واجتمع محيطه وخليجه في خيام المستعمرين بحثاً عن الثغرات في صرح الخلافة، حقاً كانت تلك البطولات لحظة حاسمة في سجل تاريخ الأمة، وكانت أقوى وأعجب من الأفلام الهندية. فحركة الخلافة التي بدأت بداية عشرينات القرن الماضي كان لها صدى كبير في المجتمع الهندي كافة، بل عملت كهمزة وصل للملمة شتات الهند شرقاً وغرباً وجنوباً وشمالاً، واندفعت عشرات الآلاف تضامناً مع هذه الحركة التي رفعت معنويات الثوار ضد الاحتلال البريطاني، ولا تذكر هذه الحركة إلا بذكر اسمين جليلين، علقوا بأذهان الأمة، والمعروفين في تاريخ الهند بـ"إخوة علي".. إنهما الأخوان الشقيقان محمد علي جوهر وشوكت علي، توليا قيادة الأمة في فترة حاسمة مشتعلة وأركعا جبروت الطغاة بهمة تزن الجبال. الأسرة المقاومة إخوة علي ينتمون إلى قبيلة فاتان المعروفة في التاريخ ببطولاتها ومغامراتها في ميادين الحرب، ولها جذور عميقة في الهند وباكستان وأفغانستان، وأمهم عابدة بيغم التي ربت هؤلاء الأبطال على قصص عظماء الأمة وأعلامها الأمجاد، ورغم وفاة والدهم مبكراً لم تزل الوالدة تسعى جاهدة بكل ما لديها من الممتلكات، وهي تنفق على أولادها في سبيل دراستهم، فأرسلتهم إلى جامعة عليكرة الإسلامية التي كانت هي الأولى والكبرى من بين الجامعات الهندية آنذاك، فاطلعوا على العلوم الحديثة والثقافة الغربية اطلاعاً واسعاً، ثم غادر محمد علي إلى لندن والتحق بجامعة أكسفورد ونال منها شهادة في التاريخ الحديث. و"إخوة علي" هم: محمد علي وشوكت علي وذو الفقار علي، إلا أن الثالث منهم لم يحظ بصيت كبير ولم يكن له دور يذكر في السياسة، وامتاز منهم محمد علي بمواقفه الجريئة وخططته المحكمة وخطاباته الهزازة التي ظلت كابوساً يواجهه الاحتلال البريطاني حتى آخر أنفاسه. ومن الجميل أن نذكر دور أمهم عابدة بيغم التي أصرت على تربية أبنائها حتى ولو كلفها ذلك حياتها، فباعت حُليها وألحقت أبناءها بالجامعات الهندية المشهورة آنذاك، وأرسلت محمد علي للدراسات الدينية بدار العلوم بديوبند، ولا يخفى أن حياة محمد علي لها نكهة خاصة من بين إخوة علي الآخرين، إذ هو الرمز الحقيقي لهذه الثلاثية، وهو الذي خلد اسم إخوة علي في صفحات التاريخ. محمد علي جوهر: حياة على متن المقاومة عاش محمد علي جوهر حاملاً في قلبه كل المعاناة والمصاعب التي واجهت عائلته في الثورة الاستقلالية الكبرى التي حدثت عام 1857م، وقتل من عائلته أكثر من مائتين أثناء مواجهة الاحتلال للثوار، إلى جانب ما علمته أمه الشجاعة عابدة بيغم، المحرك الحقيقي وراء تشكيل هذه الشخصية الخالدة. خاض محمد علي مضمار السياسة مبكراً، وتلمس نبض الشعب الهندي الذي تململ من وطأة الاحتلال، وانتظر ميلاد زعيم يواسي جراحهم، وآمن محمد علي بأن الوطن المهيب لا يصنع من الخضوع والخنوع بل يبنى على معنويات سامية، وأحلام أبية على الاستسلام عصية على الترويض. في أولى مراحل حياته تماشى مع حزب كونجرس الذي ضم ملايين الهنود، لكن في العشرينات بعد أن لاحظ تغيرات جذرية في مواقف كونجرس وانحياز لمصالح الهندوس، فارقه وودعه وداع البطل، فمن أول تجاربه السياسية أنه اشترك في المؤتمر الذي أقيم لانطلاق رابطة المسلمين لعموم الهند عام 1906م وقدم في ذلك المؤتمر كتابه الموسوم بـ"الكتاب الأخضر" الذي يوضح منهجيته ومسار فكره واتجاهاته السياسية. وعندما أوشكت الخلافة العثمانية على الانهيار وشاخت وانمحت آثار قوتها من العالم الإسلامي، وأقبلت الإمبراطوريات الكبرى تتقاسم أجزاءها تحت خطط ومشروعات مشؤومة، نهضت الهند بشرقها وغربها تدين هذه الهجمات الضروس، وتستنكر فعاليات بريطانيا وحاشيتها. غادر إلى لندن كل من محمد علي وسليمان الندوي للتفاوض مع بريطانيا وطلبوا إقامة الخلافة لكن الطلب رفض، فبعد عودتهم إلى الهند أعلنت انطلاق حركة الخلافة في مومباي عام 1921م ليسجل خارج العالم الإسلامي ميلاد موعد جديد، ومضى فضيلته يجوب دنيا الهند بحثاً عن المتضامنين مع هذه الحركة، وحتى في كيرالا أقصى جنوب الهند اصطف الآلاف في هذه الحركة، وفتحوا مكاتب للخلافة، حتى حركت ساكن الاحتلال وهددت سيطرتهم حتى أن أحرق بعض نشطاء الخلافة مراكز جنود الاحتلال، فأهم شيء فعلته حركة الخلافة أنها رفعت معنويات الثوار، وغرست فيهم روح العزم وطوت المسافة نحو الاستقلال وعلمتهم بأن همم الرجال تهدم الجبال وأن القلب المصر سيهزم الجيش الذي لا يقهر. فلخطابات محمد علي جوهر دور كبير في تحميس الشباب لا سيما أواسط الشرائح المثقفة، حيث أثارت خطاباته موجة احتجاج واستنكار من الاحتلال لا سيما بعد أن سلك أبو الكلام آزاد في هذا السلك السياسي الحاسم، فمما تدل على شدة وفائه للخلافة وللأمة أنه بعث طاقماً طبياً يضم خمسين متطوعاً إلى تركيا في الوقت الذي كانت تركيا تمر بظروف صعبة اقتصادياً واجتماعياً. وتعد حادثة هدم مسجد كانبور النقطة الفارقة في حياته السياسية، إذ استغل الاحتلال هذه الفرصة لتفريق الشعب وإثارة موجة طائفية بينهم، حتى راح من المسلمين عدة ضحايا جراء القمع والعنف الذي مارسه الاحتلال، فاحتجاجاً على هذه الممارسات القمعية، أقام كل من محمد علي وشبلي نعماني وسليمان ندوي احتجاجاً شديداً ضد مواقف الاحتلال المتعصبة. وكان لفضيلته ملكة قوية في إبداء الآراء وفي توضيحها حتى دبج سلسلة من المقالات التي تنتقد الإمبراطورية الإنجليزية التي تتربص بالخلافة وبالأمة، فلم يمضِ طويلاً حتى أصدر الاحتلال قراراً باعتقال وزجه في السجون، وفي أيام سجنه انتُخب رئيساً لرابطة المسلمين لتشهد الهند بزوغ سياسي محنك وفي. وكان دبلوماسياً ماهراً، وفي عام 1926 م حين دب الخلاف بين الشريف حسين وحكومة السعودية استدعاه ملك السعودية ضمن ممثلي الخلافة، وفي عام 1930م مثل مسلمي الهند في مؤتمر الطاولة المستديرة، فسافر إلى الهند غير آبه بصحته وحالته المتعبة، ويحكي عن تلك اللحظات قائد الملة محمد إسماعيل صاحب مؤسس رابطة المسلمين في الهند المستقلة في كتابه "ذكرياتي": "رأيت الأخ محمد علي في ميناء ممباي، يريد المغادرة إلى لندن، وقد أضناه العمر وأتعبه السفر، وعيناه تكاد لا تفتح، لكن رأينا قامة تمشي، فلما سألنا عنه وطلبنا منه الرجوع أصر وقال "على قدر ما أفضل حياتي أفضل وطني هذا"، ثم ركب السفينة وكأنه غادر حتى لا يعود إلى الهند المستعبدة". عاش مدافعاً عن الأمة ولم يتاجر بقضاياها ولم يرتزق، ولم يسمح لأحد أن يغل من حقها أو يغتالها. ومن مقولاته الشهيرة التي هزت كيان الإمبراطورية: "أنا لا أريد العودة إلى وطن مستعبد، بل سأموت في أي وطن ذاق حلاوة الحرية". رحيله وكان مريض السكر، عانى في حياته منه لزمن طويل، ومات عام 1931 م في لندن، وهو القائل "إما وطن محرر أو مكان لأقبر"، ودفن بأكناف المسجد الأقصى ولم يرجع إلى الهند كما أقسم فأبر، وعنه قال المؤرخ المستشرق اتش جي ويلس: "له قلب نابليون، وقلم ميكالا، ولسان بيرك". وزوجته أمجد بيغم لا بد من ذكر سيرتها العطرة، وقفت بكل قلبها وروحها وراء زوجها البطل، وكانت تشترك في النشاطات السياسية، حتى اشتركت كمندوب ولاية أتار برديش في مؤتمرات كونجرس، وعاشت على خطى أم زوجها عابدة بيغم أم الأبطال، وكان لهما الدور الكبير في تنشيط الفعاليات الاستقلالية وتبليغ رسالة المؤتمرات التي تنعقد من أجل الحرية بين النساء، وكانت هي الظل الظليل والوزيرة الناصرة لزوجها الشجاع أينما حل وارتحل، اشتركت في جنازة زوجها بلندن وسافرت إلى فلسطين بعد جهد وتعب لمراسم دفنه بأكناف المسجد الأقصى، إنها يا سادة سيرة العظماء الذين عاشوا في الأرض أعلاماً وماتوا بهدوء كراماً، وإن لقصص العظماء بقية.
إخوة علي
خط الدفاع الأول ضد الاحتلال البريطاني في الهند

صبغة الله الهدوي

[حمّل العدد 34 t.me/klmtuhaq/507
هدية العدد
t.me/klmtuhaq/511
الأعداد والهدايا السابقة
t.me/klmtu]

حتى في الظروف الصعبة تجد الأمة قائداً مناسباً لها، كما حدث في معركة حطين وعين جالوت وفي كل الفتوحات الإسلامية التي فتحت القلوب قبل أن تفتح البلدان والأمصار.

وفي عشرينات القرن الماضي، وفي أعقاب انهيار الخلافة العثمانية وصعود الطوائف المتناحرة على العروش العربية والإسلامية، واندلاع صراعات دامية في المجتمعات الدولية التي أطاحت بعروش الإمبراطوريات، كانت الهند تتجه اتجاهاً آخر إذ هبت لجمع شمل المسلمين والتضامن معهم ضد الأطماع البريطانية التي اتسعت رقعتها على الخريطة الإسلامية، فكانت مهد انطلاق حركة الخلافة الإسلامية في الهند تضامناً مع الخلافة العثمانية التي انقض جدارها وتآكل جسدها.

وربما لم يرهف التاريخ إلى تلك البطولات التي قام بها مسلمو الهند، في الوقت الذي انشغل العالم العربي بالتكالب على أنقاض الخلافة العثمانية، واجتمع محيطه وخليجه في خيام المستعمرين بحثاً عن الثغرات في صرح الخلافة، حقاً كانت تلك البطولات لحظة حاسمة في سجل تاريخ الأمة، وكانت أقوى وأعجب من الأفلام الهندية.

فحركة الخلافة التي بدأت بداية عشرينات القرن الماضي كان لها صدى كبير في المجتمع الهندي كافة، بل عملت كهمزة وصل للملمة شتات الهند شرقاً وغرباً وجنوباً وشمالاً، واندفعت عشرات الآلاف تضامناً مع هذه الحركة التي رفعت معنويات الثوار ضد الاحتلال البريطاني، ولا تذكر هذه الحركة إلا بذكر اسمين جليلين، علقوا بأذهان الأمة، والمعروفين في تاريخ الهند بـ"إخوة علي".. إنهما الأخوان الشقيقان محمد علي جوهر وشوكت علي، توليا قيادة الأمة في فترة حاسمة مشتعلة وأركعا جبروت الطغاة بهمة تزن الجبال.

الأسرة المقاومة

إخوة علي ينتمون إلى قبيلة فاتان المعروفة في التاريخ ببطولاتها ومغامراتها في ميادين الحرب، ولها جذور عميقة في الهند وباكستان وأفغانستان، وأمهم عابدة بيغم التي ربت هؤلاء الأبطال على قصص عظماء الأمة وأعلامها الأمجاد، ورغم وفاة والدهم مبكراً لم تزل الوالدة تسعى جاهدة بكل ما لديها من الممتلكات، وهي تنفق على أولادها في سبيل دراستهم، فأرسلتهم إلى جامعة عليكرة الإسلامية التي كانت هي الأولى والكبرى من بين الجامعات الهندية آنذاك، فاطلعوا على العلوم الحديثة والثقافة الغربية اطلاعاً واسعاً، ثم غادر محمد علي إلى لندن والتحق بجامعة أكسفورد ونال منها شهادة في التاريخ الحديث.

و"إخوة علي" هم: محمد علي وشوكت علي وذو الفقار علي، إلا أن الثالث منهم لم يحظ بصيت كبير ولم يكن له دور يذكر في السياسة، وامتاز منهم محمد علي بمواقفه الجريئة وخططته المحكمة وخطاباته الهزازة التي ظلت كابوساً يواجهه الاحتلال البريطاني حتى آخر أنفاسه.

ومن الجميل أن نذكر دور أمهم عابدة بيغم التي أصرت على تربية أبنائها حتى ولو كلفها ذلك حياتها، فباعت حُليها وألحقت أبناءها بالجامعات الهندية المشهورة آنذاك، وأرسلت محمد علي للدراسات الدينية بدار العلوم بديوبند، ولا يخفى أن حياة محمد علي لها نكهة خاصة من بين إخوة علي الآخرين، إذ هو الرمز الحقيقي لهذه الثلاثية، وهو الذي خلد اسم إخوة علي في صفحات التاريخ.

محمد علي جوهر: حياة على متن المقاومة

عاش محمد علي جوهر حاملاً في قلبه كل المعاناة والمصاعب التي واجهت عائلته في الثورة الاستقلالية الكبرى التي حدثت عام 1857م، وقتل من عائلته أكثر من مائتين أثناء مواجهة الاحتلال للثوار، إلى جانب ما علمته أمه الشجاعة عابدة بيغم، المحرك الحقيقي وراء تشكيل هذه الشخصية الخالدة.

خاض محمد علي مضمار السياسة مبكراً، وتلمس نبض الشعب الهندي الذي تململ من وطأة الاحتلال، وانتظر ميلاد زعيم يواسي جراحهم، وآمن محمد علي بأن الوطن المهيب لا يصنع من الخضوع والخنوع بل يبنى على معنويات سامية، وأحلام أبية على الاستسلام عصية على الترويض.

في أولى مراحل حياته تماشى مع حزب كونجرس الذي ضم ملايين الهنود، لكن في العشرينات بعد أن لاحظ تغيرات جذرية في مواقف كونجرس وانحياز لمصالح الهندوس، فارقه وودعه وداع البطل، فمن أول تجاربه السياسية أنه اشترك في المؤتمر الذي أقيم لانطلاق رابطة المسلمين لعموم الهند عام 1906م وقدم في ذلك المؤتمر كتابه الموسوم بـ"الكتاب الأخضر" الذي يوضح منهجيته ومسار فكره واتجاهاته السياسية.

وعندما أوشكت الخلافة العثمانية على الانهيار وشاخت وانمحت آثار قوتها من العالم الإسلامي، وأقبلت الإمبراطوريات الكبرى تتقاسم أجزاءها تحت خطط ومشروعات مشؤومة، نهضت الهند بشرقها وغربها تدين هذه الهجمات الضروس، وتستنكر فعاليات بريطانيا وحاشيتها.

غادر إلى لندن كل من محمد علي وسليمان الندوي للتفاوض مع بريطانيا وطلبوا إقامة الخلافة لكن الطلب رفض، فبعد عودتهم إلى الهند أعلنت انطلاق حركة الخلافة في مومباي عام 1921م ليسجل خارج العالم الإسلامي ميلاد موعد جديد، ومضى فضيلته يجوب دنيا الهند بحثاً عن المتضامنين مع هذه الحركة، وحتى في كيرالا أقصى جنوب الهند اصطف الآلاف في هذه الحركة، وفتحوا مكاتب للخلافة، حتى حركت ساكن الاحتلال وهددت سيطرتهم حتى أن أحرق بعض نشطاء الخلافة مراكز جنود الاحتلال، فأهم شيء فعلته حركة الخلافة أنها رفعت معنويات الثوار، وغرست فيهم روح العزم وطوت المسافة نحو الاستقلال وعلمتهم بأن همم الرجال تهدم الجبال وأن القلب المصر سيهزم الجيش الذي لا يقهر.

فلخطابات محمد علي جوهر دور كبير في تحميس الشباب لا سيما أواسط الشرائح المثقفة، حيث أثارت خطاباته موجة احتجاج واستنكار من الاحتلال لا سيما بعد أن سلك أبو الكلام آزاد في هذا السلك السياسي الحاسم، فمما تدل على شدة وفائه للخلافة وللأمة أنه بعث طاقماً طبياً يضم خمسين متطوعاً إلى تركيا في الوقت الذي كانت تركيا تمر بظروف صعبة اقتصادياً واجتماعياً.

وتعد حادثة هدم مسجد كانبور النقطة الفارقة في حياته السياسية، إذ استغل الاحتلال هذه الفرصة لتفريق الشعب وإثارة موجة طائفية بينهم، حتى راح من المسلمين عدة ضحايا جراء القمع والعنف الذي مارسه الاحتلال، فاحتجاجاً على هذه الممارسات القمعية، أقام كل من محمد علي وشبلي نعماني وسليمان ندوي احتجاجاً شديداً ضد مواقف الاحتلال المتعصبة.

وكان لفضيلته ملكة قوية في إبداء الآراء وفي توضيحها حتى دبج سلسلة من المقالات التي تنتقد الإمبراطورية الإنجليزية التي تتربص بالخلافة وبالأمة، فلم يمضِ طويلاً حتى أصدر الاحتلال قراراً باعتقال وزجه في السجون، وفي أيام سجنه انتُخب رئيساً لرابطة المسلمين لتشهد الهند بزوغ سياسي محنك وفي.

وكان دبلوماسياً ماهراً، وفي عام 1926 م حين دب الخلاف بين الشريف حسين وحكومة السعودية استدعاه ملك السعودية ضمن ممثلي الخلافة، وفي عام 1930م مثل مسلمي الهند في مؤتمر الطاولة المستديرة، فسافر إلى الهند غير آبه بصحته وحالته المتعبة، ويحكي عن تلك اللحظات قائد الملة محمد إسماعيل صاحب مؤسس رابطة المسلمين في الهند المستقلة في كتابه "ذكرياتي":

"رأيت الأخ محمد علي في ميناء ممباي، يريد المغادرة إلى لندن، وقد أضناه العمر وأتعبه السفر، وعيناه تكاد لا تفتح، لكن رأينا قامة تمشي، فلما سألنا عنه وطلبنا منه الرجوع أصر وقال "على قدر ما أفضل حياتي أفضل وطني هذا"، ثم ركب السفينة وكأنه غادر حتى لا يعود إلى الهند المستعبدة". عاش مدافعاً عن الأمة ولم يتاجر بقضاياها ولم يرتزق، ولم يسمح لأحد أن يغل من حقها أو يغتالها.

ومن مقولاته الشهيرة التي هزت كيان الإمبراطورية: "أنا لا أريد العودة إلى وطن مستعبد، بل سأموت في أي وطن ذاق حلاوة الحرية".

رحيله

وكان مريض السكر، عانى في حياته منه لزمن طويل، ومات عام 1931 م في لندن، وهو القائل "إما وطن محرر أو مكان لأقبر"، ودفن بأكناف المسجد الأقصى ولم يرجع إلى الهند كما أقسم فأبر، وعنه قال المؤرخ المستشرق اتش جي ويلس: "له قلب نابليون، وقلم ميكالا، ولسان بيرك".

وزوجته أمجد بيغم لا بد من ذكر سيرتها العطرة، وقفت بكل قلبها وروحها وراء زوجها البطل، وكانت تشترك في النشاطات السياسية، حتى اشتركت كمندوب ولاية أتار برديش في مؤتمرات كونجرس، وعاشت على خطى أم زوجها عابدة بيغم أم الأبطال، وكان لهما الدور الكبير في تنشيط الفعاليات الاستقلالية وتبليغ رسالة المؤتمرات التي تنعقد من أجل الحرية بين النساء، وكانت هي الظل الظليل والوزيرة الناصرة لزوجها الشجاع أينما حل وارتحل، اشتركت في جنازة زوجها بلندن وسافرت إلى فلسطين بعد جهد وتعب لمراسم دفنه بأكناف المسجد الأقصى، إنها يا سادة سيرة العظماء الذين عاشوا في الأرض أعلاماً وماتوا بهدوء كراماً، وإن لقصص العظماء بقية.
‏٢٣‏/٠٥‏/٢٠٢٠ ١١:٠٨ م‏
عسكر مصر والثورة.. للقصة بقية (الجزء الأول) حمّل العدد 34 t.me/klmtuhaq/507 هدية العدد t.me/klmtuhaq/511 الأعداد والهدايا السابقة t.me/klmtuhaq/480 محمود جمال مقدمة: تعاملت المؤسسة العسكرية منذ أول لحظة من اندلاع الثورة المصرية في 25 يناير 2011م، بخطة محكمة مدروسة حتى تصل في نهاية الأمر إلى إعادة تموضعها مرة أخرى والسيطرة على زمام الأمور من جديد. حتى وإن تعاملت المؤسسة العسكرية بشكل إيجابي مع الثوار في بداية الثورة وكانت عامل ضغط على الرئيس الأسبق حسني مبارك للتخلي عن الحكم لوجود مصالح كانت تبحث عنها المؤسسة العسكرية في أواخر مدة حكمه، من العمل على "عدم المضي قدماً في مشروع التوريث". إلا أن تلك الخطوات كانت محسوبة بدقة واتضح هذا جلياً في تفتيت القوى الثورية من خلال "صناعة الفرقة" التي عملت عليها المؤسسة العسكرية منذ تولي المجلس العسكري برئاسة المشير محمد حسين طنطاوي إدارة البلاد في 11 فبراير 2011م، بما في ذلك ما حدث في الاستفتاء على التعديلات الدستورية في مارس 2011م، والانتخابات البرلمانية لمجلسي الشعب والشوري نهاية عام 2011م ثم الانتخابات الرئاسية في جولتيها في مايو- يونيو 2012م. واستمرت تلك الخطة في التعامل مع الرئيس محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب حكم الدولة المصرية، منذ اللحظات الأولى من توليه الحكم في يونيو 2012م؛ فوضعوا أمامه العقبات، وصنعوا له الأزمات لخلق حالة من الضجر الشعبي عليه، حتى يصبح مطلب رحيل النظام مطلباً شعبياً يشكل غطاءً للمجلس العسكري لتدخل الجيش والانقضاض على الحكم من جديد بعد التخلص من أول تجربة ديمقراطية حقيقية شهدتها الدولة المصرية. جدير بالذكر أنه عند قراءة الانقلابات العسكرية التي تمت في مصر وهي على الترتيب: انقلاب 1952م، ووقوف الجيش مع ثورة يناير للانقلاب على مبارك، ثم انقلاب 03 يوليو 2013م، نرى أن الجيش كان يأخذ حراك الشارع ستاراً من أجل التحرك وتحقيق أهدافه، ولكن الضجر الشعبي والحراك في الميادين كان حقيقياً عام 2011م، ولكن في انقلاب 2013م، صنع الجيش ظهيراً شعبياً حتى يكون مبرراً لحراكه، ومن أجل هذا أنشأت المخابرات الحربية حركة تمرد ومولتها دولة الإمارات لتصبح هي الغلاف كحركة شبابية تقود الحراك. قبل البدء في الكتابة حول ذلك الموضوع، الذي أحاول من خلاله أن أقدم تفسيراً لبعض أهم الأحداث في مرحلة هامة في تاريخ الدولة المصرية، وتحديداً فترة ما قبل يوليو 2013م، ومحاولة الكشف عن المسارات التي وضعتها قيادات المؤسسة العسكرية، لتصل في نهاية المطاف للقضاء على أول تجربة ديمقراطية شهدتها الدولة المصرية، وصولاً إلى مايو 2014م، بتنصيب عبدالفتاح السيسي على رأس الدولة، وما نتج عن هذا التنصيب وما أحدثه من تافقات وخلافات داخل المؤسسة العسكرية والأجهزة السيادية، أود أن أشير إلى أن بعض المعلومات التي ستذكر في هذه السطور ، هي نتاج لمقابلات مع بعض المطلعين على تلك المرحلة من العسكريين السابقين، بطرق مباشرة، وغير مباشرة. أولاً: أسباب وقوف الجيش مع ثورة يناير: قبل الدخول في مرحلة فترة حكم الرئيس محمد مرسي، يجب الوقوف على أسباب وقوف الجيش مع ثورة يناير، ومن وجهة نظر الباحث، أنه لولا وقوف الجيش المصري الإيجابي مع ثورة يناير ما كان لحكم الرئيس الأسبق حسني مبارك أن ينتهي. ويرى الباحث أن هناك عدة نقاط هامة كانت ضمن أسباب وقوف الجيش المصري مع ثورة يناير وإجبار مبارك على التخلي عن الحكم، هي: 1- عدم شعور الجيش بتوجه الاحتجاجات نحوه بشكل مباشر، وهذا بسبب أن الجيش المصري لم يكن أداة من أدوات النظام لقمع الشعب أو المعارضة أيام مبارك، على الرغم من كونه حامياً للنظام. 2- عدم تأييد الجيش للتوريث لأن في ذلك خروجاً على مبدأ "الحاكم ذي الخلفية العسكرية"، بالإضافة إلى أن التوريث يهدد امتيازات الجيش، وتقديره أن الاحتجاجات ستوقف التوريث فقط، وأنه قادر على استعادة زمام الأمور مرة أخرى. 3-اتصاف الثورة بالشعبية منذ جمعة الغضب 28 يناير 2011م، وسلميتها.[1] تلك الأسباب من وجهة نظري، فضلاً عن وجود إشارات واضحة من الولايات المتحدة الأمريكية تفيد بعدم الوقوف أمام التغيير، كانت الدافع الأساس لوقوف الجيش مع ثورة يناير، ولا أرى أن الجيش وقف مع ثورة يناير 2011م من أجل تحقيق تحول ديمقراطي حقيقي، أو ليصبح الحكم حكماً مدنياً متعاقباً، ويعود الجيش إلى مهامه المنوط بها في حماية البلاد من المخاطر والتهديدات؛ وربما هذا ما يفسر أسباب وقوف الجيش ضد الرئيس محمد مرسي من أول لحظات حكمه، إذ يرى العسكريون ممن أُجريت المقابلات معهم، أنه لو فاز أحمد شفيق على الرئيس الأسبق مرسي في جولة الإعادة يونيو 2012م، لكان تعامل الجيش معه مختلفاً تماماً، إذ قال أحد العسكريين "هؤلاء لم ولن يسمحوا أبدأ أن يحكم مصر رئيس مدني، ولن يعطوا التحية العسكرية أبداً لشخص ذي قميص وبنطال". أود أن أشير هنا إلى نقطة هامة، لم يتطرق لها الكثيرون، فالمجلس العسكري الذي كان يتكون من 24 عضواً أثناء ثورة يناير 2011م، كانوا جميعاً بلا استثناء، نظرياً وبدون أي خلاف حول هذا الأمر، مع رحيل مبارك من أجل التخلص من قصة التوريث التي كان مبارك يجهز لها حتى يصبح جمال مبارك رئيساً لمصر؛ ولكن كانت هناك وجهتا نظر داخل المجلس: وجهة النظر الأولى: كانت ترى استغلال الحراك للتخلص من مبارك، وملف التوريث. وجهة النظر الثانية: كانت ترى أن خروج مبارك في توقيت ثورة يناير 2011م سيدفع الناس للتجرؤ على منظومة الحكم العسكري ويصبح الحراك عادة يقوم بها الشعب في الفترات المقبلة، وهذا سيكون تهديداً حقيقياً للحكم العسكري على المدى القريب والبعيد، وكانوا يرون مواجهة الحراك بالقوة وكان اللواء حسن الرويني قائد المنطقة المركزية وقت ثورة يناير 2011م، يتبنى وجهة النظر تلك.[2] جدير بالذكر أن مبارك كان يسير على نفس المنهاج الذي أسسه عبدالناصر منذ عام 1954م، وسار عليه أنور السادات الذي خلفه في الحكم عام 1970م، فكانت المؤسسة العسكرية مستقلة عن مؤسسة الرئاسة، وكانت الدولة المصرية تُدار عن طريق مؤسستين هما مؤسسة الرئاسة والمؤسسة العسكرية، ولكن القائد الأعلى لتلك المؤسستين هو رئيس الدولة والذي كان يعطي لكل مؤسسة أدوار اً معينة، لذلك كانت المؤسسة العسكرية بشكل فعلي شريكة في الحكم ولها صلاحيات وأدوار في مختلف الملفات، ولم تكن لها الكلمة العليا في إدارة شئون البلاد. ثانياً: المؤسسة العسكرية بعد ثورة يناير "فترة المجلس العسكري": تنحى حسني مبارك، وفوض المجلس الأعلى للقوات المسلحة لإدارة شئون البلاد، في 11 فبراير 2011م، ومنذ تلك اللحظة الفارقة مضت قيادات المجلس العسكري قدماً في تنفيذ مخططها المدروس لكي تمسك بزمام الأمور مرة أخرى. المخطط بالأساس كان يسعى لتحقيق عدة أهداف بشكل متوازٍ، للتحكم في السلطة عن طريق "انقلاب ناعم" على ثورة يناير، كان من أبرز خطوات ذلك المخطط: 1-تنفيذ استراتيجية "صناعة الفرقة" بين رفقاء الميدان من الإسلاميين والليبراليين وكافة القوى المدنية الأخرى، فالمجلس العسكري عمل على تفتيت تلك القوى إعمالاً لمبدأ "فرق تسد". تلك الاستراتيجية كانت تعتمد بالأساس على التقارب في بداية الأمر مع القوى الإسلامية وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين كما حدث في استفتاء مارس 2011م، فالمؤسسة العسكرية صورت الأمر على أن تفاهمات وتوافقات جرت بين الجيش والإسلاميين، بشكل عام في الموافقة على التعديلات الدستورية التي كانت ترفضها أغلبية القوى المدنية والثورية، حتى يحدث ذلك شرخاً بين القوى الإسلامية والقوى المدنية والعلمانية والثورية (من خلال الحديث عن التقارب بين القوى الإسلامية والمؤسسة العسكرية) وتقف تلك القوى في صف المعارضة للقوى الإسلامية وتصطف لمواجهتها. وبعد إحداث ذلك الشرخ تتباعد المؤسسة العسكرية شيئاً فشيئاً من القوى الإسلامية حتى تكون أقرب للقوى المدنية والقوى الأخرى لكي يقفوا أمام القوى الإسلامية التي أصبحت تقف وحيدة. فكانت خطة المؤسسة العسكرية المدروسة في التعامل مع الملف السياسي تهدف أولاً إلى القضاء على أكبر فصيل سياسي شارك في الثورة، وبعد ذلك تتخلص من القوى الأخرى شيئاً فشيئاً من حيث الأهمية، وهذا ما حدث بالفعل. 2- فرض إعلانات ووثائق فوق دستورية تعطي المؤسسة العسكرية، صلاحيات وامتيازات، تمكنها من إدارة المرحلة بشكل منفرد، لذلك أصدر المجلس العسكري الإعلان الدستوري المكمل في يونيو 2012 الذي كان بمثابة انقلاب على الثورة، بعد وثيقة السلمي التي صدرت في النصف الثاني من عام 2011، والتي صيغت "بالتنسيق مع الجيش" وكانت تهدف إلى "دسترة" السيطرة العسكرية على الأمور في البلاد. 3- إفشال وتعطيل المؤسسات المنتخبة التي ستأتي بها الثورة، ولذلك عمل المجلس العسكري على حل مجلس الشعب الذي انتُخب بعد ثورة يناير، لضمان استمرارية المؤسسة العسكرية في سيطرتها على الأوضاع بالسيطرة على السلطة التشريعية، ومحاولة إطالة المرحلة الانتقالية، ولكي تظل السلطة التنفيذية والتشريعية في يد المؤسسة العسكرية. 4- حسم الانتخابات الرئاسية لصالح مرشح تدعمه المؤسسة العسكرية، على أن يكون رجلاً ذا خلفية عسكرية، وأكد البعض في تلك الجلسات، أن المؤسسة العسكرية قدمت كل أنواع الدعم للفريق أحمد شفيق حتى يكون هو الفائز في الانتخابات الرئاسية في مايو 2012م، ولكن بسبب ارتباط أحمد شفيق بمنظومة حسني مبارك التي قامت الثورة للقضاء على رموزها، فضلاً عن شعبية جماعة الإخوان داخل الشارع المصري في ذلك الوقت، كانت النتيجة لصالح الرئيس محمد مرسي. ويرى البعض أن المؤسسة العسكرية رأت في ذلك التوقيت، ربما بضغوط خارجية، أن تزوير الانتخابات سيكون خطئاً استراتيجياً، وسيُدخل الدولة في حالة فوضى، وسيكون الضرر على المؤسسة العسكرية أكثر من نفعه، وكانت تري أن المنطقة ما زالت تمر بحالة ثورية، وبالتالي رأت تأجيل المواجهة لوقت آخر، مع إيمانها بقدرتها على إنهاء حكم الإخوان في أسرع وقت. ثالثاً: المؤسسة العسكرية وحكم الرئيس مرسي: المؤسسة العسكرية منذ اللحظة الأولى لحكم الرئيس محمد مرسي، لم تتقبل ذلك الأمر، وكانت تخطط للوصول إلى اللحظة الحاسمة التي تنهي فيها تلك التجربة، وتعطي درساً لمن يحاول أن يسير على نفس المنوال مرة أخرى. قال لي أحد العسكريين إنن أغسطس 2012م كان تاريخاً هاماً داخل المؤسسة العسكرية، وصراعهم مع التجربة الديمقراطية، وتحديداً عند إقالة المشير محمد حسين طنطاوي من منصبه كوزير للدفاع، والفريق سامي عنان من منصبة كرئيس للأركان، وكذلك قادة الأفرع الرئيسية بالجيش المصري، أسباب تلك الإقالات وتحديداً إقالة كل من المشير طنطاوي والفريق عنان يتحدث عنها الكثيرون، ولكن من وجهة نظري الرواية الصحيحة التي دفعت الرئيس مرسي للإطاحة بالمشير طنطاوي لم تُروَ إلى الآن. وبناء على ما ذكره بعض العسكريين السابقين، فإن قرار إقالة المشير طنطاوي، سبّب ضجراً كبيراً داخل الجيش المصري، في مختلف المستويات "قيادات، ضباط" وهذا بسبب أن طنطاوي بالأساس له رصيد وشعبية داخل المؤسسة العسكرية فهو صاحب أكبر فترة يقضيها وزير دفاع داخل الجيش المصري "1991-2012”، فضلاً عما عدوه من الرئيس مرسي "تجاوزاً لحدوده"، وذلك القرار استغلته قيادات الجيش فيما كانت تردده بعد ثورة يناير، بما في ذلك المشير طنطاوي نفسه واللواء حسن الرويني[3]، أن الثورة تهدف إلى هدم وتفكيك الجيش. وبعد ذلك القرار كانت الندوات التثقيفية داخل الجيش الخاصة بالضباط تؤكد أن الرئيس مرسي وجماعة الإخوان يهدفون إلى السيطرة على الجيش أو هدمه، وأن هذه القرارات جاءت من أجل تحقيق أهدافهم تلك وأن قادة الجيش لن تسمح بذلك المخطط. إذن فمعظم قيادات الجيش كانت مع قرار إنهاء حكم الرئيس محمد مرسي، إلا أن قرار الرئيس مرسي "غير المدروس" بتعيين مدير المخابرات الحربية "عبدالفتاح السيسي" وزيراً للدفاع في أغسطس 2012م، ساعد وأسهم كثيراً في تضييق الخناق عليه بشكل أكبر. الغريب في تلك الواقعة كما يصفها العسكريون، أنها كانت سابقة في التاريخ المصري الحديث أن يصبح مدير مخابرات حربية وزيراً للدفاع، بل عادة ما ينصح الأمنيون والعسكريون أن مديري المخابرات لا يجب أن يتولوا بعد خروجهم من مناصبهم مهاماً كمهام وزير الدفاع أو رئيس أركان، لأن مديري المخابرات تكون لديهم معلومات هامة ومفصلية عن الدولة، وإذا عينوا بعد خروجهم من مناصبهم في مناصب أعلى كوزراء دفاع أو رؤساء أركان وأصبح لهم صلاحيات بتحريك قوات فهذا خطأ استراتيجي كبير لأنهم سيصبحون ذوي قدرات وإمكانيات تؤهلهم للقيام بأي عمل ضد رأس السلطة في أوقات الاختلاف، وهذا ما فعله السيسي، ولكن مع غياب المعلومة يصبح كل شيء محتملاً، ويبدو أن الرئيس محمد مرسي ومساعديه لم يكن لديهم هذا الإدراك، و لا زالت حيثيات اختيار السيسي تحديدا لهذا المنصب من الأمور التي لم يكشف عنها النقاب حتى الان. تشير الدلائل والمعلومات المتوافرة من مصادرنا المختلفة أن الجيش قد حسم القرار بشكل نهائي ووضع الجدول الزمني لرحيل نظام الرئيس مرسي في أوائل يونيو 2013م، ولكن ما قيل لي في أحد المقابلات، أن المجلس العسكري المكون من 24 عضو في يونيو 2013م، كانت خطته بعد الإطاحة بالرئيس محمد مرسي أن يكون البديل رجلا عسكريا أخر، ولم يطرح اسم السيسي بأي شكل من الأشكال أنه سيكون هو ذلك الرجل العسكري الذي سيتولى الحكم بعد الانقلاب. رابعاً: ما بعد 03 يوليو 2013م: بعد تحقيق الهدف الأساس في 03 يوليو 2013م، بزغت بذور الخلافات بين قيادات الجيش المصري، وظهر لبعض قيادات المجلس العسكري أن خطة يوليو 2013م، تلك الخطة الحقيقية، كان يعلمها السيسي وطنطاوي بالأساس ومعهم عدد قليل من قيادات المجلس العسكري، وتلك الخطة كانت تهدف لتصعيد السيسي وليس غيره رئيساً للجمهورية، وهو ما لم يرحب به لاحقا بعض قيادات المجلس العسكري "حالية كانت أو مستدعاة" لأنها كانت ترى بأحقية وصولها إلى هذا المنصب، أو بأن السيسي لا يتميز عليهم بشيء يبرر تفضيله. وكانت وجهة النظر السائدة أن يبقى السيسي في منصبه ويحصن، ولذلك مُرر قانون تحصين وزير الدفاع في ذلك التوقيت، ولكن السيسي واصل الاستمرار في خطته حتى يصل في نهاية الأمر لتحقيق مبتغاه وحلمه الذي تحدث عنه مع الصحفي ياسر رزق في ذلك التوقيت وسُرب: “حلمت إني كنت مع السادات بكلمه وقالي أنا كنت عارف إني هبقى رئيس الجمهورية، وقلت له: وأنا كمان عارف إني هبقى رئيس جمهورية”، و يرى البعض أن لقاء السيسي مع الصحفي ياسر رزق في ذلك التوقيت كان تمهيداً من السيسي للشعب بأنه سيكون الرئيس القادم، وذلك بعد نفيه أكثر من مرة أنه لا يطمع في الحكم.[4] الخلاف بين قيادات المجلس العسكري في ذلك التوقيت، لم يكن حول سيطرة الحكم العسكري، فمعظمهم كانوا يرون وجوب عودة السيطرة العسكرية سواء بشكل مباشر أو من وراء ستار، ولكن الاختلاف كان حول من هو الحاكم الذي سيتولى الحكم. ويري البعض أن المواجهة بين الطرفين، الطرف غير المرحب بالسيسي وطرف السيسي ومن معه ويتفقون معه في خطته بدأت مباشرة بعد فترة قليلة من أحداث 03 يوليو 201م، وما صرح به اللواء أحمد وصفي قائد الجيش الثاني "الأسبق" مع عمرو أديب بعد 03 يوليو 2013م: "لو السيسي أخذ رتبة زيادة أو اترشح للرئاسة قولوا انقلاب عسكري". كانوا يرون أنها رسالة للسيسي بأنهم مصرون على تنفيذ الاتفاق بأنه لن يكون البديل[5]، وحرصوا أنها تكون رسالة عن طريق الإعلام حتى يسببوا له إحراجاً أمام الشعب لو استمر في مخططه ورشح نفسه، وكان عنان من الأسماء المطروحة لتولي زمام الأمور في 2014م، لذلك رشح عنان نفسه في انتخابات 2014م، ولكنه تراجع بسبب الضغط الذي مورس عليه. إلا أن المجلس العسكري في 2014م، صوت لصالح السيسي وليس لعنان للترشح لانتخابات الرئاسة في 2014م، بناء على دور كبير لعبه المشير حسين طنطاوي وما لديه من رصيد عند كلا الطرفين، وهو من أقنع معظم أعضاء المجلس العسكري والمستدعين في حينه بالتصويت للسيسي كي يكون هو مرشح المؤسسة في 2014م. الجزء الثاني سيكون فى العدد القادم بإذن الله ________________________________________ [1] قراءة في كتاب العلاقات المدنية - العسكرية والتحول الديموقراطي في مصر بعد ثورة 25 يناير، نون بوست، تاريخ النشر 03 يوليو 2016م،تاريخ الدخول 10 سبتمبر 2018م [2] المرصد العسكري – 31 يناير 2020، محمود جمال، المرصد، الرابط [3] التسـريب الكامل لعضو المجلس العـسـكري اللواء حسن الرويني – (الرابط) [4] السيسي حلم بأنه الرئيس المقبل [5] اللواء أحمد وصفي في لقاء سابق: لو السيسي أخذ رتبة زيادة أو اترشح للرئاسة قولوا انقلاب عسكري
عسكر مصر والثورة.. للقصة بقية
(الجزء الأول)

حمّل العدد 34 t.me/klmtuhaq/507

هدية العدد
t.me/klmtuhaq/511

الأعداد والهدايا السابقة
t.me/klmtuhaq/480

محمود جمال

مقدمة:

تعاملت المؤسسة العسكرية منذ أول لحظة من اندلاع الثورة المصرية في 25 يناير 2011م، بخطة محكمة مدروسة حتى تصل في نهاية الأمر إلى إعادة تموضعها مرة أخرى والسيطرة على زمام الأمور من جديد.

حتى وإن تعاملت المؤسسة العسكرية بشكل إيجابي مع الثوار في بداية الثورة وكانت عامل ضغط على الرئيس الأسبق حسني مبارك للتخلي عن الحكم لوجود مصالح كانت تبحث عنها المؤسسة العسكرية في أواخر مدة حكمه، من العمل على "عدم المضي قدماً في مشروع التوريث".

إلا أن تلك الخطوات كانت محسوبة بدقة واتضح هذا جلياً في تفتيت القوى الثورية من خلال "صناعة الفرقة" التي عملت عليها المؤسسة العسكرية منذ تولي المجلس العسكري برئاسة المشير محمد حسين طنطاوي إدارة البلاد في 11 فبراير 2011م، بما في ذلك ما حدث في الاستفتاء على التعديلات الدستورية في مارس 2011م، والانتخابات البرلمانية لمجلسي الشعب والشوري نهاية عام 2011م ثم الانتخابات الرئاسية في جولتيها في مايو- يونيو 2012م.

واستمرت تلك الخطة في التعامل مع الرئيس محمد مرسي، أول رئيس مدني منتخب حكم الدولة المصرية، منذ اللحظات الأولى من توليه الحكم في يونيو 2012م؛ فوضعوا أمامه العقبات، وصنعوا له الأزمات لخلق حالة من الضجر الشعبي عليه، حتى يصبح مطلب رحيل النظام مطلباً شعبياً يشكل غطاءً للمجلس العسكري لتدخل الجيش والانقضاض على الحكم من جديد بعد التخلص من أول تجربة ديمقراطية حقيقية شهدتها الدولة المصرية.
جدير بالذكر أنه عند قراءة الانقلابات العسكرية التي تمت في مصر وهي على الترتيب: انقلاب 1952م، ووقوف الجيش مع ثورة يناير للانقلاب على مبارك، ثم انقلاب 03 يوليو 2013م، نرى أن الجيش كان يأخذ حراك الشارع ستاراً من أجل التحرك وتحقيق أهدافه، ولكن الضجر الشعبي والحراك في الميادين كان حقيقياً عام 2011م، ولكن في انقلاب 2013م، صنع الجيش ظهيراً شعبياً حتى يكون مبرراً لحراكه، ومن أجل هذا أنشأت المخابرات الحربية حركة تمرد ومولتها دولة الإمارات لتصبح هي الغلاف كحركة شبابية تقود الحراك.

قبل البدء في الكتابة حول ذلك الموضوع، الذي أحاول من خلاله أن أقدم تفسيراً لبعض أهم الأحداث في مرحلة هامة في تاريخ الدولة المصرية، وتحديداً فترة ما قبل يوليو 2013م، ومحاولة الكشف عن المسارات التي وضعتها قيادات المؤسسة العسكرية، لتصل في نهاية المطاف للقضاء على أول تجربة ديمقراطية شهدتها الدولة المصرية، وصولاً إلى مايو 2014م، بتنصيب عبدالفتاح السيسي على رأس الدولة، وما نتج عن هذا التنصيب وما أحدثه من تافقات وخلافات داخل المؤسسة العسكرية والأجهزة السيادية، أود أن أشير إلى أن بعض المعلومات التي ستذكر في هذه السطور ، هي نتاج لمقابلات مع بعض المطلعين على تلك المرحلة من العسكريين السابقين، بطرق مباشرة، وغير مباشرة.

أولاً: أسباب وقوف الجيش مع ثورة يناير:

قبل الدخول في مرحلة فترة حكم الرئيس محمد مرسي، يجب الوقوف على أسباب وقوف الجيش مع ثورة يناير، ومن وجهة نظر الباحث، أنه لولا وقوف الجيش المصري الإيجابي مع ثورة يناير ما كان لحكم الرئيس الأسبق حسني مبارك أن ينتهي.

ويرى الباحث أن هناك عدة نقاط هامة كانت ضمن أسباب وقوف الجيش المصري مع ثورة يناير وإجبار مبارك على التخلي عن الحكم، هي:

1- عدم شعور الجيش بتوجه الاحتجاجات نحوه بشكل مباشر، وهذا بسبب أن الجيش المصري لم يكن أداة من أدوات النظام لقمع الشعب أو المعارضة أيام مبارك، على الرغم من كونه حامياً للنظام.

2- عدم تأييد الجيش للتوريث لأن في ذلك خروجاً على مبدأ "الحاكم ذي الخلفية العسكرية"، بالإضافة إلى أن التوريث يهدد امتيازات الجيش، وتقديره أن الاحتجاجات ستوقف التوريث فقط، وأنه قادر على استعادة زمام الأمور مرة أخرى.

3-اتصاف الثورة بالشعبية منذ جمعة الغضب 28 يناير 2011م، وسلميتها.[1]
تلك الأسباب من وجهة نظري، فضلاً عن وجود إشارات واضحة من الولايات المتحدة الأمريكية تفيد بعدم الوقوف أمام التغيير، كانت الدافع الأساس لوقوف الجيش مع ثورة يناير، ولا أرى أن الجيش وقف مع ثورة يناير 2011م من أجل تحقيق تحول ديمقراطي حقيقي، أو ليصبح الحكم حكماً مدنياً متعاقباً، ويعود الجيش إلى مهامه المنوط بها في حماية البلاد من المخاطر والتهديدات؛ وربما هذا ما يفسر أسباب وقوف الجيش ضد الرئيس محمد مرسي من أول لحظات حكمه، إذ يرى العسكريون ممن أُجريت المقابلات معهم، أنه لو فاز أحمد شفيق على الرئيس الأسبق مرسي في جولة الإعادة يونيو 2012م، لكان تعامل الجيش معه مختلفاً تماماً، إذ قال أحد العسكريين "هؤلاء لم ولن يسمحوا أبدأ أن يحكم مصر رئيس مدني، ولن يعطوا التحية العسكرية أبداً لشخص ذي قميص وبنطال".

أود أن أشير هنا إلى نقطة هامة، لم يتطرق لها الكثيرون، فالمجلس العسكري الذي كان يتكون من 24 عضواً أثناء ثورة يناير 2011م، كانوا جميعاً بلا استثناء، نظرياً وبدون أي خلاف حول هذا الأمر، مع رحيل مبارك من أجل التخلص من قصة التوريث التي كان مبارك يجهز لها حتى يصبح جمال مبارك رئيساً لمصر؛ ولكن كانت هناك وجهتا نظر داخل المجلس:

وجهة النظر الأولى: كانت ترى استغلال الحراك للتخلص من مبارك، وملف التوريث.

وجهة النظر الثانية: كانت ترى أن خروج مبارك في توقيت ثورة يناير 2011م سيدفع الناس للتجرؤ على منظومة الحكم العسكري ويصبح الحراك عادة يقوم بها الشعب في الفترات المقبلة، وهذا سيكون تهديداً حقيقياً للحكم العسكري على المدى القريب والبعيد، وكانوا يرون مواجهة الحراك بالقوة وكان اللواء حسن الرويني قائد المنطقة المركزية وقت ثورة يناير 2011م، يتبنى وجهة النظر تلك.[2]

جدير بالذكر أن مبارك كان يسير على نفس المنهاج الذي أسسه عبدالناصر منذ عام 1954م، وسار عليه أنور السادات الذي خلفه في الحكم عام 1970م، فكانت المؤسسة العسكرية مستقلة عن مؤسسة الرئاسة، وكانت الدولة المصرية تُدار عن طريق مؤسستين هما مؤسسة الرئاسة والمؤسسة العسكرية، ولكن القائد الأعلى لتلك المؤسستين هو رئيس الدولة والذي كان يعطي لكل مؤسسة أدوار اً معينة، لذلك كانت المؤسسة العسكرية بشكل فعلي شريكة في الحكم ولها صلاحيات وأدوار في مختلف الملفات، ولم تكن لها الكلمة العليا في إدارة شئون البلاد.

ثانياً: المؤسسة العسكرية بعد ثورة يناير "فترة المجلس العسكري":
تنحى حسني مبارك، وفوض المجلس الأعلى للقوات المسلحة لإدارة شئون البلاد، في 11 فبراير 2011م، ومنذ تلك اللحظة الفارقة مضت قيادات المجلس العسكري قدماً في تنفيذ مخططها المدروس لكي تمسك بزمام الأمور مرة أخرى.

المخطط بالأساس كان يسعى لتحقيق عدة أهداف بشكل متوازٍ، للتحكم في السلطة عن طريق "انقلاب ناعم" على ثورة يناير، كان من أبرز خطوات ذلك المخطط:

1-تنفيذ استراتيجية "صناعة الفرقة" بين رفقاء الميدان من الإسلاميين والليبراليين وكافة القوى المدنية الأخرى، فالمجلس العسكري عمل على تفتيت تلك القوى إعمالاً لمبدأ "فرق تسد". تلك الاستراتيجية كانت تعتمد بالأساس على التقارب في بداية الأمر مع القوى الإسلامية وعلى رأسها جماعة الإخوان المسلمين كما حدث في استفتاء مارس 2011م، فالمؤسسة العسكرية صورت الأمر على أن تفاهمات وتوافقات جرت بين الجيش والإسلاميين، بشكل عام في الموافقة على التعديلات الدستورية التي كانت ترفضها أغلبية القوى المدنية والثورية، حتى يحدث ذلك شرخاً بين القوى الإسلامية والقوى المدنية والعلمانية والثورية (من خلال الحديث عن التقارب بين القوى الإسلامية والمؤسسة العسكرية) وتقف تلك القوى في صف المعارضة للقوى الإسلامية وتصطف لمواجهتها.


وبعد إحداث ذلك الشرخ تتباعد المؤسسة العسكرية شيئاً فشيئاً من القوى الإسلامية حتى تكون أقرب للقوى المدنية والقوى الأخرى لكي يقفوا أمام القوى الإسلامية التي أصبحت تقف وحيدة. فكانت خطة المؤسسة العسكرية المدروسة في التعامل مع الملف السياسي تهدف أولاً إلى القضاء على أكبر فصيل سياسي شارك في الثورة، وبعد ذلك تتخلص من القوى الأخرى شيئاً فشيئاً من حيث الأهمية، وهذا ما حدث بالفعل.

2- فرض إعلانات ووثائق فوق دستورية تعطي المؤسسة العسكرية، صلاحيات وامتيازات، تمكنها من إدارة المرحلة بشكل منفرد، لذلك أصدر المجلس العسكري الإعلان الدستوري المكمل في يونيو 2012 الذي كان بمثابة انقلاب على الثورة، بعد وثيقة السلمي التي صدرت في النصف الثاني من عام 2011، والتي صيغت "بالتنسيق مع الجيش" وكانت تهدف إلى "دسترة" السيطرة العسكرية على الأمور في البلاد.

3- إفشال وتعطيل المؤسسات المنتخبة التي ستأتي بها الثورة، ولذلك عمل المجلس العسكري على حل مجلس الشعب الذي انتُخب بعد ثورة يناير، لضمان استمرارية المؤسسة العسكرية في سيطرتها على الأوضاع بالسيطرة على السلطة التشريعية، ومحاولة إطالة المرحلة الانتقالية، ولكي تظل السلطة التنفيذية والتشريعية في يد المؤسسة العسكرية.

4- حسم الانتخابات الرئاسية لصالح مرشح تدعمه المؤسسة العسكرية، على أن يكون رجلاً ذا خلفية عسكرية، وأكد البعض في تلك الجلسات، أن المؤسسة العسكرية قدمت كل أنواع الدعم للفريق أحمد شفيق حتى يكون هو الفائز في الانتخابات الرئاسية في مايو 2012م، ولكن بسبب ارتباط أحمد شفيق بمنظومة حسني مبارك التي قامت الثورة للقضاء على رموزها، فضلاً عن شعبية جماعة الإخوان داخل الشارع المصري في ذلك الوقت، كانت النتيجة لصالح الرئيس محمد مرسي.

ويرى البعض أن المؤسسة العسكرية رأت في ذلك التوقيت، ربما بضغوط خارجية، أن تزوير الانتخابات سيكون خطئاً استراتيجياً، وسيُدخل الدولة في حالة فوضى، وسيكون الضرر على المؤسسة العسكرية أكثر من نفعه، وكانت تري أن المنطقة ما زالت تمر بحالة ثورية، وبالتالي رأت تأجيل المواجهة لوقت آخر، مع إيمانها بقدرتها على إنهاء حكم الإخوان في أسرع وقت.

ثالثاً: المؤسسة العسكرية وحكم الرئيس مرسي:

المؤسسة العسكرية منذ اللحظة الأولى لحكم الرئيس محمد مرسي، لم تتقبل ذلك الأمر، وكانت تخطط للوصول إلى اللحظة الحاسمة التي تنهي فيها تلك التجربة، وتعطي درساً لمن يحاول أن يسير على نفس المنوال مرة أخرى.

قال لي أحد العسكريين إنن أغسطس 2012م كان تاريخاً هاماً داخل المؤسسة العسكرية، وصراعهم مع التجربة الديمقراطية، وتحديداً عند إقالة المشير محمد حسين طنطاوي من منصبه كوزير للدفاع، والفريق سامي عنان من منصبة كرئيس للأركان، وكذلك قادة الأفرع الرئيسية بالجيش المصري، أسباب تلك الإقالات وتحديداً إقالة كل من المشير طنطاوي والفريق عنان يتحدث عنها الكثيرون، ولكن من وجهة نظري الرواية الصحيحة التي دفعت الرئيس مرسي للإطاحة بالمشير طنطاوي لم تُروَ إلى الآن.

وبناء على ما ذكره بعض العسكريين السابقين، فإن قرار إقالة المشير طنطاوي، سبّب ضجراً كبيراً داخل الجيش المصري، في مختلف المستويات "قيادات، ضباط" وهذا بسبب أن طنطاوي بالأساس له رصيد وشعبية داخل المؤسسة العسكرية فهو صاحب أكبر فترة يقضيها وزير دفاع داخل الجيش المصري "1991-2012”، فضلاً عما عدوه من الرئيس مرسي "تجاوزاً لحدوده"، وذلك القرار استغلته قيادات الجيش فيما كانت تردده بعد ثورة يناير، بما في ذلك المشير طنطاوي نفسه واللواء حسن الرويني[3]، أن الثورة تهدف إلى هدم وتفكيك الجيش. وبعد ذلك القرار كانت الندوات التثقيفية داخل الجيش الخاصة بالضباط تؤكد أن الرئيس مرسي وجماعة الإخوان يهدفون إلى السيطرة على الجيش أو هدمه، وأن هذه القرارات جاءت من أجل تحقيق أهدافهم تلك وأن قادة الجيش لن تسمح بذلك المخطط.

إذن فمعظم قيادات الجيش كانت مع قرار إنهاء حكم الرئيس محمد مرسي، إلا أن قرار الرئيس مرسي "غير المدروس" بتعيين مدير المخابرات الحربية "عبدالفتاح السيسي" وزيراً للدفاع في أغسطس 2012م، ساعد وأسهم كثيراً في تضييق الخناق عليه بشكل أكبر.

الغريب في تلك الواقعة كما يصفها العسكريون، أنها كانت سابقة في التاريخ المصري الحديث أن يصبح مدير مخابرات حربية وزيراً للدفاع، بل عادة ما ينصح الأمنيون والعسكريون أن مديري المخابرات لا يجب أن يتولوا بعد خروجهم من مناصبهم مهاماً كمهام وزير الدفاع أو رئيس أركان، لأن مديري المخابرات تكون لديهم معلومات هامة ومفصلية عن الدولة، وإذا عينوا بعد خروجهم من مناصبهم في مناصب أعلى كوزراء دفاع أو رؤساء أركان وأصبح لهم صلاحيات بتحريك قوات فهذا خطأ استراتيجي كبير لأنهم سيصبحون ذوي قدرات وإمكانيات تؤهلهم للقيام بأي عمل ضد رأس السلطة في أوقات الاختلاف، وهذا ما فعله السيسي، ولكن مع غياب المعلومة يصبح كل شيء محتملاً، ويبدو أن الرئيس محمد مرسي ومساعديه لم يكن لديهم هذا الإدراك، و لا زالت حيثيات اختيار السيسي تحديدا لهذا المنصب من الأمور التي لم يكشف عنها النقاب حتى الان.

تشير الدلائل والمعلومات المتوافرة من مصادرنا المختلفة أن الجيش قد حسم القرار بشكل نهائي ووضع الجدول الزمني لرحيل نظام الرئيس مرسي في أوائل يونيو 2013م، ولكن ما قيل لي في أحد المقابلات، أن المجلس العسكري المكون من 24 عضو في يونيو 2013م، كانت خطته بعد الإطاحة بالرئيس محمد مرسي أن يكون البديل رجلا عسكريا أخر، ولم يطرح اسم السيسي بأي شكل من الأشكال أنه سيكون هو ذلك الرجل العسكري الذي سيتولى الحكم بعد الانقلاب.

رابعاً: ما بعد 03 يوليو 2013م:

بعد تحقيق الهدف الأساس في 03 يوليو 2013م، بزغت بذور الخلافات بين قيادات الجيش المصري، وظهر لبعض قيادات المجلس العسكري أن خطة يوليو 2013م، تلك الخطة الحقيقية، كان يعلمها السيسي وطنطاوي بالأساس ومعهم عدد قليل من قيادات المجلس العسكري، وتلك الخطة كانت تهدف لتصعيد السيسي وليس غيره رئيساً للجمهورية، وهو ما لم يرحب به لاحقا بعض قيادات المجلس العسكري "حالية كانت أو مستدعاة" لأنها كانت ترى بأحقية وصولها إلى هذا المنصب، أو بأن السيسي لا يتميز عليهم بشيء يبرر تفضيله.

وكانت وجهة النظر السائدة أن يبقى السيسي في منصبه ويحصن، ولذلك مُرر قانون تحصين وزير الدفاع في ذلك التوقيت، ولكن السيسي واصل الاستمرار في خطته حتى يصل في نهاية الأمر لتحقيق مبتغاه وحلمه الذي تحدث عنه مع الصحفي ياسر رزق في ذلك التوقيت وسُرب: “حلمت إني كنت مع السادات بكلمه وقالي أنا كنت عارف إني هبقى رئيس الجمهورية، وقلت له: وأنا كمان عارف إني هبقى رئيس جمهورية”، و يرى البعض أن لقاء السيسي مع الصحفي ياسر رزق في ذلك التوقيت كان تمهيداً من السيسي للشعب بأنه سيكون الرئيس القادم، وذلك بعد نفيه أكثر من مرة أنه لا يطمع في الحكم.[4]

الخلاف بين قيادات المجلس العسكري في ذلك التوقيت، لم يكن حول سيطرة الحكم العسكري، فمعظمهم كانوا يرون وجوب عودة السيطرة العسكرية سواء بشكل مباشر أو من وراء ستار، ولكن الاختلاف كان حول من هو الحاكم الذي سيتولى الحكم. ويري البعض أن المواجهة بين الطرفين، الطرف غير المرحب بالسيسي وطرف السيسي ومن معه ويتفقون معه في خطته بدأت مباشرة بعد فترة قليلة من أحداث 03 يوليو 201م، وما صرح به اللواء أحمد وصفي قائد الجيش الثاني "الأسبق" مع عمرو أديب بعد 03 يوليو 2013م: "لو السيسي أخذ رتبة زيادة أو اترشح للرئاسة قولوا انقلاب عسكري".

كانوا يرون أنها رسالة للسيسي بأنهم مصرون على تنفيذ الاتفاق بأنه لن يكون البديل[5]، وحرصوا أنها تكون رسالة عن طريق الإعلام حتى يسببوا له إحراجاً أمام الشعب لو استمر في مخططه ورشح نفسه، وكان عنان من الأسماء المطروحة لتولي زمام الأمور في 2014م، لذلك رشح عنان نفسه في انتخابات 2014م، ولكنه تراجع بسبب الضغط الذي مورس عليه. إلا أن المجلس العسكري في 2014م، صوت لصالح السيسي وليس لعنان للترشح لانتخابات الرئاسة في 2014م، بناء على دور كبير لعبه المشير حسين طنطاوي وما لديه من رصيد عند كلا الطرفين، وهو من أقنع معظم أعضاء المجلس العسكري والمستدعين في حينه بالتصويت للسيسي كي يكون هو مرشح المؤسسة في 2014م.

الجزء الثاني سيكون فى العدد القادم بإذن الله

________________________________________
[1] قراءة في كتاب العلاقات المدنية - العسكرية والتحول الديموقراطي في مصر بعد ثورة 25 يناير، نون بوست، تاريخ النشر 03 يوليو 2016م،تاريخ الدخول 10 سبتمبر 2018م
[2] المرصد العسكري – 31 يناير 2020، محمود جمال، المرصد، الرابط
[3] التسـريب الكامل لعضو المجلس العـسـكري اللواء حسن الرويني – (الرابط)
[4] السيسي حلم بأنه الرئيس المقبل
[5] اللواء أحمد وصفي في لقاء سابق: لو السيسي أخذ رتبة زيادة أو اترشح للرئاسة قولوا انقلاب عسكري
‏٢١‏/٠٥‏/٢٠٢٠ ٧:٤٧ م‏
قام ‏مجلة كلمة حق‏ بتحديث حالته.
بل الميتة الجاهلية في بيعة هؤلاء (1/2)
عبد الله الصعيدي

يتعلق علماء السلطة وعملاء الشرطة بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "مَن ماتَ وليس في عُنُقِه بيعةٌ، ماتَ مِيتَةً جاهليةً"([1]). وفَهِمَ الظاهريةُ الجُدُد من الحديث أنَّ تاركَ البَيْعَة وتاركَ الإسلام سواءً بسواء! فَنَفَروا خِفافاً وثِقالاً إلى بَيْعة وُكَلاء الغرب، وحَرَّضوا على مُخالِفيهم واسْتَعْدَوا عليهم الأُمراءَ والرؤساءَ!

والحديث ليس على ظاهِره، ولا يُرادُ بالْمِيتة الجاهلية الْمَوتُ على غير الإسلام، وإنما قُصِد بالنَّصِّ إرساءُ مبدئيَّة الطاعة والانقياد إلى تعاليم السلطة النائبة عن مقام النبوة في إقامة الفرض وعِمارة الأرض، ولا ريبَ أنَّ هذا لازمٌ من لوازِمِ بِناءِ الدولة وترسيخِ هَيْبَتِها، وقد كان أهلُ الجاهلية يَأنَفُون من أصلِ الانقياد لأيِّ جِهة. قال القاضي عياض: "ماتَ مِيتةً جاهلية"، أي: على هيئة ما ماتَ عليه أهل الجاهلية، مِن كونهم فوضى لا يَدِينون لإمام"([2]).

وهذا الحديثُ الشريفُ وما جرى مجراه من الأخبار المنْصُوصَة والآثار المنْصُوبَة؛ التي تَنْطِقُ بفريضة الطاعة وتَفيضُ بها دواوين الإسلام؛ دالٌّ على مركزية الرعيَّة في نَحْتِ معالِم الإمامة، وأنها أثْقَلُ طَرَفَيْ العَقْدِ، لأنَّ الرعيةَ عاقِدٌ، والراعي معقودٌ له، وأَثَرُ العاقِد في الإبرام والنَّقْضِ آكَدُ مِن أثَر المعقود له، قال ابن هانئ: "سَأَلتُ أَبا عبد اللَّه عن حديث النبي صلى الله عليه وسلم: «من مات وليس له إمام مات ميتة جاهلية» ما معناه؟ قال أبو عبد الله: تَدْري ما الإمام؟ الإمام الذي يُجْمِع المسلمون عليه، كُلُّهم يقول: هذا إمام، فهذا معناه"([3]).

قال الإمام الغزالي في انعِقادِ الخلافة البَكْرِية: "وَلَو لم يُبايِعْه غيرُ عُمَر، وبقيَ كَافَّةُ الخَلْق مخالفين أو انقَسَموا انقساماً متكافئا؛ لَا يتَمَيَّز فِيهِ غَالبٌ عَن مغلوب، لما انْعَقَدَت الإمامةُ، فإنَّ شَرط ابْتِدَاء الِانْعِقَاد قيامُ الشَّوْكَة وانصرافُ الْقُلُوب إلى المشايعة، ومُطابقَةُ البواطن والظواهر على الْمُبَايعَة"([4]).

وقال شيخ الإسلام: "إنما صار- عُمَرُ- إماماً لماَّ بايَعوه وأطاعوه، ولو قُدِّر أنهم لم يُنفِّذوا عهد أبي بكر ولم يبايعوه لم يَصِرْ إماماً... وإنما صارَ إماماً بمبايعة جمهور الصحابة، الذين هم أهل القُدْرة والشوكة"([5]).

وفي الحديث: "يَدُ الله على الجماعة، فعليكم بالسواد الأعظم، فإنه من شذَّ شَذَّ في النار"([6]). قال المناوي: "أيْ: الزَمُوا متابعةَ جماهير المسلمين، فهو الحق الواجب والفرض الثابت الذي لا يجوز خلافُهُ، فمَنْ خالَفَ ماتَ مِيتةً جاهلية"([7]).

وصحَّ عن رسول الله صلى الله عليه وسلم قوله لحذيفة بن اليمان: "تلزم جماعة المسلمين وإمامهم"([8]). ومما فُسِّرت به الجماعةُ السوادُ الأعظمُ من أهل الإسلام، قال العلامة المحقِّق محمد أنور شاه الكشميري: "اعلم أن الحديثَ يَدُلُّ على أن العِبْرَةَ بمعظم جماعة المسلمين، فلو بايَعَه رجلٌ واحدٌ، أو اثنان، أو ثلاثةٌ، فإنه لا يكون إمامًا ما لم يُبَايِعْهُ مُعظمُهُمْ، أو أهلُ الحَلِّ والعقدِ"([9]).

وقال الإمام الشوكاني: "مَن لم يُبايِعْه المسلمون فلا ولاية له، ولا يَستحقُّ أن يُباشر ما يُباشرُه الإمامُ كُلاًّ ولا جُزءً، لأنَّ الولاية سَبَبُها البيعةُ وإلزامُ المسلمين أنفُسَهُم بها بما يَجِبُ من الطاعة"([10]).

وقال الشيخ محمد رشيد رضا: "وَالْقُرْآنُ يُخَاطِب جمَاعَةَ الْمُؤمنِينَ بِالْأَحْكَامِ التِي يشرعها؛ حَتَّى أَحْكَام الْقِتَال وَنَحْوهَا من الْأُمُور الْعَامَّة التِي لَا تتعلَّق بالأفراد، وَقد أَمر بِطَاعَة أولي الْأَمر - وهُمُ الْجَمَاعَة- لَا وليَّ الْأَمر، وَذَلِكَ أَن وليَّ الْأَمر وَاحِدٌ مِنْهُم، وإنما يُطاع بتأييد جمَاعَةِ الْمسلمين الَّذين بَايعُوهُ"([11]).

وتَعْتَضِدُ هذه النُّقُول بِفِعْلِ راوي الحديث نفسِهِ؛ عبد الله بن عُمر رضي الله عنهما؛ لأنه عَلَّقَ البيعَةَ أيامَ علِيٍّ وأيامَ معاوية، وأيامَ ابن الزبير وعبد الملك بن مروان، حتى اتفقَ الأمر لعليٍّ، وحتى اصطَلَحَ معاويةُ مع الحَسَنِ عامَ الجماعة، وحتى قُتِلَ ابن الزبير واسْتَتَبَّ الأمرُ لعبد الملك، قال الحافظ العسقلاني: "وكان عبدُ الله بن عُمر في تلك المدَّة امتَنَع أن يُبَايِع لابن الزبير أو لعبد الملك، كما كان امتَنَع أن يُبايِع لِعَليٍّ أو معاويةَ؛ ثم بايَعَ لمعاويةَ لما اصطلح مع الحسن بن علي واجتمع عليه الناس؛ وبايَعَ لابنه يزيد بعد موت معاويةَ لاجتماع الناس عليه، ثم امتَنَعَ من المبايعة لأحدٍ حال الاختلاف إلى أن قُتِل بن الزبير وانتَظَم الْمُلك كُلُّه لعبد الملك، فبايَعَ له حينئذ"([12]).

فَقد كانت الرعِيَّةُ مَركَزَ الثِّقل وعَمودَ السارية في صياغةِ رأسِ الهَرَم وإفرازِ قِمَّتِه، لأنها الحقلُ الذي تُسْتَنْبَتُ فيه القيادة العلمية والعسكرية والسياسية، بخلاف ما نحن عليه اليوم؛ فإنَّ النظامَ العربيَّ المعاصرَ يُسْتَولَدُ في محاضِن التمثيل السياسي التي تُسَمَّى مجازاً بـ "السَّفَارات"، وهي في الحقيقة "غُرَفُ عمليات" تُرَكَّبُ فيها "القراراتُ الوطنيةُ" مِنْ قِطَع غيارٍ مُستَوْرَدَة!

لذلك يلزمُ تحريرُ مفهوم الجماعة في منظور الشريعة، هل هي جماعةٌ مُطلَقَةٌ؟ أمْ تُشتَرط لها شروطٌ في الاعتداد والاعتبار؟ لا رَيْبَ أنها جماعةٌ مَوْصُوفةٌ بأوصاف تُقَيِّدُ إطلاقها، واستجلاءُ تلك النُّعُوت إنما يكون بتقرير معنى الجماعة في أيام التنزيل، والجماعةُ يومئذٍ جماعةٌ ناهِضَةٌ بالحق، أمَّارةٌ بالقِسْط، مُؤَثِّرَةٌ في نَصْبِ الأئمَّة وتعيين الحُكَّامِ، فهل يَجْري هذا المفهوم على واقعنا المعاصر؟ لاسيما إذا تقرَّر أن مفهوم البيعة مفهومٌ عمليٌّ لا عَقَديٌّ، وليس من لوازمه اعتقادُ إمامة فلان أو علان، بل الواجب السعيُ في نصبِ الحاكم الشرعي، إلا ما كان مِن شأنِ الخلفاء الراشدين، فأَمرُهُم على التعيين لما تعلَّق بذواتهم من خصوصية الرشد والشهادة لأعيانهم بالجنان، والتوصية النبوية بالاستمساك بمسالكهم المهدية. قال الشيخ محمد رشيد رضا: "لفظ الجماعة إنما كان يُراد به جماعةُ المسلمين؛ التي تُقِيم أمرَ الإسلام بإقامة كتابه وسنة نبيه صلى الله عليه وسلم، ولكنْ صارت كلُّ دولةٍ أو إمارةٍ مِن دُوَل المسلمين تحمل كلمةَ الجماعة على نفسها، وإن هَدَمَت السُّنَّةَ وأقامت البدعةَ وعَطَّلَت الحدودَ وأَبَاحَت الفجور"([13])!

ويشهد لهذا التحرير قوله صلى الله عليه وسلم في توصيف الْمُرتَدّ: "التاركُ لدينه المفارقُ للجماعة"([14]). فالمقصودُ بمفارقة الجماعة هنا الارتدادُ عن الدين والمروقُ مِن الإسلام المعَبَّرِ عنه بالجماعة، ومعلومٌ أنَّ الإسلامَ حَقٌّ مطلقٌ لا يأتيه الباطل من بين يديه ولا من خَلْفِهِ. لذلك ينبغي تخريجُ كافَّة معاني الجماعة الواردة في النصوص على هذا المعنى الكُلِّي، ورَدِّ المعاني الفرعية إلى هذا الأصل الجامع في تحرير مفهوم الجماعة. وما وَقَع في تفاسير أهل العلم لـ: "الجماعة" بأنهم أصحاب رسول الله، أو فقهاء الْمِلَّة، أو الأئمة والخلفاء، أو السواد الأعظم من أهل الإسلام ([15])، فَمَوْئِلُ ذلك كُلِّه إلى اتِّباع الخطاب الشرعي تَلَقِّياً واستدلالاً، إذْ هو المعنى الناظِم لكافَّة الأقاويل المذكورة في تعيين معنى الجماعة. وفي الحديث: «إنَّ أمتي سَتَفْتَرق على اثنتين وسبعين فِرقةً، كلها في النار إلا واحدة؛ وهي الجماعة([16])» وفي لفظٍ: فقيل له: ما الواحدة؟ قال: «ما أنا عليه وأصحابي([17])».

قال ابنُ مسعود: «الجماعةُ الكتابُ والسنةُ وإنْ كنتَ وحدَكَ([18])».

وقال رضي الله عنه: "الجماعةُ ما وافَقَ الحقَّ وإن كنتَ وحدك"([19]). قال نعيم بن حماد مُعلِّقاً: "إذا فَسَدَت الجماعةُ فعليك بما كانت عليه الجماعة قبل أن يَفْسُدوا، وإن كنتَ وحْدَك، فإنك أنت الجماعةُ حينئذٍ"([20]).

وقال أبو شامة المقدسي: "وحيث جاء الأمرُ بلزوم الجماعة، فالمرادُ لُزُوم الحق واتِّباعُه، وإن كان المتمسِّكُ به قليلاً والمخالفُ له كثيراً؛ لأن الحق الذي كانت عليه الجماعة الأولى من النبي صلى الله عليه وسلم وأصحابِهِ، ولا نَظَرَ إلى كثرة أهل الباطل"([21]). فالجماعة في ميزان الوحي جماعةُ أفهامٍ لا جماعة أجسام، وإنما الجُسُوم تَبَعٌ للفُهُوم، ولا يَحِلُّ أن تَنعَقِدَ القلوبُ على غير مضمون الرسالة. ومما حَبَّره الإمام الشافعي في شرحه لحديث: "من أراد منكم بَحْبَحَةَ([22]) الجنةَ فليلزم الجماعةَ"([23]). قوله: "إذا كانت جماعَتُهُم متفرقةً في البلدان، فلا يَقْدِر أحدٌ أن يَلزَم جماعةَ أبدانِ قومٍ متفرقين، وإِنْ وُجِدَت الأبدانُ تكون مجتمعةً من المسلمين والكافرين والأتقياء والفُجَّار، فلم يكن في لزوم الأبدان معنى، لأنه لا يُمكن، ولأن اجتماع الأبدان لا يصنع شيئاً فلم يكن لِلُزوم جماعتهم معنى، إلا ما عليهم جماعَتُهُم من التحليل والتحريم والطاعة فيهما. ومَن قال بما تَقُول به جماعةُ المسلمين فقد لزم جماعَتَهم، ومن خالَفَ ما تقول به جماعةُ المسلمين فقد خالف جماعَتَهم التي أُمِرَ بلزومها"([24]).

ومن النماذج التطبيقية على اعتبار مفهوم الجماعة في ميزان الإسلام، والتقيُّد بطبيعة الجماعة الْمُفَوَّضة حَلاًّ وعقداً، نَكْثاً وفَتْلاً، إبطالُ بيعةِ أهل الشام للملك حسين، لأنهم كانوا تحت وطْأةِ الإنجليز، والملك حسين يومها موظَّف بريطاني برتبة ملِك! قال الشيخ محمد رشيد رضا: "أما مَن بايَعَه مِن أهل سورية وفلسطين والعراق، فَهُم تحت سيطرة دولتين أجنبيتين قويتين؛ لا يملكون من أمرهم طاعةَ حاكمٍ آخَر. وإنما المبايعة على السمع والطاعة في الجهاد وأموال الزكاة وإقامة الحدود وغير ذلك من الأحكام، فلا الملك حسين يستطيع أن يقيمَ شيئاً من هذه الأحكام في هذه البلاد، ولا أهلُهَا قادرون على إعطائه هذه الاستطاعة، ولا على طاعته إذا هو أمَرَ بشيءٍ منها"[25].

والحديثُ بعد التي واللُّتَياَّ ليس على ظاهره، لجريان لفظه في سياقات حديثِيَّةٍ متعدِّدةٍ؛ بعضُها مُجمَلٌ؛ وبعضها أقرب إلى التَّبيِين والتفصيل، اشتَمَلَت على الخروج بالسيف والارتداد عن الإسلام والانحياز إلى عُصَبٍ عُمِّيَةٍ... كقوله صلى الله عليه وسلم: "مَن رأى مِن أميره شيئا يَكْرَهه فليصبر عليه، فإنه مَن فارق الجماعة شِبراً فمات، إلا مات مِيتةً جاهليةً"([26]).

وقوله صلى الله عليه وسلم: "مَن خَلَع يَداً مِن طاعة لَقِي الله يوم القيامة لا حُجَّة له، ومَن مات وليس في عنقه بيعةٌ، مات مِيتةً جاهلية"([27]).

وقوله عليه الصلاة والسلام: "مَن خرج من الطاعة وفارَقَ الجماعةَ فمات، مات مِيتةً جاهلية، ومَن قاتل تحت راية عُمِّيَّةٍ؛ يَغضَبُ لعصبةٍ؛ أو يدعو إلى عُصبةً؛ أو ينصر عُصبةً، فقُتِل، فَقِتْلَةٌ جاهلية، ومَن خرج على أمتي، يَضرِبُ بَرَّها وفاجرها، ولا يتحاشى من مؤمنها، ولا يفي لذي عهد عهده، فليس مني ولست منه"([28]). وهذا في الاحتراب على الدنيا والاقتتال على الْمُلك، قال أبو العباس القرطبي: "وقد أبعَدَ مَن قال إنهم الخوارج؛ فإنهم إنما حَمَلَهم على الخروج الغيرةُ للدِّين لا شيءٍ من العَصَبِية والملك، لكنهم أخطئُوا التأويلَ وحَرَّفوا التنزيل"([29]).

ونظير هذا ما ذَكَرَه الشوكاني في براءة ساحة الحسين رضي الله عنه من شُبهة الخروج، فقال: "لا ينبغي لمسلمٍ أن يَحُطَّ على مَن خَرَج من السلف الصالح؛ مِن العِترة وغيرهم؛ على أئمة الجَوْر، فإنهم فَعَلوا ذلك باجتهادٍ منهم، وهُم أتقى لله وأطوعُ لسنة رسول الله مِن جماعة ممن جاء بعدهم من أهل العلم، ولقد أَفْرَط بعضُ أهل العلم كالكرامية ومَن وافَقَهُم في الجمود على أحاديث الباب، حتى حكموا بأن الحسين السبط رضي الله عنه وأرضاه باغٍ على الخِمِّير السِّكِّير الهاتِكِ لِحُرَم الشريعة المطهرة؛ يزيد بن معاوية لعنهم الله؛ فيا لله العَجَبُ من مقالاتٍ تقشعرُّ منها الجلود، ويتصدَّعُ من سماعها كل جُلْمُود"([30]).

قال الإمام النووي: "والتشديداتُ الواردةُ في الخروج عن طاعة الإمام وفي مخالفته؛ كحديث: «من حمل علينا السلاح فليس منا» وحديث: «من فارق الجماعة فقد خلع ربقة الإسلام من عنقه» وحديث: «من خرج من الطاعة وفارق الجماعة فمِيتَتُه جاهلية» كلها محمولةٌ على مَن خرج عن الطاعة وخالَفَ الإمامَ بلا عُذرٍ ولا تأويل"([31]).

ثم ما مضمونُ البَيْعَة التي مَنْ ماتَ دُونَها كانت مِيتَتُهُ جاهليةً؟ أَهِي بَيْعةٌ على أصول الشريعة وصريحِ الوحي؟ أم بيعَةٌ على امتِدادِ النفوذ الغربيِّ وهَيْمَنةِ نُظُمِهِ الوضْعِيَّة على جُمهور أهلِ الإسلام؟

هذا ما نتابع الجواب عنه في المقال القادم إن شاء الله


ــــــــــــــــــــــــــ
([1]) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: الإمارة، باب: الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن، (3/1478/ح1851).
([2]) إكمال المعلم، ط1 دار الوفاء، (6/258).
([3]) مسائل ابن هانئ، ط المكتب الإسلامي، (2/185)، وانظر: السنة للخلال، ط1 دار الراية، (1/80).
([4]) فضائح الباطنية، ط مؤسسة دار الكتب الثقافية، (ص177).
([5]) منهاج السنة، ط1 جامعة الإمام، (1/530).
([6]) أخرجه الترمذي في سننه، أبواب: الفتن، باب: مَا جَاءَ فِي لُزُومِ الجَمَاعَةِ، (4/466/ح2167)، وحسَّنه الألباني بمجموع الطرق في الصحيحة (3/405/ح1331)، دون زيادة: "ومَن شذَّ شذَّ في النار".
([7]) فيض القدير، ط1 المكتبة التجارية الكبرى، (2/431).
([8]) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: المناقب، باب: علامات النبوة في الإسلام، (4/199/ح3606)، ومسلم في صحيحه، كتاب: الإمارة، باب: الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن، (3/1475/ح1847).
([9]) فيض الباري، ط1 دار الكتب العلمية، (4/455).
([10]) السيل الجرار، ط1 دار ابن حزم، (ص819).
([11]) الخلافة، ط الزهراء للإعلام العربي، (ص21).
([12]) فتح الباري، ط دار المعرفة، (13/195).
([13]) تفسير المنار، ط الهيئة المصرية العامة للكتاب، (6/303).
([14]) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: الديات، باب قول الله تعالى: {أن النفس بالنفس والعين بالعين...} (9/5/ح6878)، ومسلم في صحيحه، كتاب: القسامة، باب: ما يباح به دم المسلم، (3/1302/ح1676) واللفظ له.
([15]) ممن عدَّد هذه الوجوه في شرح معنى الجماعة الإمامُ الطبري، واختارَ أنَّ لزوم الجماعة بلزوم إمام المسلمين والوفاء ببيعته، كما في شرح البخاري لابن بطال، ط2 مكتبة الرشد، (10/35-33). واختيارُهُ فَسَّرَهُ الإمامُ الشاطبيُّ وجَعَلَه آيِلاً إلى التزام الحق كما أسلَفنا تقريره، فقال: "وحاصله أن الجماعة راجعةٌ إلى الاجتماع على الإمام الموافق للكتاب والسنة، وذلك ظاهِرٌ في أنَّ الاجتماعَ على غير سنة خارجٌ عن معنى الجماعة المذكورة في الأحاديث". الاعتصام، ط المكتبة التجارية الكبرى، (2/265). وانظر: مجموع الفتاوى، ط المجمع، (3/347)، إتحاف الجماعة، ط2 دار الصميعي، (1/267).
([16]) أخرجه أحمد في المسند، مسند الشاميين، (28/135/ح16937)، وصححه الألباني في الصحيحة، (1/404)، وله فيه بحث نفيس.
([17]) أخرجه الترمذي في السنن، أبواب: الإيمان، باب: ما جاء فيمن يموت وهو يشهد أن لا إله إلا الله، (4/323)، والحاكم في المستدرك، كتاب العلم، (1/218/ح444)، وصححه الألباني في صحيح الجامع، (2/943/ح5343).
([18]) أخرجه الخطيب في الفقيه والمتفقه، ط2 دار ابن الجوزي، (2/404).
([19]) أخرجه اللالكائي في شرح أصول الاعتقاد، ط8 دار طيبة، (1/121/ح160).
([20]) المدخل للبيهقي، ط1 دار المنهاج، (1/420/ح910).
([21]) الباعث، ط1 دار الهدى، (ص22).
([22]) البَحْبَحَةُ من التَّبَحْبُحُ وهو التمكن في الحلول والْمُقام، وبَحبوحة الدار وسَطُها. انظر: مختار الصحاح، ط5 المكتبة العصرية، (ص29).
([23]) أخرجه أحمد في المسند، مسند العشرة المبشرين، (1/269/ح115)، وصححه الألباني في الصحيحة، (1/792/ح430).
([24]) الرسالة، ط1 مكتبة الحلبي، (ص473).
[25] مجلة المنار، (25/257)، عدد رمضان 1342ه.
([26]) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: الإمارة، باب: الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن، (3/1476/ح1848).
([27]) أخرجه مسلم في صحيحه، كتاب: الإمارة، باب: الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن، (3/1478/ح1851).
([28]) أخرجه البخاري في صحيحه، كتاب: الأحكام، باب: السمع والطاعة للإمام ما لم تكن معصية، (9/62/ح7143)، ومسلم في صحيحه، كتاب: الإمارة، باب: الأمر بلزوم الجماعة عند ظهور الفتن، (3/1477/ح1849).
([29]) المفهم، ط1 دار ابن كثير، (4/60).
([30]) نيل الأوطار، ط1 دار الحديث، (7/208).
([31]) روضة الطالبين، ط3 المكتب الإسلامي، (10/50)، وانظر: دليل المحتاج، (3/334).
‏١٨‏/٠٥‏/٢٠٢٠ ١٠:٣٤ م‏
قام ‏مجلة كلمة حق‏ بتحديث حالته.
اشترك في قناة (أرشيف مجلة كلمة حق) وحمّل جميع ما صدر من أعداد وكتب:

رابط القناة: t.me/klmtu
‏١٦‏/٠٥‏/٢٠٢٠ ١٢:٤١ ص‏
العمل الخيري بين الرسالية والوظيفيّة (01) الصغير منير ⚫️ حمّل العدد الجديد t.me/klmtuhaq/507 ⚫️ هدية العدد t.me/klmtuhaq/511 ⚫️ الأعداد والهدايا السابقة t.me/klmtuhaq/480 لم يعرف الشعب الجزائري الجمعيات والنشاط الجمعويّ إلا بعد انتفاضة 1988 وتعديل الدستور الذي فتح المجال أمام تأسيس الجمعيات والأحزاب والنقابات. وكلّ ما كان موجوداً من الجمعيات قبل هذا التاريخ – على قلّته – كان تابعاً للحزب الحاكم الواحد ويدور في فلك السلطة ويخدم أهدافها وخططها مع رداءة واضحة وغياب شبه تامّ في الميدان مع حضور وتسويق إعلاميّين لنفخ هذه الجمعيات وتلميعها. ولأنّ فترة الانفتاح السياسي والحريات العامة بعد أحداث أكتوبر 1988 لم تدُم أكثر من ثلاث سنوات فقد كان عدد الجمعيات الخيريّة – وهي موضوع حديثنا في هذه المقالة – قليلاً وكان تأثيرها محدوداً. ومما يمكن ملاحظته أن أكثر الجمعيات التي تأسست كانت في الحقيقة تابعة لأحزاب سياسية أو تيارات فكرية وكانت بمثابة الأذرع التي تمكّن هذه الأحزاب والتيارات من التغلغل والانتشار في أوساط الشعب. وقد كان من أشهر الجمعيات التي تأسست في هذه الفترة (جمعية الإرشاد والإصلاح) وجمعية (كافل اليتيم) التي كانت في حقيقتها أكبر من مجرّد جمعية. فقد كانت تمثّل الغطاء القانوني لنشاط الإخوان المسلمين المرتبطين بمكتب الإرشاد في مصر وبالتنظيم العالمي للإخوان المسلمين، وكان نشاطها ثقافياً وتربوياً وفكرياً وسياسيّاً قبل تأسيس حركة حماس (حركة المجتمع الإسلامي) بقيادة الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله تعالى، مع حضور بارز ومتميّز للعمل الخيري والإغاثيّ. غير أنّه وفي وجود الجبهة الإسلامية للإنقاذ كحزب سياسيّ قوي ذي شعبية جارفة وحضور طاغٍ في الساحة واكتساح للمجالس البلدية والولائيّة فقد كان نشاط جمعية الإرشاد والإصلاح غير معروف بما يكفي إلا للمنتسبين إليها والقريبين منها أو المستفيدين من خدماتها، أو الإعلاميين والسياسيين المتابعين للأحداث والتفاصيل. ولأن حركة (حماس) الجزائرية لم تكن قد تأسست بعد كحزب سياسي، ولأن حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ لم يكن يمتلك ذراعاً أو امتداداً جمعوياً بينما كانت تمتلك ذراعاً نقابياً ممثلاً في (النقابة الإسلامية للعمل)، وذراعاً طلابياً ممثلاً في (الرابطة الإسلامية للطلبة)، ولأنّ تلك الفترة عرفت هبوطاً في أسعار النفط أثّرت في المستوى المعيشي للشعب الجزائري وفي مداخيل الدولة الجزائرية باعتبارها دولة ريعية تعتمد بشكل شبه كلي على النفط؛ فقد كانت مظاهر الفقر والعوز تظهر وتنتشر بوضوح لا تخطئه عين المراقب العادي فضلاً عن عين السياسي ورجل الاستخبارات والخبير الاقتصادي. في عام 1990؛ وفي الفترة التي كانت فيها أكثر البلديات تسيّرها مجالس يهيمن عليها منتخبو الجبهة الإسلامية للإنقاذ، ظهرت فكرة (أسواق الرحمة) أو ما صار يُعرف لاحقاً بالأسواق الإسلامية. وهي أسواق تتفاوت في حجمها وانتشارها بين بلدية وأخرى لكنها يجمعها أن المشرف عليها هم منتسبو الجبهة الإسلامية. وقد كانت فكرة المبادرة بتوجيه من قيادة الجبهة، وتُركت التفاصيل للمنتسبين ليتصرفوا بما تسمح به مواردهم وإمكاناتهم. وقد حاول العلمانيون واليساريّون وحزب جبهة التحرير يومها أن يتّهموا منتخبي الجبهة باستغلال ميزانيات البلديات في شراء الخضر والفواكه وغيرها من أجل دعم وتموين أسواق الرحمة واستغلالها لاحقاً في الدعاية السياسية والانتخابية للجبهة الإسلامية. بينما كان واضحاً جدّاً يومئذ أن البلديات التي كانت تسيّرها الجبهة كانت تعاني من حصار مالي تسبّب في شللها وتعطيل مشاريعها، وأن قانون البلديات نفسه صيغ بطريقة تجعل رئيس البلدية أقرب للموظّف الذي لا يملك أي سلطة حقيقية في بلديته حتى لو انتخبته الأغلبية المطلقة، وأن رؤساء البلديات أنفسهم لم يكونوا يتقاضون مرتباتهم من طرف وزارة الداخلية، حتى أن مناضلي الجبهة الإسلامية كانوا يجمعون من أموالهم ومن الشعب أجور رؤساء البلديات. وأقصى ما كانت تقدمه البلديات لأسواق الرحمة هو الشاحنات والمركبات المتوسطة لنقل المؤونة والسلع أو إصدار الرخص لنشاط هذه الأسواق. كانت (أسواق الرحمة) رحمة للفقراء والمساكين والبطالين. وكانت أسعار السلع فيها منخفضة حتى كانت أشبه ما تكون بالتبرعات المجانية. وكان العاملون فيها في أغلبهم متطوعين والعاملون منهم يتلقون أجرتهم من مداخيل البيع. وكان الفلاحون والمزارعون يتنافسون في التبرع والصدقات لهذه الأسواق بسخاء وتناقل الجزائريون يومها حكايات أشبه بأحاديث حاتم الطائي. تسببت أسواق الرحمة في حرج كبير للسلطة التي أوعزت للصحف والجرائد بمهاجمتها والتشكيك فيها. وأظهرت عجز السلطة عن توفير الحدّ الأدنى من الرعاية للطبقات الشعبية الفقيرة. وقد كانت هذه الأسواق مستقلة تماماً عن مؤسسات الدولة وحتى عن تسيير حزب الجبهة الإسلامية المباشر في التفاصيل، ورفعت من أسهم الجبهة في الانتخابات التشريعية التي انقُلب عليها سنة 1992. إن تجربة أسواق الرحمة كانت أول تجربة يشعر فيها النظام بالحرج من مبادرة خيرية محدودة في الزمان والمكان، لأنه لا يريد مبادرات وجمعيات خارج هيمنته ولا تخدم أهدافه بل ربما تفعل عكس ذلك تماماً. حدث الانقلاب ومرّت عشر سنوات عجاف من القمع والمجازر والحرب واستفرد النظام بكلّ شيء وكاد العمل الخيري الشعبي أن يتوقف، لولا جهود بُذِلت وكانت محفوفة بالمخاطر أبقت عليه حيّاً في أدنى مستوياته. ثم جاءت سنة 1999 ووصل معها سيّء الذكر عبدالعزيز بوتفليقة إلى رئاسة الدولة في الجزائر، بتخطيط وتحضير واتفاق بين جنرالات العسكر والمخابرات النافذين يومها، والذين ما كان أحد يجرؤ في الداخل أن يرفض لهم أمراً أو يخالف لهم قراراً. وكانت أول أعمال بوتفليقة أن يعطي انطباعاً بأن الدولة تتخلّص من العسكرة والتوجّه الأمني الاستئصالي، إلى التوجّه المدني الذي تتبوّأ فيه الجمعيات والنقابات والأحزاب مكانة بارزة ومؤثّرة في الحياة العامّة. طبعاً لم يكن بوتفليقة يريد من وراء هذا سوى التسويق لانفتاح موهوم وحياة مدنية مزعومة، تكون في خدمة أهدافه في التسلّط والهيمنة والانتقام من أعدائه وتلمّع صورته أمام الإعلام والساسة الغربيين، الذين كان حريصاً أشدّ الحرص على إرضائهم. حدث إذن بعد عام 2000 أن تأسست مئات الجمعيات الخيرية بين وطني وولائي وبلدي، تعتني بالأيتام والأرامل والفقراء والمرضى والأمّيين، وتغيث الجزائريين في النكبات والكوارث، وترفع عنهم آثار الفاقة في المناسبات مثل رمضان والعيدين ودخول المدارس. وكان واضحاً أن هذه الجمعيات سدّت نقصاً هائلاً وغياباً شبه كامل للدولة في العناية بهذه الفئات ومرافقتها. كما كان واضحاً أنها لم تكن تحصل من الدولة إلا على الفتات من الدعم المالي بينما كانت الأموال توزّع بسخاء على جمعيات التملّق للرئيس وحاشيته وعلى الفنانين والمهرجانات الفنية والثقافية، زعموا. ولعل من أبرز ما يمكن ملاحظته أن الغالبية العظمى من هذه الجمعيات كان مؤسسوها ومنتسبوها والناشطون فيها إما الإسلاميين، أو من الشباب والكهول المتدينين والمحافظين الذين لا يُعرف لهم انتساب تنظيمي واضح للتيار الإسلامي. وقد كان مفهوماً توجّه الإسلاميين شباباً وكهولاً إلى العمل الخيري بقوة، فقد حرمهم النظام من أي مشاركة حقيقية وفعّالة في الشأن العام وهمّشهم وأقصاهم ولم يُبقِ لهم باباً مفتوحاً لخدمة شعبهم والحضور في الميدان إلا من خلال العمل الخيري بتأسيس الجمعيات، التي كان يتحكّم في منحها الاعتماد القانوني ويتعسّف أحياناً كثيرة في ذلك لأوهى الأسباب ويتشدّد في تجديد مكاتبها ومراقبة وثائقها والتدقيق في حساباتها بما لا يفعله إلا نادراً مع الجمعيات الموالية له أو السائرة في ركابه. كما أن هناك سبباً آخر لتوجّه شباب وكهول الإسلاميين نحو العمل الخيري، وهو أنه كان المجال الأبعد عن المخاطرة ومصادمة النظام، وأن كثيراً جداً منهم كانوا ناقمين على ما آلت إليه أحوال العمل الإسلامي سواء في شقّه الجهادي المسلّح الذي كان ظاهراً أنه انهزم وفُكك، أو في شقّه السياسي الذي كان ظاهراً أيضاً أن النظام استطاع احتواءه وسحبه إلى مربّعه؛ بل والتحالف معه في معادلة غريبة نشاز ما زالت غير مفهومة في كثير من تفاصيلها إلى يوم الناس هذا. عشرون سنة كاملة مضت من العمل الخيري. مئات الجمعيات التي ما تركت نشاطاً خيرياً إلا أسهمت فيه. آلاف من الشباب المستقيم النزيه المتديّن أو المحافظ الذي يصل ليله بنهاره في جمع الأموال والمساعدات وتوزيعها. أوقات وجهود وموارد ضخمة تُنفَق في هذه الجمعيات. ضغوط وتعقيدات إدارية كبيرة ومثبّطة تتحملها هذه الجمعيات وتصبر عليها وتتعامل معها بخليط من الذكاء والصبر والملاعبة والمداهنة والمهادنة بل والإذلال أحياناً. وبرغم ذلك كلّه وصل إحسانها وخيرها إلى كل بادية وقرية ومدينة وريف؛ بل إن جمعيات مثل (هيئة الإغاثة) التابعة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين و(الإرشاد والإصلاح) و(جزائر الخير) و(البركة) وغيرها تعدّى نفعها إلى شعوب أخرى، في البوسنة والهرسك وفلسطين وبورما ومخيمات اللاجئين من الصحراء الغربية وغيرها. ويبقى السؤال الملحّ: ماذا استفادت هذه الجمعيّات بعد بذل كلّ هذه الجهود؟ من يستفيد من هذه الأموال والموارد والنفقات الضخمة؟ الشعب أم السلطة أو هما معًا؟ هل تتعامل السلطة ببراءة وحيادية مع بذل وعطاء وتوسع هذه الجمعيات؟ أم هي توظّفها في مشروعها الكبير وتجعلها ترساً في منظومتها الغالبة المتسلّطة؟ هل تدرك وتعي قيادات هذه الجمعيات أين تنتهي الرسالية في مشروعاتها وأين تبدأ الوظيفية؟ أم ترى ذلك غير مؤثّر ولا مهمّ؟ وأسئلة أخرى كلها متفرّع عن هذه الأسئلة أو مرتبط بها بشكل أو بآخر. من منطلق إيمانيّ صِرف لا شكّ أن الأجر والثواب مضمون لكلّ من يفعل الخير، ويغيث الملهوف ويحمل الكَلّ ويتعاون على البرّ ويدخل السرور على المسلمين ويقضي عنهم ديونهم ويسعف مرضاهم، إذا صدقت المقاصد وخلصت النيّات. ومن منطلق اجتماعي لا شكّ أن العمل الخيري يحيي مشاعر التراحم والتكافل، التي هي أحد مرتكزات البناء الاجتماعي للأمة المسلمة. ومن منطلق أخلاقيّ لا شك أن بذل المال من طرف الأغنياء أو بذل الجهد والتنظيم والإحصاء والتحرّي من طرف الجمعيات، يطهّر الأنفس من الشحّ والتعلّق بالمال ويخلّصها من فردانيتها وانكفائها على ذاتها. هذه المقاصد الجميلة والغايات النبيلة متحققة كلها في العمل الخيريّ. ويشعر بها ويعيشها من انتدبوا أنفسهم وسخروا جهودهم في هذا الباب لسدّ هذه الثغرات والثغور. لكن هل يكفي جمال القصد ونبل الغاية وحده في مثل هذه الأوضاع الاستثنائية والشاذّة غير السويّة التي تعيشها شعوب الأمّة المسلمة؟ في أي نهر تصبّ جهود الجمعيات؟ وأيّ مشروع تخدم؟ لا أحد لديه مسكة من عقل ويشعر بالانتماء إلى شعبه وأمته ويدرك روابط الولاء ومقتضياته، يدعو إلى وقف الإحسان أو قبض الأيدي والشحّ بالمال وترك المسلمين يموتون جوعاً وبرداً ومرضاً وتشرداً بلا مأوى؛ بل لعلّ ذلك قد يكون جريمة إيمانية وأخلاقية وإنسانيّة عند تحقق القدرة ووجود الموارد الماديّة والبشريّة. في وضعٍ لا تأبه فيه الأنظمة ومؤسساتها بمئات الآلاف من الفقراء والمشردين وتجد من الحجج والمبررات الاقتصادية والسياسية والحسابات والإكراهات الحقيقية أو المتوهمة أو الكاذبة، ما يجعل السذّج والطيبين يصدقونها ويلتمسون لها الأعذار ويرجعون باللوم على أنفسهم ويتّهمون عقولهم، بينما يجتهد إعلام الأنظمة وسحرته في التدليس والتلبيس وإخفاء الحقائق وتبرئة المجرمين الحقيقيين. إن المطلوب هو توجيه هذه الأموال والموارد والجهود والعطاء السخي والبذل الكريم نحو وجهة ترضي الله تعالى، وتحقق مقتضيات الإيمان به والولاء للمؤمنين والبراءة من الظالمين والمجرمين، وترشيدها بحيث تؤدي دورها في إحياء الأمة ونهضتها وخلاصها من الاستبداد والفساد والطغيان وأداء دورها في الشهادة على الأمم. فكيف تنظر الجمعيات لهذا الأمر؟ وهل تفكّر فيه وتستحضره في تخطيطها ومشروعاتها أصلاً؟ وما التحدّيات التي تنتج عن هذه الغفلة؟ سيكون ذلك موضوع الجزء الثاني من هذه المقالة إن شاء الله تعالى..
العمل الخيري بين الرسالية والوظيفيّة (01)
الصغير منير

⚫️ حمّل العدد الجديد t.me/klmtuhaq/507
⚫️ هدية العدد
t.me/klmtuhaq/511
⚫️ الأعداد والهدايا السابقة
t.me/klmtuhaq/480

لم يعرف الشعب الجزائري الجمعيات والنشاط الجمعويّ إلا بعد انتفاضة 1988 وتعديل الدستور الذي فتح المجال أمام تأسيس الجمعيات والأحزاب والنقابات. وكلّ ما كان موجوداً من الجمعيات قبل هذا التاريخ – على قلّته – كان تابعاً للحزب الحاكم الواحد ويدور في فلك السلطة ويخدم أهدافها وخططها مع رداءة واضحة وغياب شبه تامّ في الميدان مع حضور وتسويق إعلاميّين لنفخ هذه الجمعيات وتلميعها.

ولأنّ فترة الانفتاح السياسي والحريات العامة بعد أحداث أكتوبر 1988 لم تدُم أكثر من ثلاث سنوات فقد كان عدد الجمعيات الخيريّة – وهي موضوع حديثنا في هذه المقالة – قليلاً وكان تأثيرها محدوداً. ومما يمكن ملاحظته أن أكثر الجمعيات التي تأسست كانت في الحقيقة تابعة لأحزاب سياسية أو تيارات فكرية وكانت بمثابة الأذرع التي تمكّن هذه الأحزاب والتيارات من التغلغل والانتشار في أوساط الشعب.

وقد كان من أشهر الجمعيات التي تأسست في هذه الفترة (جمعية الإرشاد والإصلاح) وجمعية (كافل اليتيم) التي كانت في حقيقتها أكبر من مجرّد جمعية. فقد كانت تمثّل الغطاء القانوني لنشاط الإخوان المسلمين المرتبطين بمكتب الإرشاد في مصر وبالتنظيم العالمي للإخوان المسلمين، وكان نشاطها ثقافياً وتربوياً وفكرياً وسياسيّاً قبل تأسيس حركة حماس (حركة المجتمع الإسلامي) بقيادة الشيخ محفوظ نحناح رحمه الله تعالى، مع حضور بارز ومتميّز للعمل الخيري والإغاثيّ.

غير أنّه وفي وجود الجبهة الإسلامية للإنقاذ كحزب سياسيّ قوي ذي شعبية جارفة وحضور طاغٍ في الساحة واكتساح للمجالس البلدية والولائيّة فقد كان نشاط جمعية الإرشاد والإصلاح غير معروف بما يكفي إلا للمنتسبين إليها والقريبين منها أو المستفيدين من خدماتها، أو الإعلاميين والسياسيين المتابعين للأحداث والتفاصيل.

ولأن حركة (حماس) الجزائرية لم تكن قد تأسست بعد كحزب سياسي، ولأن حزب الجبهة الإسلامية للإنقاذ لم يكن يمتلك ذراعاً أو امتداداً جمعوياً بينما كانت تمتلك ذراعاً نقابياً ممثلاً في (النقابة الإسلامية للعمل)، وذراعاً طلابياً ممثلاً في (الرابطة الإسلامية للطلبة)، ولأنّ تلك الفترة عرفت هبوطاً في أسعار النفط أثّرت في المستوى المعيشي للشعب الجزائري وفي مداخيل الدولة الجزائرية باعتبارها دولة ريعية تعتمد بشكل شبه كلي على النفط؛ فقد كانت مظاهر الفقر والعوز تظهر وتنتشر بوضوح لا تخطئه عين المراقب العادي فضلاً عن عين السياسي ورجل الاستخبارات والخبير الاقتصادي.

في عام 1990؛ وفي الفترة التي كانت فيها أكثر البلديات تسيّرها مجالس يهيمن عليها منتخبو الجبهة الإسلامية للإنقاذ، ظهرت فكرة (أسواق الرحمة) أو ما صار يُعرف لاحقاً بالأسواق الإسلامية. وهي أسواق تتفاوت في حجمها وانتشارها بين بلدية وأخرى لكنها يجمعها أن المشرف عليها هم منتسبو الجبهة الإسلامية. وقد كانت فكرة المبادرة بتوجيه من قيادة الجبهة، وتُركت التفاصيل للمنتسبين ليتصرفوا بما تسمح به مواردهم وإمكاناتهم.

وقد حاول العلمانيون واليساريّون وحزب جبهة التحرير يومها أن يتّهموا منتخبي الجبهة باستغلال ميزانيات البلديات في شراء الخضر والفواكه وغيرها من أجل دعم وتموين أسواق الرحمة واستغلالها لاحقاً في الدعاية السياسية والانتخابية للجبهة الإسلامية. بينما كان واضحاً جدّاً يومئذ أن البلديات التي كانت تسيّرها الجبهة كانت تعاني من حصار مالي تسبّب في شللها وتعطيل مشاريعها، وأن قانون البلديات نفسه صيغ بطريقة تجعل رئيس البلدية أقرب للموظّف الذي لا يملك أي سلطة حقيقية في بلديته حتى لو انتخبته الأغلبية المطلقة، وأن رؤساء البلديات أنفسهم لم يكونوا يتقاضون مرتباتهم من طرف وزارة الداخلية، حتى أن مناضلي الجبهة الإسلامية كانوا يجمعون من أموالهم ومن الشعب أجور رؤساء البلديات. وأقصى ما كانت تقدمه البلديات لأسواق الرحمة هو الشاحنات والمركبات المتوسطة لنقل المؤونة والسلع أو إصدار الرخص لنشاط هذه الأسواق.

كانت (أسواق الرحمة) رحمة للفقراء والمساكين والبطالين. وكانت أسعار السلع فيها منخفضة حتى كانت أشبه ما تكون بالتبرعات المجانية. وكان العاملون فيها في أغلبهم متطوعين والعاملون منهم يتلقون أجرتهم من مداخيل البيع. وكان الفلاحون والمزارعون يتنافسون في التبرع والصدقات لهذه الأسواق بسخاء وتناقل الجزائريون يومها حكايات أشبه بأحاديث حاتم الطائي.

تسببت أسواق الرحمة في حرج كبير للسلطة التي أوعزت للصحف والجرائد بمهاجمتها والتشكيك فيها. وأظهرت عجز السلطة عن توفير الحدّ الأدنى من الرعاية للطبقات الشعبية الفقيرة. وقد كانت هذه الأسواق مستقلة تماماً عن مؤسسات الدولة وحتى عن تسيير حزب الجبهة الإسلامية المباشر في التفاصيل، ورفعت من أسهم الجبهة في الانتخابات التشريعية التي انقُلب عليها سنة 1992.

إن تجربة أسواق الرحمة كانت أول تجربة يشعر فيها النظام بالحرج من مبادرة خيرية محدودة في الزمان والمكان، لأنه لا يريد مبادرات وجمعيات خارج هيمنته ولا تخدم أهدافه بل ربما تفعل عكس ذلك تماماً.

حدث الانقلاب ومرّت عشر سنوات عجاف من القمع والمجازر والحرب واستفرد النظام بكلّ شيء وكاد العمل الخيري الشعبي أن يتوقف، لولا جهود بُذِلت وكانت محفوفة بالمخاطر أبقت عليه حيّاً في أدنى مستوياته.

ثم جاءت سنة 1999 ووصل معها سيّء الذكر عبدالعزيز بوتفليقة إلى رئاسة الدولة في الجزائر، بتخطيط وتحضير واتفاق بين جنرالات العسكر والمخابرات النافذين يومها، والذين ما كان أحد يجرؤ في الداخل أن يرفض لهم أمراً أو يخالف لهم قراراً.

وكانت أول أعمال بوتفليقة أن يعطي انطباعاً بأن الدولة تتخلّص من العسكرة والتوجّه الأمني الاستئصالي، إلى التوجّه المدني الذي تتبوّأ فيه الجمعيات والنقابات والأحزاب مكانة بارزة ومؤثّرة في الحياة العامّة.

طبعاً لم يكن بوتفليقة يريد من وراء هذا سوى التسويق لانفتاح موهوم وحياة مدنية مزعومة، تكون في خدمة أهدافه في التسلّط والهيمنة والانتقام من أعدائه وتلمّع صورته أمام الإعلام والساسة الغربيين، الذين كان حريصاً أشدّ الحرص على إرضائهم.

حدث إذن بعد عام 2000 أن تأسست مئات الجمعيات الخيرية بين وطني وولائي وبلدي، تعتني بالأيتام والأرامل والفقراء والمرضى والأمّيين، وتغيث الجزائريين في النكبات والكوارث، وترفع عنهم آثار الفاقة في المناسبات مثل رمضان والعيدين ودخول المدارس.

وكان واضحاً أن هذه الجمعيات سدّت نقصاً هائلاً وغياباً شبه كامل للدولة في العناية بهذه الفئات ومرافقتها. كما كان واضحاً أنها لم تكن تحصل من الدولة إلا على الفتات من الدعم المالي بينما كانت الأموال توزّع بسخاء على جمعيات التملّق للرئيس وحاشيته وعلى الفنانين والمهرجانات الفنية والثقافية، زعموا.

ولعل من أبرز ما يمكن ملاحظته أن الغالبية العظمى من هذه الجمعيات كان مؤسسوها ومنتسبوها والناشطون فيها إما الإسلاميين، أو من الشباب والكهول المتدينين والمحافظين الذين لا يُعرف لهم انتساب تنظيمي واضح للتيار الإسلامي.

وقد كان مفهوماً توجّه الإسلاميين شباباً وكهولاً إلى العمل الخيري بقوة، فقد حرمهم النظام من أي مشاركة حقيقية وفعّالة في الشأن العام وهمّشهم وأقصاهم ولم يُبقِ لهم باباً مفتوحاً لخدمة شعبهم والحضور في الميدان إلا من خلال العمل الخيري بتأسيس الجمعيات، التي كان يتحكّم في منحها الاعتماد القانوني ويتعسّف أحياناً كثيرة في ذلك لأوهى الأسباب ويتشدّد في تجديد مكاتبها ومراقبة وثائقها والتدقيق في حساباتها بما لا يفعله إلا نادراً مع الجمعيات الموالية له أو السائرة في ركابه.

كما أن هناك سبباً آخر لتوجّه شباب وكهول الإسلاميين نحو العمل الخيري، وهو أنه كان المجال الأبعد عن المخاطرة ومصادمة النظام، وأن كثيراً جداً منهم كانوا ناقمين على ما آلت إليه أحوال العمل الإسلامي سواء في شقّه الجهادي المسلّح الذي كان ظاهراً أنه انهزم وفُكك، أو في شقّه السياسي الذي كان ظاهراً أيضاً أن النظام استطاع احتواءه وسحبه إلى مربّعه؛ بل والتحالف معه في معادلة غريبة نشاز ما زالت غير مفهومة في كثير من تفاصيلها إلى يوم الناس هذا.

عشرون سنة كاملة مضت من العمل الخيري. مئات الجمعيات التي ما تركت نشاطاً خيرياً إلا أسهمت فيه. آلاف من الشباب المستقيم النزيه المتديّن أو المحافظ الذي يصل ليله بنهاره في جمع الأموال والمساعدات وتوزيعها. أوقات وجهود وموارد ضخمة تُنفَق في هذه الجمعيات. ضغوط وتعقيدات إدارية كبيرة ومثبّطة تتحملها هذه الجمعيات وتصبر عليها وتتعامل معها بخليط من الذكاء والصبر والملاعبة والمداهنة والمهادنة بل والإذلال أحياناً.

وبرغم ذلك كلّه وصل إحسانها وخيرها إلى كل بادية وقرية ومدينة وريف؛ بل إن جمعيات مثل (هيئة الإغاثة) التابعة لجمعية العلماء المسلمين الجزائريين و(الإرشاد والإصلاح) و(جزائر الخير) و(البركة) وغيرها تعدّى نفعها إلى شعوب أخرى، في البوسنة والهرسك وفلسطين وبورما ومخيمات اللاجئين من الصحراء الغربية وغيرها.

ويبقى السؤال الملحّ: ماذا استفادت هذه الجمعيّات بعد بذل كلّ هذه الجهود؟

من يستفيد من هذه الأموال والموارد والنفقات الضخمة؟ الشعب أم السلطة أو هما معًا؟

هل تتعامل السلطة ببراءة وحيادية مع بذل وعطاء وتوسع هذه الجمعيات؟ أم هي توظّفها في مشروعها الكبير وتجعلها ترساً في منظومتها الغالبة المتسلّطة؟

هل تدرك وتعي قيادات هذه الجمعيات أين تنتهي الرسالية في مشروعاتها وأين تبدأ الوظيفية؟ أم ترى ذلك غير مؤثّر ولا مهمّ؟

وأسئلة أخرى كلها متفرّع عن هذه الأسئلة أو مرتبط بها بشكل أو بآخر.

من منطلق إيمانيّ صِرف لا شكّ أن الأجر والثواب مضمون لكلّ من يفعل الخير، ويغيث الملهوف ويحمل الكَلّ ويتعاون على البرّ ويدخل السرور على المسلمين ويقضي عنهم ديونهم ويسعف مرضاهم، إذا صدقت المقاصد وخلصت النيّات.

ومن منطلق اجتماعي لا شكّ أن العمل الخيري يحيي مشاعر التراحم والتكافل، التي هي أحد مرتكزات البناء الاجتماعي للأمة المسلمة.

ومن منطلق أخلاقيّ لا شك أن بذل المال من طرف الأغنياء أو بذل الجهد والتنظيم والإحصاء والتحرّي من طرف الجمعيات، يطهّر الأنفس من الشحّ والتعلّق بالمال ويخلّصها من فردانيتها وانكفائها على ذاتها.

هذه المقاصد الجميلة والغايات النبيلة متحققة كلها في العمل الخيريّ. ويشعر بها ويعيشها من انتدبوا أنفسهم وسخروا جهودهم في هذا الباب لسدّ هذه الثغرات والثغور.

لكن هل يكفي جمال القصد ونبل الغاية وحده في مثل هذه الأوضاع الاستثنائية والشاذّة غير السويّة التي تعيشها شعوب الأمّة المسلمة؟

في أي نهر تصبّ جهود الجمعيات؟

وأيّ مشروع تخدم؟

لا أحد لديه مسكة من عقل ويشعر بالانتماء إلى شعبه وأمته ويدرك روابط الولاء ومقتضياته، يدعو إلى وقف الإحسان أو قبض الأيدي والشحّ بالمال وترك المسلمين يموتون جوعاً وبرداً ومرضاً وتشرداً بلا مأوى؛ بل لعلّ ذلك قد يكون جريمة إيمانية وأخلاقية وإنسانيّة عند تحقق القدرة ووجود الموارد الماديّة والبشريّة.

في وضعٍ لا تأبه فيه الأنظمة ومؤسساتها بمئات الآلاف من الفقراء والمشردين وتجد من الحجج والمبررات الاقتصادية والسياسية والحسابات والإكراهات الحقيقية أو المتوهمة أو الكاذبة، ما يجعل السذّج والطيبين يصدقونها ويلتمسون لها الأعذار ويرجعون باللوم على أنفسهم ويتّهمون عقولهم، بينما يجتهد إعلام الأنظمة وسحرته في التدليس والتلبيس وإخفاء الحقائق وتبرئة المجرمين الحقيقيين.

إن المطلوب هو توجيه هذه الأموال والموارد والجهود والعطاء السخي والبذل الكريم نحو وجهة ترضي الله تعالى، وتحقق مقتضيات الإيمان به والولاء للمؤمنين والبراءة من الظالمين والمجرمين، وترشيدها بحيث تؤدي دورها في إحياء الأمة ونهضتها وخلاصها من الاستبداد والفساد والطغيان وأداء دورها في الشهادة على الأمم.

فكيف تنظر الجمعيات لهذا الأمر؟

وهل تفكّر فيه وتستحضره في تخطيطها ومشروعاتها أصلاً؟

وما التحدّيات التي تنتج عن هذه الغفلة؟

سيكون ذلك موضوع الجزء الثاني من هذه المقالة إن شاء الله تعالى..
‏١٥‏/٠٥‏/٢٠٢٠ ١١:٥١ م‏
رمضان ولجام الشهوات د. صلاح سلطان فك الله أسره ⚫️ حمّل العدد الجديد t.me/klmtuhaq/507 ⚫️ هدية العدد t.me/klmtuhaq/511 ⚫️ الأعداد والهدايا السابقة t.me/klmtuhaq/480 في هذا المقال نورد بعض البرامج المهمة التي أوردها د. صلاح سلطان فك الله أسره والتي تعين على الاستفادة القصوى من شهر رمضان المبارك: يقول فرج الله عنه: "البرنامج الأول: الإخلاص: الإخلاص أن تحول العادة إلى عبادة خالصة لله تعالى؛ فعادة الطعام والشراب، تكون عبادة لله عز وجل، نأكل لله عند الغروب ونمتنع عن الطعام لله عند الفجر ، بعض المسلمين يصومون لأن رمضان أتى، وهيئة الإفتاء أعلنت أن رمضان غدًا، ونحن نصوم مع الناس، لكن الأصل أن نصوم لرب الناس، لما ذكره النبي فيما يرويه عن ربه: "الصوم لي وأنا أجزي به". لا تجعلها عادة أن تصوم لأن كل الأحاديث في البخاري ومسلم "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه"، "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه"، "من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه". كل مرة توجد عبارة "إيمانًا واحتسابُا"، إذن الإخلاص يجعلك لا تصوم عادة وإنما زلفى وقربى وتوسل لله تبارك وتعالى الذي يحبنا، ويعلم أننا نخطئ فيقول لنا أعطيت لكم فرصة الصيام لتعودوا إلى أتقياء أنقياء أصفياء، وليس فقط صفاء من الذنوب وإنما ارتقاء في الحسنات، جبال من الحسنات تنتظرنا إن كان الإخلاص سرًا مدفونًا في قلوبنا يدفعنا إلى العمل لله عز وجل. الإخلاص هذا سر يقذفه الله في قلب من يشاء ممن أحب من عبادة فيجعل العمل القليل جدًا كبيرًا جدًا، أما العمل الكبير بلا إخلاص فلا فائدة منه؛ تخيل أن أول من تسعر بهم النار ليسوا الظلمة، ليسوا الفسقة، ليسوا الزناة، ليسوا أصحاب المخدرات، ليسوا الذين يقتلون الناس بغير الحق، وإنما ثلاثة: رجل أنفق ليقال: جواد، و رجل قاتل ليقال: شجاع ، وعالم عّلم العلم ليقال: عالِم ، هؤلاء المراؤون أول من تسعر بهم النار، كما جاء في الأحاديث الصحيحة. ومن هنا لابد من الإخلاص عنوانا لكل عمل. البرنامج الثاني: الاقتصاد في الطعام والشراب: هذا مِفتاح مهم جدًا لأن من الممكن أن يكون عندك إخلاص ولا تأخذ قراراً بالاقتصاد في السحور والفطور، ومن رحمات الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "السحور أكُله بركة، فلا تدَعوه و لو أن يجرع أحدكم جرعة ماء، فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين". كي نطعم قلوبنا وجبة من الرحمة، من السعادة، من الانشراح، عندما نقوم في السحر نطعم أجسادنا، لكن الله يطعمنا في قلوبنا وفي عقولنا نورًا ورحمة فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين، والأصل أن يستحضر كلٌّ منا هذا المعنى ولا يملأ بطنه عند السحور اعتقادًا بأن اليوم طويل، والعمل كثير، والإجهاد شديد. استعن بالله ولا تعجز، هي مسألة تحتاج إلى عزم وإرادة، وفيك هذه الإرادة أن تقوم عن الطعام قبل أن تشبع، جِرب مرة واستطعم هذه الخفة في جسدك، وستجد أنك صرت نشيطًا إلى صلاة الفجر في المسجد، صرت نشيطًا إذا أفطرت، عجلت الفطر، صليت المغرب ثم أكلت بعد ذلك دون أن تمتلئ، تذهب لصلاة التراويح بخشوع وخضوع لله سبحانه وتعالى، تستلذ معاني القرآن، تستشعر كل آية تقرأ من كتاب الله عز وجل. لكن البطنة تذهب الفطنة، الدم الذي يجب أن يصعد إلى العقل ينزل إلى البطن ليهضم فلا يقوى على قيام ولا على قرآن ولا على شيء، فهذا مفتاح ضروري جدًا تعاهد الله عليه. هناك مسلمون كثر يقولون نحن نصوم ولا نجوع، وهذا من الشره الذي أصابوه قبل الفجر وبعد المغرب؛ المحلات ممتلئة بأنواع جديدة وعديدة ومكسرات وأنواع لا تظهر إلا في رمضان! أقول يا إخواني إن الصيام يجعل الإنسان يحس بآلام الفقراء، آلام الجوعى، آلام المحتاجين، نجوع يومًا فنذكر ربنا، ونشبع يومًا فنشكر ربنا، الذكر والشكر مطلوبان لكن الإنسان يمتلئ ويفخر أنه لا يجوع طوال اليوم. "فمن أكثر من الإفطار بعد صيام طويل كمن بنى قصرًا وهدم مصرًا"، بنى قصراً وهدم بلداً بالكامل، بنيت قصرًا طوال اليوم وتأتي المغرب وترى المائدة مليئة فتهجم، ابدأ بتمرة ، أو شربة ماء أو لبن ، لأن النبي يقول: "من وجد تمراً، فليفطر عليه، ومن لا يجد فليفطر على الماء، فإنه طهور". وهذه مادة سكرية تصل بسرعة إلى العين، وتعطى المخ إشارة بأن السكريات الموجودة في التمر كافية وخالية من الدهون وتذهب إلى العقل، وتعطي إشارة أن الإنسان أخذ قسطاً كبيراً لم يعد جوعاناً كما كان، ثم تصلي المغرب و تعود ، تكون المعدة قد هضمت التمرة مع جرعة الماء ، ويرجى أن يتحقق ما جاء في الحديث "ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله". وليس كهذا الذي يرى أن الحياة شراب وطعام ولهو ومنام فإذا لم تنلها فعلى الدنيا السلام! لا! الله سبحانه وتعالى يقول: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ} [محمد:12] ولسنا كذلك، نحن آدميون ونحن مسلمون لنا صبغة خاصة كما قال ربنا سبحانه وتعالى: {صِبْغَةَ اللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ۖ وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} (البقرة: ١٣٨). البرنامج الثالث: قراءة القرآن: ما كُرم شهر رمضان إلا من أجل القرآن، قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} (البقرة: من الآية ١٨٥)، وروى البيهقي وأحمد والحاكم بسندهم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله قال: "الصيام والقرآن يشفعان للعبد، يقول الصيام: أَيْ رَبِّ منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه، فيُشفعان". لو اقتصدنا في الطعام، نسمع القرآن غضًا طريًا كما أنزل، نذهب إلى البيت ونمسك بالمصحف، أريد من كل أخ وكل أخت أن يمسك القرآن ويعزم أن يختم القرآن مرة في رمضان إذا كنت تقود السيارة إلى عمل في مكان بعيد ضع شريطًا في السيارة واستمع بإنصات: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (الأعراف: ٢٠٤) مهم جدًا أن تختم القرآن في رمضان كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم، كان جبريل يراجعه القرآن في كل عام، لا بد أن نسعى لهذا لأقصى ما نستطيع لأن القرآن حقيقة هذا النور الذي بغيره لا نستطيع إلا أن نكون أشقياء لقوله تعالى: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ ۖ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} (الأنعام: ٢٦ ). وقد كان أحد الصحابة يقول: لي ختمة كل أسبوع، وختمة كل شهر، وختمة كل سنة، وختمة بدأتها منذ عشرين عامًا لم أنتهِ منها إلى الآن. اليوم أريد من كل أخ وهو يقرأ ورده القرآني بالليل أو بعد الفجر أن يلتقط آية انفعلت بها مشاعره، ونبض لها قلبه، والتفت إليها عقله، يرددها طوال اليوم، يعيش معها، ستصنعه من جديد، ستغير كثيرًا جدًا من العادات المركوزة في النفس. ستنقل الإنسان من الانشغال بأشياء تافهة حقيرة، إلى معالي الأمور، "إن الله جميل يحب الجمال، ويحب معالي الأمور، ويكره سفاسفها". أريد أن نرتاد مقارئ القرآن بالمساجد، ونتعلم الترتيل {ورتِّلِ الُْقرآن َترتِيًلا} [المزمل:4]، {...وأُمِرت أَن أَكون مِن الْمسلِمِين* وأَن أَتُْلوَ القُرآن...}[النمل:91-92]، والتلاوة قراءة بنغم حتى تمتع العينين والقلب والعقل والوجدان فيتحول القرآن إلى جزء من كيانك، من حياتك، لا تستطيع أن تأكل يوماً ثم تهجر القرآن، لا تستطيع أن تمتد بك الأيام دون أن تختم القرآن من أوله إلى آخره، حالاً على أوله مرتحلًا إلى آخره، قراءة أواستماعاً أو هما معًا، ثم تدبر بالعقل، وتأثر بالقلب وتغير بالنفس في رمضان شهر القرآن. البرنامج الرابع: القيام: لا تعط موعدًا وقت صلاة التراويح، حرره لله تعالى، واجعل موعدك مع الله في القيام في رمضان موعدًا ثابتًا، هل هناك أحد عنده امتحان يعطي موعدًا في وقت الامتحان؟ لم يحدث أن أحدًا عنده مقابلة مع شخص مسئول وأعطى موعداً آخر في نفس الوقت. نحن في موعد مع الله كل صلاة، وبخاصة صلاة القيام؛ لأن هناك أحاديث خاصة في الصحيحين: "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر". تخيل لو صلينا ٣٠ ركعة كل يوم، ١٧ فريضة، و١٣ ركعة نافلة في شهر من الشهور العادية تأخذ ثواب ٣٠٠ ركعة، إلا في شهر رمضان تضاعف سبعين ضعفًا، هذا كم هائل من الحسنات يفوتنا لو تركنا التراويح! قل لي يا أخي: هل جلوسك أمام التلفاز أو جلوسك مع الأصحاب أو في المقاهي أو في السيارات أو في غيرها يمكنك أن تنال مثل هذا الأجر الوفير الكثير؟ يا أخي الكريم أوقف حياتك في هذه الأوقات لله تعالى، وإذا كنت مشغولاً وقت صلاة التراويح صلِها في البيت مع الأهل، أو صلها وحدك لكن لا تتركها تفوتك أبدًا، فهي غنيمة باردة غنيمة كبيرة تصنع في الفؤاد قوة هائلة جدًا" .
رمضان ولجام الشهوات

د. صلاح سلطان
فك الله أسره

⚫️ حمّل العدد الجديد t.me/klmtuhaq/507
⚫️ هدية العدد
t.me/klmtuhaq/511
⚫️ الأعداد والهدايا السابقة
t.me/klmtuhaq/480

في هذا المقال نورد بعض البرامج المهمة التي أوردها د. صلاح سلطان فك الله أسره والتي تعين على الاستفادة القصوى من شهر رمضان المبارك:

يقول فرج الله عنه:

"البرنامج الأول: الإخلاص:

الإخلاص أن تحول العادة إلى عبادة خالصة لله تعالى؛ فعادة الطعام والشراب، تكون عبادة لله عز وجل، نأكل لله عند الغروب ونمتنع عن الطعام لله عند الفجر ، بعض المسلمين يصومون لأن رمضان أتى، وهيئة الإفتاء أعلنت أن رمضان غدًا، ونحن نصوم مع الناس، لكن الأصل أن نصوم لرب الناس، لما ذكره النبي فيما يرويه عن ربه: "الصوم لي وأنا أجزي به".

لا تجعلها عادة أن تصوم لأن كل الأحاديث في البخاري ومسلم "من صام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه"، "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه"، "من قام ليلة القدر إيمانًا واحتسابًا غفر له ما تقدم من ذنبه". كل مرة توجد عبارة "إيمانًا واحتسابُا"، إذن الإخلاص يجعلك لا تصوم عادة وإنما زلفى وقربى وتوسل لله تبارك وتعالى الذي يحبنا، ويعلم أننا نخطئ فيقول لنا أعطيت لكم فرصة الصيام لتعودوا إلى أتقياء أنقياء أصفياء، وليس فقط صفاء من الذنوب وإنما ارتقاء في الحسنات، جبال من الحسنات تنتظرنا إن كان الإخلاص سرًا مدفونًا في قلوبنا يدفعنا إلى العمل لله عز وجل.

الإخلاص هذا سر يقذفه الله في قلب من يشاء ممن أحب من عبادة فيجعل العمل القليل جدًا كبيرًا جدًا، أما العمل الكبير بلا إخلاص فلا فائدة منه؛ تخيل أن أول من تسعر بهم النار ليسوا الظلمة، ليسوا الفسقة، ليسوا الزناة، ليسوا أصحاب المخدرات، ليسوا الذين يقتلون الناس بغير الحق، وإنما ثلاثة: رجل أنفق ليقال: جواد، و رجل قاتل ليقال: شجاع ، وعالم عّلم العلم ليقال: عالِم ، هؤلاء المراؤون أول من تسعر بهم النار، كما جاء في الأحاديث الصحيحة.
ومن هنا لابد من الإخلاص عنوانا لكل عمل.

البرنامج الثاني: الاقتصاد في الطعام والشراب:

هذا مِفتاح مهم جدًا لأن من الممكن أن يكون عندك إخلاص ولا تأخذ قراراً بالاقتصاد في السحور والفطور، ومن رحمات الله أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "السحور أكُله بركة، فلا تدَعوه و لو أن يجرع أحدكم جرعة ماء، فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين".

كي نطعم قلوبنا وجبة من الرحمة، من السعادة، من الانشراح، عندما نقوم في السحر نطعم أجسادنا، لكن الله يطعمنا في قلوبنا وفي عقولنا نورًا ورحمة فإن الله وملائكته يصلون على المتسحرين، والأصل أن يستحضر كلٌّ منا هذا المعنى ولا يملأ بطنه عند السحور اعتقادًا بأن اليوم طويل، والعمل كثير، والإجهاد شديد.

استعن بالله ولا تعجز، هي مسألة تحتاج إلى عزم وإرادة، وفيك هذه الإرادة أن تقوم عن الطعام قبل أن تشبع، جِرب مرة واستطعم هذه الخفة في جسدك، وستجد أنك صرت نشيطًا إلى صلاة الفجر في المسجد، صرت نشيطًا إذا أفطرت، عجلت الفطر، صليت المغرب ثم أكلت بعد ذلك دون أن تمتلئ، تذهب لصلاة التراويح بخشوع وخضوع لله سبحانه وتعالى، تستلذ معاني القرآن، تستشعر كل آية تقرأ من كتاب الله عز وجل. لكن البطنة تذهب الفطنة، الدم الذي يجب أن يصعد إلى العقل ينزل إلى البطن ليهضم فلا يقوى على قيام ولا على قرآن ولا على شيء، فهذا مفتاح ضروري جدًا تعاهد الله عليه.

هناك مسلمون كثر يقولون نحن نصوم ولا نجوع، وهذا من الشره الذي أصابوه قبل الفجر وبعد المغرب؛ المحلات ممتلئة بأنواع جديدة وعديدة ومكسرات وأنواع لا تظهر إلا في رمضان! أقول يا إخواني إن الصيام يجعل الإنسان يحس بآلام الفقراء، آلام الجوعى، آلام المحتاجين، نجوع يومًا فنذكر ربنا، ونشبع يومًا فنشكر ربنا، الذكر والشكر مطلوبان لكن الإنسان يمتلئ ويفخر أنه لا يجوع طوال اليوم.

"فمن أكثر من الإفطار بعد صيام طويل كمن بنى قصرًا وهدم مصرًا"، بنى قصراً وهدم بلداً بالكامل، بنيت قصرًا طوال اليوم وتأتي المغرب وترى المائدة مليئة فتهجم، ابدأ بتمرة ، أو شربة ماء أو لبن ، لأن النبي يقول: "من وجد تمراً، فليفطر عليه، ومن لا يجد فليفطر على الماء، فإنه طهور". وهذه مادة سكرية تصل بسرعة إلى العين، وتعطى المخ إشارة بأن السكريات الموجودة في التمر كافية وخالية من الدهون وتذهب إلى العقل، وتعطي إشارة أن الإنسان أخذ قسطاً كبيراً لم يعد جوعاناً كما كان، ثم تصلي المغرب و تعود ، تكون المعدة قد هضمت التمرة مع جرعة الماء ، ويرجى أن يتحقق ما جاء في الحديث "ذهب الظمأ وابتلت العروق وثبت الأجر إن شاء الله".

وليس كهذا الذي يرى أن الحياة شراب وطعام ولهو ومنام فإذا لم تنلها فعلى الدنيا السلام! لا! الله سبحانه وتعالى يقول: {وَالَّذِينَ كَفَرُوا يَتَمَتَّعُونَ وَيَأْكُلُونَ كَمَا تَأْكُلُ الْأَنْعَامُ وَالنَّارُ مَثْوًى لَّهُمْ} [محمد:12] ولسنا كذلك، نحن آدميون ونحن مسلمون لنا صبغة خاصة كما قال ربنا سبحانه وتعالى: {صِبْغَةَ اللَّهِ ۖ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ صِبْغَةً ۖ وَنَحْنُ لَهُ عَابِدُونَ} (البقرة: ١٣٨).

البرنامج الثالث: قراءة القرآن:

ما كُرم شهر رمضان إلا من أجل القرآن، قال تعالى: {شَهْرُ رَمَضَانَ الَّذِي أُنزِلَ فِيهِ الْقُرْآنُ} (البقرة: من الآية ١٨٥)، وروى البيهقي وأحمد والحاكم بسندهم عن عبد الله بن عمرو رضي الله عنهما أن رسول الله قال: "الصيام والقرآن يشفعان للعبد، يقول الصيام: أَيْ رَبِّ منعته الطعام والشهوات بالنهار فشفعني فيه، ويقول القرآن: منعته النوم بالليل فشفعني فيه، فيُشفعان".

لو اقتصدنا في الطعام، نسمع القرآن غضًا طريًا كما أنزل، نذهب إلى البيت ونمسك بالمصحف، أريد من كل أخ وكل أخت أن يمسك القرآن ويعزم أن يختم القرآن مرة في رمضان إذا كنت تقود السيارة إلى عمل في مكان بعيد ضع شريطًا في السيارة واستمع بإنصات: {وَإِذَا قُرِئَ الْقُرْآنُ فَاسْتَمِعُوا لَهُ وَأَنصِتُوا لَعَلَّكُمْ تُرْحَمُونَ} (الأعراف: ٢٠٤)

مهم جدًا أن تختم القرآن في رمضان كما كان يفعل النبي صلى الله عليه وسلم، كان جبريل يراجعه القرآن في كل عام، لا بد أن نسعى لهذا لأقصى ما نستطيع لأن القرآن حقيقة هذا النور الذي بغيره لا نستطيع إلا أن نكون أشقياء لقوله تعالى: {وَهُمْ يَنْهَوْنَ عَنْهُ وَيَنْأَوْنَ عَنْهُ ۖ وَإِن يُهْلِكُونَ إِلَّا أَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ} (الأنعام: ٢٦ ).

وقد كان أحد الصحابة يقول: لي ختمة كل أسبوع، وختمة كل شهر، وختمة كل سنة، وختمة بدأتها منذ عشرين عامًا لم أنتهِ منها إلى الآن. اليوم أريد من كل أخ وهو يقرأ ورده القرآني بالليل أو بعد الفجر أن يلتقط آية انفعلت بها مشاعره، ونبض لها قلبه، والتفت إليها عقله، يرددها طوال اليوم، يعيش معها، ستصنعه من جديد، ستغير كثيرًا جدًا من العادات المركوزة في النفس. ستنقل الإنسان من الانشغال بأشياء تافهة حقيرة، إلى معالي الأمور، "إن الله جميل يحب الجمال، ويحب معالي الأمور، ويكره سفاسفها".

أريد أن نرتاد مقارئ القرآن بالمساجد، ونتعلم الترتيل {ورتِّلِ الُْقرآن َترتِيًلا} [المزمل:4]، {...وأُمِرت أَن أَكون مِن الْمسلِمِين* وأَن أَتُْلوَ القُرآن...}[النمل:91-92]، والتلاوة قراءة بنغم حتى تمتع العينين والقلب والعقل والوجدان فيتحول القرآن إلى جزء من كيانك، من حياتك، لا تستطيع أن تأكل يوماً ثم تهجر القرآن، لا تستطيع أن تمتد بك الأيام دون أن تختم القرآن من أوله إلى آخره، حالاً على أوله مرتحلًا إلى آخره، قراءة أواستماعاً أو هما معًا، ثم تدبر بالعقل، وتأثر بالقلب وتغير بالنفس في رمضان شهر القرآن.

البرنامج الرابع: القيام:

لا تعط موعدًا وقت صلاة التراويح، حرره لله تعالى، واجعل موعدك مع الله في القيام في رمضان موعدًا ثابتًا، هل هناك أحد عنده امتحان يعطي موعدًا في وقت الامتحان؟ لم يحدث أن أحدًا عنده مقابلة مع شخص مسئول وأعطى موعداً آخر في نفس الوقت.

نحن في موعد مع الله كل صلاة، وبخاصة صلاة القيام؛ لأن هناك أحاديث خاصة في الصحيحين: "من قام رمضان إيمانًا واحتسابًا غُفر له ما تقدم من ذنبه وما تأخر".

تخيل لو صلينا ٣٠ ركعة كل يوم، ١٧ فريضة، و١٣ ركعة نافلة في شهر من الشهور العادية تأخذ ثواب ٣٠٠ ركعة، إلا في شهر رمضان تضاعف سبعين ضعفًا، هذا كم هائل من الحسنات يفوتنا لو تركنا التراويح!

قل لي يا أخي: هل جلوسك أمام التلفاز أو جلوسك مع الأصحاب أو في المقاهي أو في السيارات أو في غيرها يمكنك أن تنال مثل هذا الأجر الوفير الكثير؟ يا أخي الكريم أوقف حياتك في هذه الأوقات لله تعالى، وإذا كنت مشغولاً وقت صلاة التراويح صلِها في البيت مع الأهل، أو صلها وحدك لكن لا تتركها تفوتك أبدًا، فهي غنيمة باردة غنيمة كبيرة تصنع في الفؤاد قوة هائلة جدًا" .
‏١٣‏/٠٥‏/٢٠٢٠ ١٠:٠٢ م‏
من تراث الأزهر رمضان بين تقاليد الماضي وهزائم الحاضر للشيخ محمد الغزالي رحمه الله ⚫️ حمّل العدد الجديد t.me/klmtuhaq/507 ⚫️ هدية العدد t.me/klmtuhaq/511 ⚫️ الأعداد والهدايا السابقة t.me/klmtuhaq/480 للجسد الإنساني وقوده الذي يحيا به ويتحرك، ويستحيل حرمان هذا الجسد من مصادر وجوده ونمائه وتنقله هنا وهناك! التجويع التام يقتله، والحرمان من عناصر رئيسية يثير الاعتلال في كيانه، ويفرض عليه الذبول واللغوب. ولم يجئ في شرع الله تكليف من هذا النوع المحرج، بل جاء في السنة استعاذة النبي صلى الله عليه وسلم من هذا البلاء: ((أعوذ بك من الكفر والفقر، وأعوذ بك من عذاب القبر، لا إله إلا أنت)). لكن الواجدين من الناس عندما يطعمون لا يكتفون بتناول الغذاء المطلوب لأبدانهم، بل يلتهمون مقادير أكبر.. كلٌّ على قدر نهمته وطاقته!! ونحن نفتنُّ في تزويد أنفسنا بأزيد من حاجتها، والرغبات تمتدُّ مع التلبية المستمرة، وتألف ما اعتادت، وتطلبه إن فاتها !! وهذا الجسد قادر على اكتناز ما يفرض عليه إما بدانة مفرطة، أو قبولاً لما يشحن به، ثم عملا صوريًّا فيه، ثم خلاصا معنتاً منه!! وهو الخاسر في هذا الجهد الضائع، والحياة العاقلة من حوله تقول: لو كان هذا نصيب معدة فارغة لكان خيرا له ولها، ولكان أسعد وأرشد، وقديما قيل: والنفس طامعة إذا أطمعتها وإذا ترد إلى قليل تقنع!! لعل فريضة الصيام تذكرنا بهذه الحقيقة النفسية التائهة، لكن هناك شيء آخر يجيء رمضان ليذكرنا به نحن- العرب والمسلمين- في أقطار الأرض كلِّها. نعم، إذا كانت شهية بعض الناس مفتوحة للمزيد من ملذات الدنيا، فما أحرى المنهزمين بأن تنكمش أيديهم، وتغصَّ حلوقهم، وإذا كان أهل الأديان كلها يمرحون ويهشون، فما أحرى بني الإسلام بالصيام عن فنون المتع وألوان السرور. ذلك أنَّ المرحلة التي يمرون بها لا تتحمل من ذلك قليلًا ولا كثيرًا.. في أعقاب المتاعب التي تصيب الأمم، وتنتظم آلامها الأفراد والجماعات، يحدث تغير شامل في السلوك القومي العام، ويزهد الصغار والكبار في فنون من المتع كانوا من قبل يألفونها، وأنواع من المرح طالما ابتهجوا أيام السلام بها. وهذه عادة عربية قديمة، كان أسلافنا الأوائل إذا نال منهم عدو أو حل بهم مكروه، هجروا تقاليد السرف والترف، وصدوا عن أسباب اللهو والمجون، وما يسمح أحدهم لنفسه بسرور غامر، وضحك عال إلا إذا نال ثأره، أو استردَّ ما فقده، أو أوقع بخصمه مثل ما نزل به، فإذا تمَّ له ما يبغى قال وهو مستريح: فَسَاغَ لِيَ الشَّرَابُ وَكُنْتُ قَبْلاً أكَادُ أغَصُّ بالماءِ الفُراتِ وقد نزل أبو سفيان، وجمهور أهل مكة على هذه العادة بعد هزيمتهم في معركة بدر، فحلف أبو سفيان أن يحرم نفسه شتى الملذات حتى يدرك ثأره من محمد... إنَّ الأثر النفسي العظيم لفريضة الصيام هو تدريب المؤمن على ضبط نفسه، وإحكام أمره وتقييد شهواته، فهو إذ يترك بعض الأعمال المباحة يتمرَّن على ترك جميع الأعمال المحظورة، أو التي تفرض ظروف المروءة وأعباء الكفاح أن يتركها، وقديما قال رجل عزيز صلب: يَقُولُونَ هَذَا مَوْرِدٌ قُلْتُ قَدْ أَرَى ولكنَّ نَفْسَ الْحُرِّ تحتمِلُ الظَّمَا !! ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحب طاقة كبيرة على الحياة مهما تباينت ظروفها، واختلف عليها العسر واليسر، والانكسار والانتصار، ولقد علَّم أصحابه أنَّ الاستسلام للشهوات المادية، والحرص على نمط معين من الملذات سقوط بالهمة، وخور في العزيمة، واسترخاء مع الشيطان. قال عليه الصلاة والسلام ... (( إنَّما أخشَى عليكم شهَواتِ الغَيِّ في بطونِكم وفروجِكم ومُضلَّاتِ الهوَى)) ... وقال- يصف عشاق الليونة والرخاوة والمظاهر الجوفاء- (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميصة). والقطيفة والخميصة أنواع من الأقمشة الملبوسة والمفروشة، تمتاز بالفخامة والنعومة، يحرص عليها طلاب الراحة وعبيد المثل الدنيا لا المثل العليا. ويظهر أنَّ بعض المسلمين لا يستفيدون من صيامهم هذه الآثار النفسية والاجتماعية التي تعين على خلق شعوب مجاهدة تتحمل متاعب الحصار الاقتصادي والعسكري، وأنهم حريصون في جوانب كثيرة من حياتهم على تقاليد اليسار والسعة والتشبث بما ألفوه أيام السلام والسلامة! وما نفكر في تحريم مباح، ولا في زجر الناس عن طيبات أُحلَّت لهم، ولكنا نفكر في مواجهة العدو المتربص وضرورة وعي الأساس الأوحد للقائه، وهو أنَّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم.. عندما أعلن غاندي المقاطعة السلبية، وحمل شعبه على الرضا بخيوط المغزل الهندي، وهجر الإنتاج الرائع لمصانع إنجلترا ونسيجها الرقيق الجيد- كان ذلك (الصيام) بداية التحرر ونهاية الاستعمار، ولذلك يقول الشاعر العربي رشيد سليم الخوري: لَقد صامَ هِنْدِيٌّ فَجَوَّعَ دَوْلَةً فهَلْ ضارَ عِلْجاً صَوْمُ مِلْيون مُسْلِمِ إنني ألفت أنظار قومي إلى أننا أمام جهاد شاق المراحل، ثقيل التكاليف، وأنَّ النجاح فيه يتطلب من الآن نظرة عابسة، ورفضًا لصنوف المباهج!! ترى هل أستطيع أن أقترح إلغاء أفراح الأعياد؟ والاكتفاء بشعائرها الدينية الرصينة وحسب؟ إنَّ ولع العرب الشديد باللهو واللعب منتهٍ بهم بتة إلى التلاشي، ودلالته واضحة على موت القلوب وقبول الدنايا، وعشق الدنيا وكراهية الموت.. إنَّ عبادة الحياة، وتكريس القوة والوقت لها وحدها، علة قديمة بين الناس، وهي العلة التي أرخصت القيم الرفيعة، وألهبت الغرائز الوضيعة، وصرفت القصد عن الله، وعلَّقت الهمة بالحاضر القريب، ونسيت ما عداه!! في المجتمعات التي فتكت بها هذه العلة يقول جلَّ شأنه: {إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا} [الإنسان: 27] ويقول: {فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى} [النجم: 29، 30]. ومظاهر هذه العلة معروفة في انتهاب اللذات من غير شبع، والبحث عنها دون اكتراث بحل أو حرمة، واعتبار الوجود الأرضي هو الإطار الأوحد للحس والإدراك. فإن فات فليس عنه عوض، وإن أقبل فيجب التفاني فيه، وارتشافه حتى الثمالة! إنَّه لا شيء بعده يرتقب!! وأحسب أنَّه في هؤلاء يقول جلَّ شأنه وهو يذيقهم عذابه: {ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِين} [غافر: 75، 76]. والمدنية الحديثة قد ضاعفت لأبنائها الفرص لعبادة الحياة والعبِّ منها دون ارتواء، وذلك أنَّ الشهوة تُغري بالشهوة كما أشرنا آنفًا، والرغبات الإنسانية قد يضرُّ بها القرب، ولا يزيدها الظفر إلا اشتعالًا ... والأديان في أوربا وأمريكا عجزت عجزًا تامًّا عن علاج هذا السعار لقصورها الذاتي أولًا، ولاشتغالها مع ذلك بمحاربة الإسلام بدل أن تتعاون معه على فعل شيء ما يحفظ على الإنسانية مستقبلها المتداعي.. والغريب أن المسلمين نافسوا غيرهم في التهاوى على هذه المتع، والتشبع منها جهد المستطاع. قد تقول: وما الغرابة في ذلك؟ أليسوا بشرًا كالبشر؟ وأجيب: إنني لا أنكر على المسلمين – خاصة – أن يشاركوا الأوروبيين والأمريكيين في ألوان المتاع التي اخترعوها. إنني قد أفهم أن يعود رواد الفضاء من رحلة مضنية ليلتمسوا بعض النزه البريئة أو المريبة في ليل أو نهار. أما الذين يتسكعون بين دورهم وأجران القمح والأرز، أو الذين يتركون خيامهم على مدى سهم في مراعيهم الساذجة، أو الذين يركبون سيارتهم ليجلسوا في الدواوين محسودين لا مجهودين .. أو .. أو فما لهؤلاء والبحث عن اللذات المخترعة في الشرق أو الغرب؟ إنَّ بعض الناس يذهب إلى العواصم العالمية المرموقة، ثم يعود ليتحدث عن لياليها الصاخبة!! فهلا تحدث عن أيامها الجادة، وعن العرق المتصبب من أجساد الكادحين للصغار والكبار على سواء؟؟ إنَّ المهندس هناك قد يغبر وجهه وملبسة كله طوال النهار، ثم ينطلق بعد ذلك ليستجم وفق ما يفهم ويعتاد. ويوجد عندنا من يقلده في الانطلاق الأخير، ولا يتأسى به قيد أنملة في الكفاح الذي سبقه!! أيُّ بلاء أصاب العرب والمسلمين حتى عموا عما يجب أن يرى، وحملقوا عيونهم فيما يجب أن تغضَّ عنه، وتسترخي بإزائه؟ إنهم لو فقهوا سرَّ الصيام وسرَّ الحياة العفيفة المبنية عليه لكان لهم موقف آخر.. بل لو أنهم أدركوا ما كانوا عليه، وما صاروا إليه، وما تبيته القوى المتربصة بهم، لكان لهم قبل الصيام صيام، وقبل القيام سهر يطير معه المنام!! من سنين طوال ورمضان يستقبله العرب والمسلمون بطريقة رتيبة: روايات أقلُّها جاد وأكثرها هازل، تعرضها الإذاعات المسموعة والمرئية. أغانٍ بعضها ديني، والآخر لا دين له تشنِّف الآذان. فكاهات تخلق الأجواء الضاحكة وتسلي الجماهير التائهة. مواعظ تقليدية ممجوجة يفرُّ أغلب الناس من سماعها، أو كتابات إسلامية في موضوعات مختارة عن عمد لتخدير الفكر، وتفتير الهمم. صور جميلة أو دميمة للمساجد والآثار الإسلامية.. أحفال باهتة جرى رسمها وإخراجها بحيث تنعدم فيها الروح ويضعف التأثير. إنَّ أعداء الإسلام لا يطلبون من أمَّة الإسلام أن تفعل بنفسها أكثر من ذلك. لما مات أبو امرئ القيس الخليع الضليل، قال هذا الشاعر يصف ما سيفعل: اليوم خمر وغدًا أمر! لقد جعل لسكره حدًّا ينتهي عنده، إنه اليوم وحسب. وما امرؤ القيس وهو يجاهد لاستعادة مجده، ويقول لصاحبه يسليه عن هموم الكفاح ومشقات الضرب في الأرض: فقلتُ لَهُ لا تبكِ عينُكَ إنَّما ... نُحاول مُلكاً أو نموتُ فنُعذرا !! لكن جمهرة كبيرة من شباب العرب لا يزالون يقولون: اليوم خمر وغدًا خمر.. فمتى الصحو؟ ألا يستحق المسجد الأقصى وقفة تدبر واستعبار، يتلاوم فيها المفرطون ثم يغضبون لله غضبة تمحو العار، وتدرك الثأر؟! * ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ * الشيخ محمد الغزالي، رمضان بين تقاليد الماضي وهزائم الحاضر، مجلة الوعي الإسلامي، السنة الثامنة، عدد93، رمضان 1392، الموافق 8 أكتوبر 1972م.
من تراث الأزهر

رمضان بين تقاليد الماضي وهزائم الحاضر

للشيخ محمد الغزالي رحمه الله


⚫️ حمّل العدد الجديد t.me/klmtuhaq/507

⚫️ هدية العدد
t.me/klmtuhaq/511

⚫️ الأعداد والهدايا السابقة
t.me/klmtuhaq/480

للجسد الإنساني وقوده الذي يحيا به ويتحرك، ويستحيل حرمان هذا الجسد من مصادر وجوده ونمائه وتنقله هنا وهناك!

التجويع التام يقتله، والحرمان من عناصر رئيسية يثير الاعتلال في كيانه، ويفرض عليه الذبول واللغوب.

ولم يجئ في شرع الله تكليف من هذا النوع المحرج، بل جاء في السنة استعاذة النبي صلى الله عليه وسلم من هذا البلاء: ((أعوذ بك من الكفر والفقر، وأعوذ بك من عذاب القبر، لا إله إلا أنت)).

لكن الواجدين من الناس عندما يطعمون لا يكتفون بتناول الغذاء المطلوب لأبدانهم، بل يلتهمون مقادير أكبر.. كلٌّ على قدر نهمته وطاقته!! ونحن نفتنُّ في تزويد أنفسنا بأزيد من حاجتها، والرغبات تمتدُّ مع التلبية المستمرة، وتألف ما اعتادت، وتطلبه إن فاتها !!

وهذا الجسد قادر على اكتناز ما يفرض عليه إما بدانة مفرطة، أو قبولاً لما يشحن به، ثم عملا صوريًّا فيه، ثم خلاصا معنتاً منه!! وهو الخاسر في هذا الجهد الضائع، والحياة العاقلة من حوله تقول: لو كان هذا نصيب معدة فارغة لكان خيرا له ولها، ولكان أسعد وأرشد، وقديما قيل:

والنفس طامعة إذا أطمعتها وإذا ترد إلى قليل تقنع!!

لعل فريضة الصيام تذكرنا بهذه الحقيقة النفسية التائهة، لكن هناك شيء آخر يجيء رمضان ليذكرنا به نحن- العرب والمسلمين- في أقطار الأرض كلِّها.

نعم، إذا كانت شهية بعض الناس مفتوحة للمزيد من ملذات الدنيا، فما أحرى المنهزمين بأن تنكمش أيديهم، وتغصَّ حلوقهم، وإذا كان أهل الأديان كلها يمرحون ويهشون، فما أحرى بني الإسلام بالصيام عن فنون المتع وألوان السرور.

ذلك أنَّ المرحلة التي يمرون بها لا تتحمل من ذلك قليلًا ولا كثيرًا.. في أعقاب المتاعب التي تصيب الأمم، وتنتظم آلامها الأفراد والجماعات، يحدث تغير شامل في السلوك القومي العام، ويزهد الصغار والكبار في فنون من المتع كانوا من قبل يألفونها، وأنواع من المرح طالما ابتهجوا أيام السلام بها.

وهذه عادة عربية قديمة، كان أسلافنا الأوائل إذا نال منهم عدو أو حل بهم مكروه، هجروا تقاليد السرف والترف، وصدوا عن أسباب اللهو والمجون، وما يسمح أحدهم لنفسه بسرور غامر، وضحك عال إلا إذا نال ثأره، أو استردَّ ما فقده، أو أوقع بخصمه مثل ما نزل به، فإذا تمَّ له ما يبغى قال وهو مستريح:

فَسَاغَ لِيَ الشَّرَابُ وَكُنْتُ قَبْلاً أكَادُ أغَصُّ بالماءِ الفُراتِ

وقد نزل أبو سفيان، وجمهور أهل مكة على هذه العادة بعد هزيمتهم في معركة بدر، فحلف أبو سفيان أن يحرم نفسه شتى الملذات حتى يدرك ثأره من محمد...

إنَّ الأثر النفسي العظيم لفريضة الصيام هو تدريب المؤمن على ضبط نفسه، وإحكام أمره وتقييد شهواته، فهو إذ يترك بعض الأعمال المباحة يتمرَّن على ترك جميع الأعمال المحظورة، أو التي تفرض ظروف المروءة وأعباء الكفاح أن يتركها، وقديما قال رجل عزيز صلب:

يَقُولُونَ هَذَا مَوْرِدٌ قُلْتُ قَدْ أَرَى ولكنَّ نَفْسَ الْحُرِّ تحتمِلُ الظَّمَا !!

ولقد كان رسول الله صلى الله عليه وسلم صاحب طاقة كبيرة على الحياة مهما تباينت ظروفها، واختلف عليها العسر واليسر، والانكسار والانتصار، ولقد علَّم أصحابه أنَّ الاستسلام للشهوات المادية، والحرص على نمط معين من الملذات سقوط بالهمة، وخور في العزيمة، واسترخاء مع الشيطان.

قال عليه الصلاة والسلام ... (( إنَّما أخشَى عليكم شهَواتِ الغَيِّ في بطونِكم وفروجِكم ومُضلَّاتِ الهوَى)) ... وقال- يصف عشاق الليونة والرخاوة والمظاهر الجوفاء- (تعس عبد الدينار، تعس عبد الدرهم، تعس عبد القطيفة، تعس عبد الخميصة). والقطيفة والخميصة أنواع من الأقمشة الملبوسة والمفروشة، تمتاز بالفخامة والنعومة، يحرص عليها طلاب الراحة وعبيد المثل الدنيا لا المثل العليا.

ويظهر أنَّ بعض المسلمين لا يستفيدون من صيامهم هذه الآثار النفسية والاجتماعية التي تعين على خلق شعوب مجاهدة تتحمل متاعب الحصار الاقتصادي والعسكري، وأنهم حريصون في جوانب كثيرة من حياتهم على تقاليد اليسار والسعة والتشبث بما ألفوه أيام السلام والسلامة!

وما نفكر في تحريم مباح، ولا في زجر الناس عن طيبات أُحلَّت لهم، ولكنا نفكر في مواجهة العدو المتربص وضرورة وعي الأساس الأوحد للقائه، وهو أنَّ الله اشترى من المؤمنين أنفسهم وأموالهم.. عندما أعلن غاندي المقاطعة السلبية، وحمل شعبه على الرضا بخيوط المغزل الهندي، وهجر الإنتاج الرائع لمصانع إنجلترا ونسيجها الرقيق الجيد- كان ذلك (الصيام) بداية التحرر ونهاية الاستعمار، ولذلك يقول الشاعر العربي رشيد سليم الخوري:

لَقد صامَ هِنْدِيٌّ فَجَوَّعَ دَوْلَةً فهَلْ ضارَ عِلْجاً صَوْمُ مِلْيون مُسْلِمِ

إنني ألفت أنظار قومي إلى أننا أمام جهاد شاق المراحل، ثقيل التكاليف، وأنَّ النجاح فيه يتطلب من الآن نظرة عابسة، ورفضًا لصنوف المباهج!!

ترى هل أستطيع أن أقترح إلغاء أفراح الأعياد؟ والاكتفاء بشعائرها الدينية الرصينة وحسب؟

إنَّ ولع العرب الشديد باللهو واللعب منتهٍ بهم بتة إلى التلاشي، ودلالته واضحة على موت القلوب وقبول الدنايا، وعشق الدنيا وكراهية الموت..

إنَّ عبادة الحياة، وتكريس القوة والوقت لها وحدها، علة قديمة بين الناس، وهي العلة التي أرخصت القيم الرفيعة، وألهبت الغرائز الوضيعة، وصرفت القصد عن الله، وعلَّقت الهمة بالحاضر القريب، ونسيت ما عداه!!

في المجتمعات التي فتكت بها هذه العلة يقول جلَّ شأنه: {إِنَّ هَؤُلَاءِ يُحِبُّونَ الْعَاجِلَةَ وَيَذَرُونَ وَرَاءَهُمْ يَوْمًا ثَقِيلًا} [الإنسان: 27] ويقول: {فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا ذَلِكَ مَبْلَغُهُمْ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِمَنِ اهْتَدَى} [النجم: 29، 30].

ومظاهر هذه العلة معروفة في انتهاب اللذات من غير شبع، والبحث عنها دون اكتراث بحل أو حرمة، واعتبار الوجود الأرضي هو الإطار الأوحد للحس والإدراك.

فإن فات فليس عنه عوض، وإن أقبل فيجب التفاني فيه، وارتشافه حتى الثمالة! إنَّه لا شيء بعده يرتقب!!

وأحسب أنَّه في هؤلاء يقول جلَّ شأنه وهو يذيقهم عذابه: {ذَلِكُمْ بِمَا كُنْتُمْ تَفْرَحُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ وَبِمَا كُنْتُمْ تَمْرَحُونَ ادْخُلُوا أَبْوَابَ جَهَنَّمَ خَالِدِينَ فِيهَا فَبِئْسَ مَثْوَى الْمُتَكَبِّرِين} [غافر: 75، 76].

والمدنية الحديثة قد ضاعفت لأبنائها الفرص لعبادة الحياة والعبِّ منها دون ارتواء، وذلك أنَّ الشهوة تُغري بالشهوة كما أشرنا آنفًا، والرغبات الإنسانية قد يضرُّ بها القرب، ولا يزيدها الظفر إلا اشتعالًا ...

والأديان في أوربا وأمريكا عجزت عجزًا تامًّا عن علاج هذا السعار لقصورها الذاتي أولًا، ولاشتغالها مع ذلك بمحاربة الإسلام بدل أن تتعاون معه على فعل شيء ما يحفظ على الإنسانية مستقبلها المتداعي.. والغريب أن المسلمين نافسوا غيرهم في التهاوى على هذه المتع، والتشبع منها جهد المستطاع.

قد تقول: وما الغرابة في ذلك؟ أليسوا بشرًا كالبشر؟

وأجيب: إنني لا أنكر على المسلمين – خاصة – أن يشاركوا الأوروبيين والأمريكيين في ألوان المتاع التي اخترعوها.

إنني قد أفهم أن يعود رواد الفضاء من رحلة مضنية ليلتمسوا بعض النزه البريئة أو المريبة في ليل أو نهار.

أما الذين يتسكعون بين دورهم وأجران القمح والأرز، أو الذين يتركون خيامهم على مدى سهم في مراعيهم الساذجة، أو الذين يركبون سيارتهم ليجلسوا في الدواوين محسودين لا مجهودين .. أو .. أو فما لهؤلاء والبحث عن اللذات المخترعة في الشرق أو الغرب؟

إنَّ بعض الناس يذهب إلى العواصم العالمية المرموقة، ثم يعود ليتحدث عن لياليها الصاخبة!! فهلا تحدث عن
أيامها الجادة، وعن العرق المتصبب من أجساد الكادحين للصغار والكبار على سواء؟؟

إنَّ المهندس هناك قد يغبر وجهه وملبسة كله طوال النهار، ثم ينطلق بعد ذلك ليستجم وفق ما يفهم ويعتاد.

ويوجد عندنا من يقلده في الانطلاق الأخير، ولا يتأسى به قيد أنملة في الكفاح الذي سبقه!!

أيُّ بلاء أصاب العرب والمسلمين حتى عموا عما يجب أن يرى، وحملقوا عيونهم فيما يجب أن تغضَّ عنه، وتسترخي بإزائه؟

إنهم لو فقهوا سرَّ الصيام وسرَّ الحياة العفيفة المبنية عليه لكان لهم موقف آخر..

بل لو أنهم أدركوا ما كانوا عليه، وما صاروا إليه، وما تبيته القوى المتربصة بهم، لكان لهم قبل الصيام صيام، وقبل القيام سهر يطير معه المنام!!

من سنين طوال ورمضان يستقبله العرب والمسلمون بطريقة رتيبة: روايات أقلُّها جاد وأكثرها هازل، تعرضها الإذاعات المسموعة والمرئية. أغانٍ بعضها ديني، والآخر لا دين له تشنِّف الآذان. فكاهات تخلق الأجواء الضاحكة وتسلي الجماهير التائهة. مواعظ تقليدية ممجوجة يفرُّ أغلب الناس من سماعها، أو كتابات إسلامية في موضوعات مختارة عن عمد لتخدير الفكر، وتفتير الهمم.

صور جميلة أو دميمة للمساجد والآثار الإسلامية.. أحفال باهتة جرى رسمها وإخراجها بحيث تنعدم فيها الروح ويضعف التأثير.

إنَّ أعداء الإسلام لا يطلبون من أمَّة الإسلام أن تفعل بنفسها أكثر من ذلك.

لما مات أبو امرئ القيس الخليع الضليل، قال هذا الشاعر يصف ما سيفعل:

اليوم خمر وغدًا أمر!

لقد جعل لسكره حدًّا ينتهي عنده، إنه اليوم وحسب.

وما امرؤ القيس وهو يجاهد لاستعادة مجده، ويقول لصاحبه يسليه عن هموم الكفاح ومشقات الضرب في الأرض:
فقلتُ لَهُ لا تبكِ عينُكَ إنَّما ... نُحاول مُلكاً أو نموتُ فنُعذرا !!

لكن جمهرة كبيرة من شباب العرب لا يزالون يقولون: اليوم خمر وغدًا خمر.. فمتى الصحو؟

ألا يستحق المسجد الأقصى وقفة تدبر واستعبار، يتلاوم فيها المفرطون ثم يغضبون لله غضبة تمحو العار،

وتدرك الثأر؟! *
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
* الشيخ محمد الغزالي، رمضان بين تقاليد الماضي وهزائم الحاضر، مجلة الوعي الإسلامي، السنة الثامنة، عدد93، رمضان 1392، الموافق 8 أكتوبر 1972م.
‏١٠‏/٠٥‏/٢٠٢٠ ١:٤٧ م‏
لقراءة المقال كاملاً: fb.com/Klmtuhaq/posts/679756899216846
لقراءة المقال كاملاً:
fb.com/Klmtuhaq/posts/679756899216846
‏٠٩‏/٠٥‏/٢٠٢٠ ٦:٠٣ م‏
متابعينا الأعزاء.. أولاً: كل عام أنتم بخير وتقبل الله منا ومنكم ثانياً: تتعرض صفحتنا لتضييق مستمر بواسطة إدارة فيسبوك زعماً منها أننا "ننتهك معايير المجتمع"، ويقصدون بالطبع حديثنا المتعلق بمقاومة هذه الأمة والتنظير لتحليها بالقوة على كافة الأصعدة، وتقرير عدم ذوبانها وبيان أنها أمة عصية على الانمحاء والاختفاء، وفضحنا لأعدائها سواء من الصهاينة أعداء الله أو عملائهم من الخونة. لذلك وكما ترون في الصورة المرفقة قد وصلت جودة صفحتكم "مجلة كلمة حق" إلى اللون الأحمر وأعلى درجات العُرضة للحذف، وذلك بعد مراحل سابقة عملت فيها إدارة فيسبوك على تقليل انتشار الصفحة وتقييد وصولها إلى حتى المعجبين بها (ضمن عقوبات مقررة ومكتوبة لديهم تبعاً لمستويات جودة الصفحة). ومسؤوليتنا أن نطلعكم على ذلك كون هذه المجلة هي مجلتكم في المقام الأول وليست تابعة والحمد لله لأي جهة أو حزب وقائمة ومستمرة حتى الآن بفضل تشجيعكم ونشركم لها. في حالة حذف فيسبوك لهذه الصفحة، تجدوننا على الروابط التالية: صفحتنا البديلة على فيسبوك fb.com/klmtuhaq2 تويتر: twitter.com/klmtuhaq تيليجرام: t.me/klmtuhaq نتشرف بمتابعتكم
متابعينا الأعزاء..

أولاً: كل عام أنتم بخير وتقبل الله منا ومنكم

ثانياً: تتعرض صفحتنا لتضييق مستمر بواسطة إدارة فيسبوك زعماً منها أننا "ننتهك معايير المجتمع"، ويقصدون بالطبع حديثنا المتعلق بمقاومة هذه الأمة والتنظير لتحليها بالقوة على كافة الأصعدة، وتقرير عدم ذوبانها وبيان أنها أمة عصية على الانمحاء والاختفاء، وفضحنا لأعدائها سواء من الصهاينة أعداء الله أو عملائهم من الخونة.

لذلك وكما ترون في الصورة المرفقة قد وصلت جودة صفحتكم "مجلة كلمة حق" إلى اللون الأحمر وأعلى درجات العُرضة للحذف، وذلك بعد مراحل سابقة عملت فيها إدارة فيسبوك على تقليل انتشار الصفحة وتقييد وصولها إلى حتى المعجبين بها (ضمن عقوبات مقررة ومكتوبة لديهم تبعاً لمستويات جودة الصفحة).

ومسؤوليتنا أن نطلعكم على ذلك كون هذه المجلة هي مجلتكم في المقام الأول وليست تابعة والحمد لله لأي جهة أو حزب وقائمة ومستمرة حتى الآن بفضل تشجيعكم ونشركم لها.

في حالة حذف فيسبوك لهذه الصفحة، تجدوننا على الروابط التالية:

صفحتنا البديلة على فيسبوك
fb.com/klmtuhaq2
تويتر:
twitter.com/klmtuhaq
تيليجرام:
t.me/klmtuhaq

نتشرف بمتابعتكم
‏٠٣‏/٠٥‏/٢٠٢٠ ١:٢٩ م‏
الإسلام ومنطق القوة د. عطية عدلان الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد .. ليس خافياً على أحد من العالمين أنّ ما يسمى بالمجتمع الدوليّ الآن لا يحترم إلا القويّ ولا يدين إلا للقوة، ومع أنّ القوة الحقيقية هي القوة في مداها الواسع الذي يشمل الجوانب العسكرية والأمنية والاقتصادية والسياسية والعلمية؛ فإنّنا نجد أنّ القوة الخشنة التي تقوم على الأذرع الأمنية والعسكرية للسياسة الواعية المحنكةِ مقدمةٌ على كل اعتبار آخر من اعتبارات القوة. وقد أمدتنا التجارب العديدة بالأدلة التي تبلغ حدّ التواتر والقطع على ثبوت هذه الحقيقة واستقرارها، ولقد سعد هذا الجيل بتوافر هذه الشواهد الواقعية البالغة في الإقناع حدّ الإشباع، لكنه لم يسعد - إلا في القليل النادر من النماذج - بثمرتها وفوائدها، وهذه النماذج ذاتها صارت من جمهرة الأدلة والشواهد، أولها تجربة المقاومة الفلسطينية المتمثلة في حماس والجهاد، والتي رغم كل التحديات التي ربما أعقبت بعض الهنات لا تزال صاعدة وواعدة وملهمة، وثانيها نموذج طالبان، تلك الحركة التي نسيها الخلق فترة من الزمان كانت كافية بأن تخرج بعدها على الدنيا لتجلس بنديّة شامخة على طاولة المفاوضات مع الدولة المتألهة على العالم المعاصر (أمريكا)، وثالثها: ما يسطره الأتراك الآن على أرض سوريا وشرقي المتوسط مما يعد إرهاصاً لميلاد قوة جديدة على المسرح الدوليّ. فما موقف الإسلام من هذا المنطق الذي يجبر المتصلف العنيد على أن ينحني ويلين، ويحمل من أعطى ظهره على أن يستدير ليُقبل بوجهه، ويلزم من اعتاد التجاوز بأن يقف عند حدّه وأنفه راغم؟ أي: ما موقف الإسلام وشريعة الإسلام من منطق القوة؟ لو إنَّ إنساناً لا يعرف شيئاً عن تاريخ الإسلام وفتوحات المسلمين وأمجادهم العسكرية، وقرأ القرآن الكريم مجرداً من كل ما يدور حوله من تفاسير وتطبيقات وأقاويل وتأويلات، وكان لديه من العقل ما يسمح له بمطالعة الصحف اليومية فقط؛ لأيقن أنّ الأمّة التي أخرجها هذا الكتاب ملكت الكوكب الأرضيّ حتى لم تشرق الشمس يوماً على رقعة من الأصقاع نادَّةٍ عن سلطانها أو شاذّةٍ عن هيمنتها. إنّ القرآن الكريم - ابتداء - ليس فيه آية واحدة ولا بعض آية تشتمل على نفي أو استبعاد لمبدأ استخدام القوة في الدعوة إلى هذا الدين وفي التمكين له، ومن زعم شيئاً من ذلك فدونه القرآنُ مكيُّهُ ومدنيُّهُ على السواء؛ فليشمر عن ساعديه وليأتنا بشيء يرفع عنه الاتهام بأنه عريض القفا، قد يقول قائلهم - وكم بالأقوال من فظائع أهوال - إنّ القرآن المكيّ دعا في أكثر من موضع إلى الصفح والعفو والإعراض، ومع أنّ هذه الدعوة إن صحت لا تضر بأصل القضية؛ لأنّ جميع مَن حملها على نفي القتال قال بأنّها منسوخة بآيات الجهاد ولاسيما آية السيف، لكنني مُصِرٌّ على الذهاب بالحقيقة إلى ما هو أبعد وأعمق من هذا كله. أجل؛ لقد قال الله تعالى في آيات كثيرة: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ) (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ) (فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) وغير ذلك من التوجيهات الإلهية للمسلمين التي نزل معظمها في مكة وبعضها في المدينة، لكن لا علاقة لهذه الآيات بمسألتي السلم والحرب ولا بمبدأ استخدام القوة من حيث إقراره أو إنكاره، إنّما هي توجيهات أخلاقية وحسب، فالعفو والصفح والإعراض لا يعني قط أنّ الدعوة هذه لا اعتماد لها على القوة ولا سبيل لها إلا الوعظ والنصح والإرشاد، وليس فيها وعد للكافرين المشركين بأنّ المسلمين سيتركون لهم الأرض يعيثون فيها فساداً كما يشاءون وحسابهم على الله. إنّ المسلم الذي يدعو إلى الله تعالى يصيبه من الناس أذى؛ فلا يصح أن يتحرك بدافع الغضب لنفسه، أو بدوافع اختلط فيها الغضب لله مع الغضب للذات؛ فينتقم ويعاقب، وإنّما عليه أن يصفح الصفح الجميل، وأن يعرض عن الجاهلين، وأن يعفو ما وسعه العفو، ولا علاقة بين ذلك وبين الجهاد إذا جاء أوانه لإماطة الفتنة التي يمارسها الطغاة ليحرموا الناس من دين الله. بل إنّ القرآن المكيّ اشتمل على آيات فيها تلميح يقارب التصريح بأنّ القوة هي الدواء لما أصاب البشرية من أدواء، فهذه على سبيل المثال سورة العاديات وهي مكية بلا خلاف، انظر كيف بدأت وكيف بدأت معهم وإلى أي غاية أسلمتهم؟! (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (1) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (2) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (3) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (4) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (5) إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6)) ففيها يقسم الله تعالى بالخيل التي تضبح في عدوها، وتوري الشرر باصطكاك سنابكها بالأرض، وتصبّح القوم بالغيرة، فتثير النقع والرعب معه وتتوسط الجمع لتدير رحى المعارك، فإذا سألت: لماذا؟ جاءك الجواب سريعاً بلا إبطاء ولا إمهال: (إنّ الإنسان لربه لكنود)، فالكنود إذا لا علاج له إلا القوة. أمّا القرآن المدنيّ فالحديث فيه عن الجهاد في غزارته يكاد يعدل الحديث عن التوحيد في القرآن المكيّ، إلا أنّ اللافت للنظر ليس كثرة الآيات وحسب، وإنّما علو النبرة وشدتها: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (التوبة 73) (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ) (التوبة 14) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (التوبة 123) (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (التوبة 5) (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (التوبة 29) (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ) (محمد 4). هذا هو ديننا وهذا هو كتابنا، ولقد جاء تاريخ الأمة الإسلامية من لدن غزوة بدر إلى فتوح الدولة العثمانية الأخيرة في أوربا والتي بلغت حدود النمسا، جاء هذا التاريخ الزاخر بالأمجاد العسكرية والحافل بالانتصارات والفتوحات مؤكداً تلك الحقائق، وكاشفاً عن طبيعة هذا الدين وطبيعة هذه الأمّة؛ فهذا الدين ما نزل ليكون نِـحلة ينطوي عليها عرب الحجاز، بل نزل ليكون منهاجاً للبشرية كلها إلى يوم الدين، وهذه الأمة ليست أمة منشغلة بمعاشها تاركةً مصير البشرية للأهواء والفتن، بل هي أمة أُخرجت للناس، وعُلمت ولُقنت كيف تنفع الناس. ولا خشية من وجود هذا المبدأ في الدين الإسلاميّ، بل الخشية من سوء التأويل وسوء التنزيل الذي يسيء لهذا المبدأ ويسيء للإسلام بالضرورة، لقد شهدت كثيرٌ من التجارب انحرافاتٍ أحبطت ثمرة الجهاد، بسبب الغلو أو بسبب سوء التطبيق وعدم الالتزام بأحكام الإسلام، والسنن الإلهية لا تحابي أحداً، فللقوة وللدولة وللصراع سنن وقوانين لابد من مراعاتها وإلا نكون مقصرين في واجب الإعداد بل ربما في واجب الجهاد نفسه. هذا تبيان لأمر غاية في الوضوح والبيان، لكن لأننا صرنا نألف الأوهام ونتعايش معها تعايش الغرباء في سفر تتحفه المخاطر والأهوال؛ وجدنا من اللائق المبالغة في التبيان، والله المستعان.
الإسلام ومنطق القوة
د. عطية عدلان
الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد ..
ليس خافياً على أحد من العالمين أنّ ما يسمى بالمجتمع الدوليّ الآن لا يحترم إلا القويّ ولا يدين إلا للقوة، ومع أنّ القوة الحقيقية هي القوة في مداها الواسع الذي يشمل الجوانب العسكرية والأمنية والاقتصادية والسياسية والعلمية؛ فإنّنا نجد أنّ القوة الخشنة التي تقوم على الأذرع الأمنية والعسكرية للسياسة الواعية المحنكةِ مقدمةٌ على كل اعتبار آخر من اعتبارات القوة.
وقد أمدتنا التجارب العديدة بالأدلة التي تبلغ حدّ التواتر والقطع على ثبوت هذه الحقيقة واستقرارها، ولقد سعد هذا الجيل بتوافر هذه الشواهد الواقعية البالغة في الإقناع حدّ الإشباع، لكنه لم يسعد - إلا في القليل النادر من النماذج - بثمرتها وفوائدها، وهذه النماذج ذاتها صارت من جمهرة الأدلة والشواهد، أولها تجربة المقاومة الفلسطينية المتمثلة في حماس والجهاد، والتي رغم كل التحديات التي ربما أعقبت بعض الهنات لا تزال صاعدة وواعدة وملهمة، وثانيها نموذج طالبان، تلك الحركة التي نسيها الخلق فترة من الزمان كانت كافية بأن تخرج بعدها على الدنيا لتجلس بنديّة شامخة على طاولة المفاوضات مع الدولة المتألهة على العالم المعاصر (أمريكا)، وثالثها: ما يسطره الأتراك الآن على أرض سوريا وشرقي المتوسط مما يعد إرهاصاً لميلاد قوة جديدة على المسرح الدوليّ.
فما موقف الإسلام من هذا المنطق الذي يجبر المتصلف العنيد على أن ينحني ويلين، ويحمل من أعطى ظهره على أن يستدير ليُقبل بوجهه، ويلزم من اعتاد التجاوز بأن يقف عند حدّه وأنفه راغم؟ أي: ما موقف الإسلام وشريعة الإسلام من منطق القوة؟
لو إنَّ إنساناً لا يعرف شيئاً عن تاريخ الإسلام وفتوحات المسلمين وأمجادهم العسكرية، وقرأ القرآن الكريم مجرداً من كل ما يدور حوله من تفاسير وتطبيقات وأقاويل وتأويلات، وكان لديه من العقل ما يسمح له بمطالعة الصحف اليومية فقط؛ لأيقن أنّ الأمّة التي أخرجها هذا الكتاب ملكت الكوكب الأرضيّ حتى لم تشرق الشمس يوماً على رقعة من الأصقاع نادَّةٍ عن سلطانها أو شاذّةٍ عن هيمنتها.
إنّ القرآن الكريم - ابتداء - ليس فيه آية واحدة ولا بعض آية تشتمل على نفي أو استبعاد لمبدأ استخدام القوة في الدعوة إلى هذا الدين وفي التمكين له، ومن زعم شيئاً من ذلك فدونه القرآنُ مكيُّهُ ومدنيُّهُ على السواء؛ فليشمر عن ساعديه وليأتنا بشيء يرفع عنه الاتهام بأنه عريض القفا، قد يقول قائلهم - وكم بالأقوال من فظائع أهوال - إنّ القرآن المكيّ دعا في أكثر من موضع إلى الصفح والعفو والإعراض، ومع أنّ هذه الدعوة إن صحت لا تضر بأصل القضية؛ لأنّ جميع مَن حملها على نفي القتال قال بأنّها منسوخة بآيات الجهاد ولاسيما آية السيف، لكنني مُصِرٌّ على الذهاب بالحقيقة إلى ما هو أبعد وأعمق من هذا كله.
أجل؛ لقد قال الله تعالى في آيات كثيرة: (فَاعْفُ عَنْهُمْ وَاصْفَحْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُحْسِنِينَ) (وَإِنَّ السَّاعَةَ لَآتِيَةٌ فَاصْفَحِ الصَّفْحَ الْجَمِيلَ) (فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ وَانْتَظِرْ إِنَّهُمْ مُنْتَظِرُونَ) (فَأَعْرِضْ عَنْ مَنْ تَوَلَّى عَنْ ذِكْرِنَا وَلَمْ يُرِدْ إِلَّا الْحَيَاةَ الدُّنْيَا) وغير ذلك من التوجيهات الإلهية للمسلمين التي نزل معظمها في مكة وبعضها في المدينة، لكن لا علاقة لهذه الآيات بمسألتي السلم والحرب ولا بمبدأ استخدام القوة من حيث إقراره أو إنكاره، إنّما هي توجيهات أخلاقية وحسب، فالعفو والصفح والإعراض لا يعني قط أنّ الدعوة هذه لا اعتماد لها على القوة ولا سبيل لها إلا الوعظ والنصح والإرشاد، وليس فيها وعد للكافرين المشركين بأنّ المسلمين سيتركون لهم الأرض يعيثون فيها فساداً كما يشاءون وحسابهم على الله.
إنّ المسلم الذي يدعو إلى الله تعالى يصيبه من الناس أذى؛ فلا يصح أن يتحرك بدافع الغضب لنفسه، أو بدوافع اختلط فيها الغضب لله مع الغضب للذات؛ فينتقم ويعاقب، وإنّما عليه أن يصفح الصفح الجميل، وأن يعرض عن الجاهلين، وأن يعفو ما وسعه العفو، ولا علاقة بين ذلك وبين الجهاد إذا جاء أوانه لإماطة الفتنة التي يمارسها الطغاة ليحرموا الناس من دين الله.
بل إنّ القرآن المكيّ اشتمل على آيات فيها تلميح يقارب التصريح بأنّ القوة هي الدواء لما أصاب البشرية من أدواء، فهذه على سبيل المثال سورة العاديات وهي مكية بلا خلاف، انظر كيف بدأت وكيف بدأت معهم وإلى أي غاية أسلمتهم؟! (وَالْعَادِيَاتِ ضَبْحًا (1) فَالْمُورِيَاتِ قَدْحًا (2) فَالْمُغِيرَاتِ صُبْحًا (3) فَأَثَرْنَ بِهِ نَقْعًا (4) فَوَسَطْنَ بِهِ جَمْعًا (5) إِنَّ الْإِنْسَانَ لِرَبِّهِ لَكَنُودٌ (6)) ففيها يقسم الله تعالى بالخيل التي تضبح في عدوها، وتوري الشرر باصطكاك سنابكها بالأرض، وتصبّح القوم بالغيرة، فتثير النقع والرعب معه وتتوسط الجمع لتدير رحى المعارك، فإذا سألت: لماذا؟ جاءك الجواب سريعاً بلا إبطاء ولا إمهال: (إنّ الإنسان لربه لكنود)، فالكنود إذا لا علاج له إلا القوة.
أمّا القرآن المدنيّ فالحديث فيه عن الجهاد في غزارته يكاد يعدل الحديث عن التوحيد في القرآن المكيّ، إلا أنّ اللافت للنظر ليس كثرة الآيات وحسب، وإنّما علو النبرة وشدتها: (يَا أَيُّهَا النَّبِيُّ جَاهِدِ الْكُفَّارَ وَالْمُنَافِقِينَ وَاغْلُظْ عَلَيْهِمْ وَمَأْوَاهُمْ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ) (التوبة 73) (قَاتِلُوهُمْ يُعَذِّبْهُمُ اللَّهُ بِأَيْدِيكُمْ وَيُخْزِهِمْ وَيَنْصُرْكُمْ عَلَيْهِمْ وَيَشْفِ صُدُورَ قَوْمٍ مُؤْمِنِينَ) (التوبة 14) (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا قَاتِلُوا الَّذِينَ يَلُونَكُمْ مِنَ الْكُفَّارِ وَلْيَجِدُوا فِيكُمْ غِلْظَةً وَاعْلَمُوا أَنَّ اللَّهَ مَعَ الْمُتَّقِينَ) (التوبة 123) (فَإِذَا انْسَلَخَ الْأَشْهُرُ الْحُرُمُ فَاقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ وَخُذُوهُمْ وَاحْصُرُوهُمْ وَاقْعُدُوا لَهُمْ كُلَّ مَرْصَدٍ فَإِنْ تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ إِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ) (التوبة 5) (قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ) (التوبة 29) (فَإِذَا لَقِيتُمُ الَّذِينَ كَفَرُوا فَضَرْبَ الرِّقَابِ حَتَّى إِذَا أَثْخَنْتُمُوهُمْ فَشُدُّوا الْوَثَاقَ فَإِمَّا مَنًّا بَعْدُ وَإِمَّا فِدَاءً حَتَّى تَضَعَ الْحَرْبُ أَوْزَارَهَا ذَلِكَ وَلَوْ يَشَاءُ اللَّهُ لَانْتَصَرَ مِنْهُمْ وَلَكِنْ لِيَبْلُوَ بَعْضَكُمْ بِبَعْضٍ وَالَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَلَنْ يُضِلَّ أَعْمَالَهُمْ) (محمد 4).
هذا هو ديننا وهذا هو كتابنا، ولقد جاء تاريخ الأمة الإسلامية من لدن غزوة بدر إلى فتوح الدولة العثمانية الأخيرة في أوربا والتي بلغت حدود النمسا، جاء هذا التاريخ الزاخر بالأمجاد العسكرية والحافل بالانتصارات والفتوحات مؤكداً تلك الحقائق، وكاشفاً عن طبيعة هذا الدين وطبيعة هذه الأمّة؛ فهذا الدين ما نزل ليكون نِـحلة ينطوي عليها عرب الحجاز، بل نزل ليكون منهاجاً للبشرية كلها إلى يوم الدين، وهذه الأمة ليست أمة منشغلة بمعاشها تاركةً مصير البشرية للأهواء والفتن، بل هي أمة أُخرجت للناس، وعُلمت ولُقنت كيف تنفع الناس.
ولا خشية من وجود هذا المبدأ في الدين الإسلاميّ، بل الخشية من سوء التأويل وسوء التنزيل الذي يسيء لهذا المبدأ ويسيء للإسلام بالضرورة، لقد شهدت كثيرٌ من التجارب انحرافاتٍ أحبطت ثمرة الجهاد، بسبب الغلو أو بسبب سوء التطبيق وعدم الالتزام بأحكام الإسلام، والسنن الإلهية لا تحابي أحداً، فللقوة وللدولة وللصراع سنن وقوانين لابد من مراعاتها وإلا نكون مقصرين في واجب الإعداد بل ربما في واجب الجهاد نفسه.
هذا تبيان لأمر غاية في الوضوح والبيان، لكن لأننا صرنا نألف الأوهام ونتعايش معها تعايش الغرباء في سفر تتحفه المخاطر والأهوال؛ وجدنا من اللائق المبالغة في التبيان، والله المستعان.
‏٢٩‏/٠٤‏/٢٠٢٠ ٩:٥٣ م‏
قام ‏مجلة كلمة حق‏ بتحديث حالته.
جائحة كورونا .. كيف وجد العالم طعم الحصار؟!
أحمد قنيطة

يستمر فيروس كورونا الصغير الخفيّ في اجتياح بلاد العالم دولةً بعد دولة، ومدينةً تلو مدينة، وقرية تلو أخرى، حتى بات انتشاره يغطّي معظم جغرافيا العالم، دون تمييزٍ بين دولةٍ مسلمة وأخرى كافرة، فقيرة أو غنية، عظيمةٍ أو وضيعة، ودون تفريقٍ بين ذكرٍ أو أنثى، أبيضٍ أو أسود، صالحٍ أو طالح.
فالجميع أمامه قهره سواسية كأسنان المشط، والكل أمام جبروته خاضعٌ، ومن عظيم بطشه خائف، هذا الجندي من جنود الله قد أصاب العالم بالشلل التام، وجمّد جميع مظاهر الحياة والحيوية في هذا الكوكب، الذي كان قبل أسابيع يضج بالحياة والقوة والعنفوان، ويشهدُ تسارعاً كبيراً في التقنية والتكنولوجيا، ومنافسة حثيثة في الاقتصاد والتسلُّح، حتى باتت القوى العظمى تتنافس للسيطرة على القمر والكواكب، بينما يعيش الملايين من البشر تحت الجوع والقهر والفقر والحصار!

هذا الفيروس الخطير الذي لا يعرف العلماء والخبراء حقيقته بعد، ولم يشعروا بإرهاصات نشأته وتطورّه، ولم يستطيعوا حتى هذا الوقت تفسير تداعياته ولا ظروف انتشاره، ولم يتوصّلوا إلى طرق لعلاجه؛ ما زال يطوف العالم طولاً وعرضاً، ويخطف أرواح المئات من البشر كل يوم، ويصيب الآلاف من الناس في الدول المتطورة التي ظنّ أهلها أنهم قادرون عليها؛ حتى أتاهم هذا المخلوق المجهول ليعلّمهم حقيقة ضعفهم، وعظيم انكسارهم، ويخبرهم بمدى عجزهم، وحجم وهنهم، مهما بلغت قدرتهم وقوتهم، وليجري عليهم سنة الله في الأمم الظالمة التي عتت عن أمرها ربها واستكبرت عن هدي رُسلها.
فهذه الآية البسيطة والرسالة الهيّنة – على عِظمها - لم تصل حد الخسف والنسف، والمسخ والإغراق والإهلاك، علّها تحيي قلوباً غلفاً وعيوناً عمياً وآذاناً صماً، فيعود الناس إلى رشدهم ويؤوب الناس إلى ربهم، فيعطي غنيهم فقيرهم، ويرحم قويهم ضعيفهم: "وَضَرَبَ اللَّهُ مَثَلا قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ".

يمضي فيروس كورونا في مهمته - التي لا يعلمُ أحد متى تنتهي إلا الله – ضارباً طوقاً شديداً وحصاراً قاسياً على معظم دول العالم، حيثّ أُغلقت الحدود، وأُوصدت المعابر، وحُظر السفر، وتوقّفت التجارة، ومُنعت التجمعات، وألغيت الحفلات، وعُطّلت المدارس والجامعات، وأجبر الناس على التزام بيوتهم طوعاً أو كرها، لا حول لهم ولا قوة إلا مناجاة الخالق العظيم، أن يكشف عنهم هذا الضر، وأن يرفع عنهم هذا البلاء، وأن يزيح عن البشرية جمعاء هذه الغمّة التي كبّلت الحياة بأغلالٍ من فولاذ.
فها هي إيطاليا تستغيث بجيرانها في أوروبا فلا يرتد إليها سوى صدى صوتها، وها هي إسبانيا تغرق في وحل الأزمة، فتمدّ يدها إلى أصدقائها فلا تعود إلا خائبة، وتلكم فرنسا وألمانيا وسويسرا والمملكة المتحدة يقفون عاجزين خائرين أمام تفشي المرض وسرعة انتشاره، وهاكم أمريكا التي أخضعت معظم دول العالم بقوتها وجبروتها وتطورها العلمي والتكنولوجي تقف صاغرة حائرة لا تستطيع حتى توفير أجهزة التنفّس الصناعي لعشرات الآلاف من الحالات المصابة، شأنها شأن معظم دول العالم.

هذا الحصار الذي يذوق اليوم العالم بأسره مرارته، ويتجرّع الناس علقمه، ويشتكي البشر من قسوته وقهره، هو نفس الحصار الذي يعيش تفاصيله القاتلة الفلسطينيون في غزة، والسوريون في حلب وإدلب، والإيغور في تركستان الشرقية، والروهينغا في أراكان، والأحوازيون في إيران وغيرها، لكنه حصارٌ أشد قسوة وأعظم وطأة، فهو حصارٌ مصحوبٌ بالصواريخ والقنابل، ومقرونٌ بالجوع والحرمان، ومعقودٌ بالقتل والتهجير، ومرتبطٌ بالسجن والتعذيب، ومُجتمِعٌ مع القهر والظلم.
فهل عرف العالم الظالم معنى أن يحاصر في غزة التي لا تتجاوز مساحتها 365 كم مربع 2 مليون إنسان منذ أربعة عشر عام، وهل ذاقت الشعوب الخائرة الصامتة شيئاً مما عاناه السوريون من حصارٍ خانقٍ عاشوه في مضايا والزبداني والغوطة الشرقية وغيرها، وهل عَلِم العرب والمسلمون الذين أغلقوا مساجدهم وأسواقهم خوفاً من كورونا؛ معنى أن يُغلق السوريون مساجدهم وأسواقهم خوفاً من الصواريخ والبراميل المتفجّرة؟!

هذه هي عاقبة الخذلان للشعوب المقهورة في شتى بقاع الأرض، وتلك هي مآلات التآمر على البلاد الضعيفة والفقيرة، فقوى الظلم والقهر بدلاً من أن تنفق ملياراتها على التنمية والتعليم ومحاربة الجوع والفقر في العالم؛ تستمر في حصار الدول الضعيفة ومحاربتها في أقواتها، وتمضي في سرقة ثرواتها وخيراتها، في أفريقيا وأمريكا الجنوبية وغيرها، حيث يموت كل يوم في العالم 28.000 طفل يومياً وفق تقارير منظمة الصحة العالمية ومنظمة الأمم المتحدة للطفولة، فدول العالم الثالث التي تُخفي في باطنها الذهب والمعادن والثروات تتعرض لجريمة عالمية منظّمة تقودها بعض الحكومات الغربية والعربية كأمريكا وفرنسا وبريطانيا الذين يستمرون في نهب خيرات الدول الإفريقية وسرقة ثرواتها، ثم تهريبها للخارج بينما يموت أهلها جوعاً جراء سوء التغذية، أو قهراً وقتلاً في الحروب والصراعات الداخلية التي تغذيها المخابرات العالمية، بينما تنام الشعوب في تلك الدول الظالمة ملء جفونها غافلة عن عذابات الناس وآلامها وجراحها حتى يعاجلها الله بقدره وعقابه، يقول الشيخ الأسير في سجون القهر السعودية "عبد العزيز الطريفي": "من العقوبات العاجلة عقوبة خذلان المظلومين، وكثيراً ما تنزل العقوبات بالدول ويجهلون أسبابها، يظنون أن الله لا يُعاقب إلا من باشر الظلم بنفسه!".

هذه المقالة ليست من باب الشماتة بمصاب الدول المجرمة الظالمة التي لا تفتأ تخطط وتدبّر لفرض هيمنتها والاستيلاء على كل مقدرات العالم؛ في وقت تسحق فيه دباباتها كل معاني العدالة والحرية، وتبيدُ طائراتها كل قيم الكرامة والإنسانية، ولا هي من قبيل الفرح بمآسي الشعوب التائهة الضائعة التي انشغلت عن جرائم حكوماتها في حق الشعوب الأخرى؛ باللهث خلف جمود المادة وحيوانية الشهوة بعيداً عن روح الضمير وحيوية المشاعر، فهذا البلاء لم ينزل على دولةٍ دون دولة، أو شعبٍ دون شعب، ونحن كمسلمين لنا خصومة وثارات مع الدول الظالمة المحتلة التي قلت شعوبنا وشرّدت إخواننا ودمّرت بلادنا، لكننا أسمى وأرقى من أن نشمت بمصاب وآلام الشعوب الأخرى جراء الكوارث والأوبئة التي تجتاح بلادهم، فبيننا وبين جيوشهم الظالمة ساحاتٌ للرجولة والبطولة نذيقهم فيها بأس رجالنا وصلابة أبطالنا وثبات شعوبنا حتى يكتب الله نصرنا.
وإنما جاءت هذه المقالة لتذكّر الناس بإنسانيتهم التي وأدتها الحضارة المتوحشّة وقتلها الرقي الزائف، وتعيدهم إلى أصل فطرتهم السليمة وضمائرهم الحية التي تدعوهم إلى الرحمة وتحضّهم على الخير، وتمنعهم من الظلم وتصرفهم عن الشر.

وأخيراً.. نسأل الله أن يكون العالم بعد هذه الأزمة القاسية خيراً مما كان عليه من قبل، ولن يكون ذلك إلا بهلاك القوى الظالمة المجرمة التي لا تقيم وزناً للإنسانية ولا الأخلاق، وأن تتبدل موازين القوى في العالم سياسياً واقتصادياً بعد هذه الجائحة، وأن يكون أهل الإسلام ذوي شأن ورأي بعد اجتماع كلمتهم وتوحيد صفوفهم، ليعود للعالم توازنه واستقراره بعيداً عن هيمنة الظالمين والمجرمين.
‏٢٥‏/٠٤‏/٢٠٢٠ ٩:٥١ م‏
رابط المقال كاملاً: goo.gl/6daZbJ
رابط المقال كاملاً:

goo.gl/6daZbJ
‏١٥‏/٠٤‏/٢٠٢٠ ٣:٤٢ م‏
رابط المقال كاملاً: fb.com/Klmtuhaq/photos/a.214388305753710/589048598287677/?type=3&theater
‏١٣‏/٠٤‏/٢٠٢٠ ٣:٢٤ م‏
جائحة كورونا.. تداعيات مزلزلة ومستمرة د. هشام كمال [حمّل العدد الجديد bit.ly/2xIQrAg هدية العدد bit.ly/39zxa1h] مع تفشي وباء "كوفيد-19 (COVID-19)"، الناتج عن فيروس كورونا المستجد، على نطاق دولي، وإعلان منظمة الصحة العالمية له كوباء عالمي في 11 مارس 2020م، تتزايد معه حدوث التداعيات ليس الصحية فحسب، بل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، والتي يصنفها بعض الخبراء على أنها قد تؤدي إلى إحداث تغيير جيوسياسي كبير على مستوى العالم كله، وربما ينتج عنها تغيير في النظام العالمي الحالي برمته. بعض العوامل المتسببة في اتساع رقعة انتشار الوباء حتى الآن: 1- تعامل بعض أنظمة الدول مع المرض في بدايات انتشاره على أنه مسألة أمن قومي، بما في ذلك الصين – منبع الوباء – ومصر وإيران، ما سمح بانتشار المرض على نطاق عالمي في وقت قياسي. 2- تعامل بعض الدول باستخفاف مع المرض، بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية، وإيطاليا – التي أصبحت من أكبر البؤر العالمية الحالية فيما يتعلق بانتشار ونشر المرض. 3- استمرار تعامل بعض الأنظمة الدولية بنظام الاتهامات المتبادلة، والمكايدات السياسية، ومحاولاتهم الاستفادة من الأزمة لتكريس سيادتهم عالمياً، وذلك على حساب التركيز في مكافحة الوباء. 4- العولمة، والتي انقلبت ميزاتها المتعلقة بسهولة وسرعة السفر من وإلى مختلف بلاد العالم إلى أسباب تزيد من معدل انتشار الوباء عالمياً. 5- استمرار فشل العديد من الدول على الصعيد الداخلي فيها في تطبيق نظام التباعد الاجتماعي والعزل الصحي – الاختياري والإجباري - بشكل متناسب مع سهولة انتشار الفيروس بين السكان. 6- النقص الحاد في وسائل وأدوات الكشف عن حالات الإصابة في مختلف دول العالم، وكذلك النقص الحاد في المعدات والتجهيزات الطبية اللازمة لعلاج الحالات المصابة. 7- جهل العديد من الدول – لاسيما في بداية الكشف عن المرض – بالوسائل الصحيحة للكشف عن المرض. 8- عدم وجود لقاح للوقاية من المرض، والحاجة لوقت طويل نسبياً – قد يمتد من 12 إلى 18 شهراً – لإيجاد لقاح وتصنيعه بشكل يبدأ معه منحنى تفشي الوباء في الهبوط. التداعيات الاقتصادية للجائحة حتى الآن، تعد التداعيات الاقتصادية للوباء أكبر التداعيات بعد خسارة الأرواح، حيث تعدت تلك التداعيات حدود الدول، ولم تقف عند دولة بعينها، مع زيادة كبيرة للآثار في الدول صاحبة معدلات الانتشار المتزايدة والواسعة للمرض. وكان مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) قد كشف في دراسة تحليلية أن الصدمة التي تتسبب بها كورونا ستؤدي إلى ركود في بعض الدول، وستخفّض النمو السنوي العالمي هذا العام إلى أقل من 2.5%، وربما تؤدي إلى عجز في الدخل العالمي بقيمة 2 تريليون دولار. ومن التداعيات والآثار الاقتصادية: 1- زيادة معدلات البطالة بشكل كبير للغاية: اضطرت الكثير من الشركات والمؤسسات والأعمال الصغيرة والمطاعم وأماكن تقديم الخدمات العامة والخاصة لإجبار الموظفين على العمل من المنزل في إطار المحاولات المبذولة للحد من انتشار العدوى، علاوة على الاضطرار إلى تسريح الكثير من الموظفين والعمال، وهو ما أدى إلى معدلات بطالة مرتفعة في العديد من الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة، والتي تزداد معدلات تسجيل طلبات التأمين ضد البطالة فيها بشكل يومي، حيث سجلت الأسبوع الماضي فقط أكثر من 280 ألف طلب، بزيادة تقارب 70 ألف طلب عن الأسبوع السابق، والذي سُجّل فيه حوالي 211 ألف طلب، وقد سجلت ولاية بنسلفانيا وحدها 121 ألف طلب في الأسبوع الماضي. وتنبع مخاوف كبيرة بالولايات المتحدة إزاء تسارع معدلات البطالة بشكل غير مسبوق (تعدت في سرعتها أزمة 2008-2009)، ما يجعل من الصعب على الخبراء التنبؤ بما ستؤول إليه الأوضاع في المستقبل، لاسيما في ظل مخاوف بشأن احتمال انهيار نظام التأمين ضد البطالة ما لم يتخذ الكونجرس إجراءات سريعة لضخ الأموال وتغيير قواعد النظام التقليدي لذلك التأمين. ولا يتوقف الأمر بطبيعة الحال على الولايات المتحدة، فمعدلات البطالة تزيد بوتيرة كبيرة على المستوى العالمي، ومرشحة للتزايد مع تفاقم الجائحة. 2- تقلص معدلات العرض، وضعف الطلب في الأسواق بشكل كبير: مع إغلاق المصانع والشركات وغيرها من المؤسسات، يقل المعروض من البضائع والسلع في الأسواق، ويزداد الطلب بشكل كبير في بداية الأمر، ثم يتقلص بعد ذلك لأسباب عديدة، منها ازدياد معدلات البطالة، وانخفاض القوة الشرائية مع حاجة الناس لتقليص نفقاتهم نظرا لقلة أو انعدام الدخل. 3- توقع حدوث موجات إفلاس متتالية للعديد من المصانع والشركات والمؤسسات الكبيرة والصغيرة: والتي يمكن أن تحدث نتيجة انخفاض الطلب بشكل كبير أو انعدامه في العديد من البقع الجغرافية مع تفاقم الجائحة، وتزايد أزمة الديون، وانخفاض قيمة الأصول، لاسيما في الدول المتأثرة بشدة بانتشار العدوى، ومن المعروف أن تعرض تلك المؤسسات للإفلاس يعد من العوامل المهمة في زيادة معدلات البطالة، فهي دائرة مفرغة تدور في فلكها الأعمال التجارية والعاملون فيها. ومن جهتها، لم تستبعد دراسة الأونكتاد سالفة الذكر حدوث إفلاس واسع النطاق، والذي يمكن أن يتسبب في انهيار مفاجئ لقيم الأصول. 4- التأثر السلبي لسلاسل الإمداد لكثير من المنتجات بشكل كبير: ويأتي هذا التأثر كنتيجة كبرى للعولمة في المجال الاقتصادي، حيث أدت العولمة إلى خلق حالة من التخصصية المفرطة على مستوى العالم، وأصبح المنتج الواحد، يُصنَّع في أكثر من دولة، سواء في مصانع تابعة لشركة واحدة تتواجد أماكن إنتاجها وتوريدها في عدة دول، أو في عدة شركات متفرقة في عدة دول. وكمثال على ذلك: تأثر إنتاج العديد من طرازات السيارات الأوروبية في الفترة السابقة بإغلاق مصنع تابع للشركة الإيطالية "إم تي أيه أدفانسيد أوتوموتيف سوليوشنز MTA Advanced Automotive Solutions"- المتخصصة في إنتاج إلكترونيات حيوية لازمة لتشغيل سيارات رينو، وبيجو، وبي إم دبليو، وجاكوار، ولاندروفر - في شنغهاي في الصين إبان معدلات الانتشار الواسعة للوباء فيها، ثم بعد حلول 17 فبراير وإعادة فتح المصنع، تم إغلاق مصنع الشركة في إيطاليا بعد ضرب الوباء لها، ما تسبب في توقف أكبر سلسلة توريد لإلكترونيات السيارات في غرب أوروبا. كما حدث نقص حاد في سلسلة إمداد الكواشف المستخدمة في تشخيص "كوفيد-19" على المستوى العالمي، بسبب عدم استطاعة الشركتين المتخصصتين في إنتاج وتصنيع هذه الكواشف، وهما شركتا "روش Roche" السويسرية، و"كياجن Qiagen" الهولندية (استحوذت عليها حاليا الشركة الأمريكية "ثيرمو فيشر ساينتيفيك [Thermo Fisher Scientific])، في تلبية الطلب العالمي المتزايد على خلفية تسارع معدل انتشار الوباء. وكذلك حدث نقص في سلسلة الإمدادات الخاصة بأجهزة الحاسوب، حيث قل إنتاج أجهزة الحاسوب المحمولة بنسبة 50% في فبراير، وتقلص كذلك إنتاج الهواتف الذكية بنسبة 12%، علاوة على إشارة "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)" بأن انخفاض الإنتاج في الصين له آثار غير مباشرة في جميع أنحاء العالم، نظرا لدور الصين في إنتاج أجهزة الحاسوب والإلكترونيات والأدوية ومعدات النقل، وكونها مصدرا أساسيا للطلب على العديد من السلع. ولعل الأهمية الكبيرة لسلاسل الإمداد في ظل العولمة هو ما حدا بمسؤولين دبلوماسيين دوليين إلى التأكيد على ضرورة الحفاظ على العلاقات الاقتصادية العالمية من جهة، وضرورة التعاون لإبقاء سلاسل الإمداد والتوريد مفتوحة، وعدم تعريضها للكسر. 5- مخاوف من انهيار سعر النفط: وهو الهاجس المسيطر على كثير من الأسواق العالمية، والذي طغى في بعض البلدان على المخاوف الصحية، ما يشير إلى كونه عاملا مثيرا للقلق والذعر، وهو ما يؤدي كذلك إلى صعوبة التنبؤ بحالة الأسواق. ومن المتوقع تبعا لذلك أن تتأثر الدول المصدرة للنفط بشكل كبير، حيث يمكن أن تفقد تقدر بأكثر من 1% من نموها. 6- تأثر قطاع الطيران على مستوى العالم: مع الوقف الإجباري لمعظم رحلات الطيران من وإلى العديد من دول العالم، وكذلك الرحلات الداخلية في كثير من الدول، تتفاقم أزمة شركات الطيران، حيث توقع "الاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا، IATA)" انخفاض إيرادات قطاع الطيران على المستوى الدولي لعام 2020 بما يقارب 250 مليار دولار، كما يتوقع مركز (CAPA) للطيران الاستشاري إفلاس معظم شركات الطيران في العالم - والتي قامت بتسريح أعداد كبيرة من العاملين بها - بحلول مايو 2020 في حال استمرار الأزمة وعدم تدخل الحكومات لدعم شركات الطيران. وعلى ناحية أخرى، خسرت شركات الطيران في الشرق الأوسط إيرادات بقيمة 7.2 مليارات دولار. وفيما يتعلق بمصر، قد يؤدي فيروس كورونا إلى خسائر تقدر بنحو 2 مليار دولار من الإيرادات الأساسية، حسب توقعات مجموعة من أصحاب شركات الطيران المصرية الخاصة، وتهديد 138 ألف وظيفة، حسبما أفاد الاتحاد الدولي للنقل الجوي. 7- تأثر قطاع السياحة بشكل شبه كامل في معظم بلاد العالم: تأثر قطاع السياحة بشكل كبير للغاية في العديد من بقاع العالم، بما في ذلك مصر وتركيا والإمارات (دبي) وفرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة، وغيرها من الدول، بسبب الحجر الصحي الذاتي وتوقف رحلات الطيران. وقد صرح بولوت باغجي، رئيس معهد منتدى السياحة العالمي في تركيا، بأن خسائر سوق السياحة العالمية قد تبلغ تريليون دولار هذا العام، حيث بلغت فعليا حتى الآن ما يقارب 600 مليار دولار، مع وجود تهديد بفقدان ما يقارب 50 مليون وظيفة في القطاع على مستوى العالم، وكذلك وجود مشكلة أخرى كبيرة تتمثل في بطء التعافي المستقبلي للقطاع حتى بعد انتهاء الأزمة بشكل كامل. وفي تركيا نفسها، تأثر قطاع السياحة بشدة، والذي يمثل نسبة لا تقل عن 10% من الاقتصاد التركي، وأغلقت العديد من الأماكن والشركات السياحية، علاوة على تسريح بعض الشركات للعاملين فيها. وعلى ناحية أخرى، كان من ضمن الأسباب التي جعلت النظام المصري يتباطأ في إعلان وجود إصابات بمصر هو الخوف على القطاع السياحي الذي يعتبره النظام مسألة أمن قومي. ومن جهته، طلب حاكم ولاية هاواي من المسافرين تأجيل رحلاتهم إلى هاواي لمدة 30 يوما، في سابقة لم تحدث من قبل في ولاية تعيش على السياحة الترفيهية، ما يشير إلى فداحة الوضع فيما يتعلق بالسياحة في أمريكا. 8- تأثر الأسواق الناشئة سلبيا بشكل كبير: مع تأثر العرض والطلب، وإغلاق الدول لحدودها، وتقلص معدلات التبادلات التجارية الدولية، علاوة على تأثير حرب أسعار النفط الجارية منذ فترة بين المملكة العربية السعودية وروسيا، وكذلك انخفاض الطلب على الطاقة المتعلق بالتباطؤ الاقتصادي الناجم عن الجائحة، تتأثر الأسواق الناشئة بشدة من هذه الأزمة، وهو ما يؤثر بدوره كذلك على الأسواق العالمية، حيث يشير صندوق النقد الدولي إلى أن نسبة مساهمة الأسواق الناشئة في الاقتصاد العالمي حاليا تصل لما يقارب 60%، وبالتالي فالتباطؤ الحادث – والمتوقع زيادته مع تفاقم الجائحة – في الأسواق الناشئة سيؤثر بدوره كذلك في الاقتصاد العالمي. 9- تقويض النظام الاقتصادي في العديد من الدول: في حالة استمرار الجائحة لفترة طويلة، مع زيادة معدلات إفلاس الشركات، وتأثر الأسواق الناشئة، وغيرها من المؤثرات الحادثة، والمتوقع تفاقمها، ربما تحدث حالة من تقويض الأنظمة الاقتصادية في العديد من الدول من قاع تلك الأنظمة لقمتها (ابتداءً من الشركات والمؤسسات المتأثرة في أسفل النظام الاقتصادي إلى أعلى هرم ذلك النظام)، لاسيما في الدول الضعيفة، والدول التي تعاني أزمات اقتصادية، بما في ذلك الدول النامية. تداعيات اجتماعية للجائحة: 1- على مستوى الحكومات: من الأمور المنتظرة اجتماعيا في الأزمات رؤية التكافل والتضامن بين فئات المجتمع من جهة، وبين المجتمعات المختلفة المتأثرة من جهة أخرى. ومع الانخراط منذ سنوات عديدة في إطار العولمة تتوقع العديد من الدول مساعدة بعضها البعض في ظل هذه الجائحة، ولكن العكس هو المسيطر حاليا على صعيد الكثير من دول العالم، فقد أظهرت الأزمة أسوأ ما عند الحكومات من سلوكيات الأنانية وانعدام التضامن، فروسيا وألمانيا منعتا تصدير أقنعة الوجه "الكمامات" وأجهزة التنفس (تمثل أجهزة التنفس أزمة كبرى للغاية في العديد من الدول ذات معدل العدوى المرتفع، وأصبحت تلك الأجهزة من المستلزمات الملحة والضرورية بها، مع وجود عجز ضخم لدى العديد من الدول على رأسها الولايات المتحدة وإيطاليا) على الرغم من كون ألمانيا عضوةً في الاتحاد الأوروبي، كما استولت فرنسا من جهتها على مخزون الكمامات كاملا من الأسواق الداخلية بها، وفعلت الصين صنيعها من قبل إبان ذروة أزمتها، لكنها تفعل العكس حاليا لتسويق نفسها كقائدة جديدة، حيث أسرعت بالاستجابة لطلب إيطاليا العاجل بشأن المعدات الطبية، كما أرسلت مساعدات لكل من إيران، وصربيا، التي وصف رئيسها التضامن الأوروبي بأنه "قصة خيالية ". 2- على مستوى المجتمع: مع ارتفاع الخسائر البشرية بشكل كبير، وارتفاع معدلات البطالة، والركود الاقتصادي غير المسبوق، قد تحدث موجات غضب شديدة، ومحاولات فوضى للحصول على مستلزمات الحياة الأساسية، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى استخدام العديد من الدول لقواتها العسكرية أو شبه العسكرية، مع احتمال بداية التفكك المجتمعي بالمواجهات الأهلية التي قد تستمر لفترات غير معروفة. 3- على مستوى الأفراد والجماعات: أ‌- المخاطر الاجتماعية المترتبة على الإجبار على العمل من المنزل، والدراسة المدرسية والجامعية عبر الإنترنت، ما سيخلق عالما افتراضيا إجباريا لملايين البشر عبر العالم، وما يترتب على ذلك من تداعيات انعدام التواصل الحقيقي، وانعزال مجتمعي على مستوى الأفراد والأسر والجماعات الإنسانية. ب‌- إغلاق الحدود ليس بين الدول فحسب، بل داخل الدولة الواحدة، لاسيما الدول الفيدرالية، وما ينتج عن ذلك مما يسميه بعض العلماء "العزلة القومية"، والتي يترتب عليها غياب التضامن الاجتماعي مع بقية الولايات أو المحافظات، وكذلك غياب التضامن مع بقع العالم الأخرى في ظل الانكفاء على الذات القومية، بل سيصبح الانكفاء على الذات البشرية المنفردة سمتا غالبا مع تفاقم الأزمة. تداعيات سياسية للجائحة: لم تتوقف التداعيات السياسية على مجرد إصابة بعض كبار الشخصيات أو المسؤولين ببعض الدول بالعدوى، ودخول آخرين حجرا صحيا اختياريا بعد مخالطتهم مسؤولين أو أقارب ثبتت إصابتهم، ولكن تعدت ذلك إلى وجود خطورة على قيام بعض الأنظمة في العديد من الدول، حيث أعدت الولايات المتحدة سبع خطط لفرض أحكام عرفية - تتخطى درجة سري للغاية - تفصل سيطرة قواتها المسلحة على الحكم في حالة تعطيل الجائحة لعمل الحكومة، حيث سيتم إخلاء الرئيس وعائلته، ووزير الدفاع وعائلته، وقادة مجلسي الشيوخ والنواب، وسيترتب على ذلك تخطي سلاسل القيادة المنصوص عليها في الدستور الأمريكي، واتخاذ القادة العسكريين لقرارات تسيير شؤون البلاد، وسيكون المسؤول وقتئذ هو قائد القيادة الأمريكية الشمالية (نورثكوم NORTHCOM) - حاليا هو الجنرال تيرانس أوشونيسي - الذي سيتم تفويضه لإدارة شؤون البلاد لحين القدرة على تنصيب زعيم مدني جديد. وفي مصر، تتزايد مخاوف النظام العسكري المسيطر على الحكم فيها مع تزايد معدلات الإصابات داخل القوات المسلحة، ووفاة لواءين على الأقل من جملة عدد من القادة العسكريين سربت قائمة بإصابتهم بالعدوى يوم 13 مارس 2020، مع ترشح زيادة عدد الإصابات والوفيات وسط ضباط وجنود القوات المسلحة، والمسؤولين المدنيين الذين خالطوهم في الفترة الماضية. من جهة أخرى، أدت الجائحة إلى إلغاء اجتماعات دولية عديدة، والاضطرار للجوء إلى عقد بعض الاجتماعات عبر الفيديو كونفرانس، علاوة على إثارة بعض الدول لنظرية المؤامرة فيما يتعلق بنشر الفيروس من أجل إضعاف دول أخرى، أو تحصيل مكاسب معينة. تداعيات أمنية واستخباراتية: 1- على مستوى الأجهزة والشركات الاستخباراتية: أ‌- تداعيات تفشي فيروس كورونا وصلت لأجهزة الاستخبارات، حيث تعاني العديد منها على مستوى العالم من عدم استطاعة القيام بالمهام المطلوبة كما كان سابقا، فعلى سبيل المثال: • تعاني "المديرية العامة للأمن الخارجي (DGSE)" [وكالة الاستخبارات الخارجية الفرنسية] عدة مشكلات، منها: وقف المديرية لحملة التوظيفات الجديدة التي كانت قد بدأتها منذ فترة، وهي عملية حيوية لها في الوقت الحالي، علاوة على إجبار عملاء المديرية على العمل من المنزل، مما صعب مهامهم، حيث يحتاجون للولوج إلى ملفات مصنفة على أنها "سرية للغاية"، ولا يستطيعون الولوج إليها سوى من أجهزة الحاسوب المتواجدة داخل مقار المديرية نفسها، بالإضافة إلى تعطل عمل "الاستخبارات البشرية (HUMINT)"، والتي تعتمد على جمع المعلومات الاستخباراتية عبر الجواسيس على الأرض، وبخاصة في البلاد التي تعاني من تفشي الوباء بشدة، بما في ذلك الصين وإيران. • ومن جهتها، بدأت "وكالة الاستخبارات الدفاعية (DIA)" الأمريكية في بث مقاطع مرئية داخلية لاختصاصيين نفسيين، في إطار محاولاتها للتغلب على بعض التداعيات النفسية، مثل التوتر والقلق، بسبب تفشي الوباء وما يحدثه من آثار وتداعيات تطال عملاء الوكالة. • كما تعاني شركات الكيان الصهيوني العاملة في مجالات الاستخبارات السيبرانية من تقلص مبيعاتها بشكل كبير، وتعليق العديد من العقود [تعتمد تلك الشركات بشكل كبير على المبيعات الخارجية]، لاسيما مبيعات وعقود خدمات ما بعد البيع الخارجية، وبخاصة مع إغلاق العديد من الدول لحدودها وتأثر اقتصاداتها، حيث تشمل العقود المعلقة خدمات ما بعد البيع للأدوات والأجهزة الحساسة. كما سرحت بعض الشركات العديد من موظفيها. وعلى ناحية أخرى، أغلقت العديد من أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية مقارها كذلك حاليا، في إطار الحد من تفشي الوباء بين منتسبيها. ب‌- تداعيات على خصوصيات الشعوب عبر الرقابة الأمنية الصارمة والجماعية: في ظل الأزمة، اتجهت عدد من الدول إلى ما يمكن أن يسمى "المراقبة الحيوية" أو المراقبة البيومترية، ومع أن الأمر لا يعتبر غريبا بالكلية من حيث توسع الدول الاستبدادية في استخدام تقنيات التعرف على الوجه وتقنيات التعرف على الصوت، كالصين مثلا، إلا أن البدء في إقرار برامج المراقبات والتتبع الأمني من قبل دول أخرى، والتوسع فيه، بحجة مراقبة الأشخاص المصابين بالعدوى قد يمثل نقطة تحول مهمة في تاريخ المراقبات الأمنية الجماعية، التي ستؤدي حتى إلى رقابة ألصق من أي وقت مضى للشعوب، ما سيعمق من الاستبداد وخنق الحريات، بما في ذلك عبر تخيير الشعوب بين الصحة والحرية. التداعيات الجيوسياسية للجائحة: كشفت الجائحة مبدئيا عن مدى هشاشة العولمة، حيث تعد سببا كبيرا في الانتشار السريع للمرض من جهة، علاوة على التسبب في تعريض الشركات والدول للصدمات بسبب الربط المباشر والكبير الحادث بين الدول والشركات، ما جعل أيا منهما يتعرض للصدمة التي تؤثر في الآخر، وكذلك اتجاه الدول للانغلاق على نفسها للحد من انتشار المرض، والذي ربما يطول أمده لفترات طويلة، ما يعكس تقويضا لأساس العولمة القائم على جعل العالم كالقرية الواحدة على صُعد مختلفة. ومع طريقة التعامل مع الأزمة على المستوى العالمي، أصبحت هناك اتجاهات تُنظّر لأثر الجائحة على النظام العالمي برمته، سواء من ناحية استمراريته كنظام، أو من ناحية تأثر مواقع القوى الكبرى المسيطرة عليه، وتبني تلك الاتجاهات تنظيرها على رؤيتها لواقع الأزمة من جهة، وعلى رؤيتها من خلال تداعيات لجوائح أو أزمات كبرى مشابهة تاريخيا من جهة أخرى. حيث يتخوف عدد من الخبراء الأمريكيين من تراجع الدور الأمريكي بشكل ملحوظ في ظل غياب سياسة واضحة للتعامل مع الأزمة من جهة، وفي ظل عدم إدراك ترامب لجوانب الأزمة من جهة ثانية، وكذلك لتراجع الإدارة الأمريكية عن التصدر لمساعدة دول أخرى لصالح دور صيني حالي يحاول سد هذه الفجوة، من جهة ثالثة. وفيما يتعلق بالنظام العالمي ككل، يدرك العديد من المسؤولين السياسيين الدوليين أهمية الاستجابة الدولية القوية للأزمة، حتى تخرج "الحوكمة الدولية" قوية من الأزمة، وإلا فسيكون مصيرها الضعف. خاتمة تتسارع وتيرة التداعيات المترتبة على تفشي فيروس كورونا المستجد، وبخاصة مع عدم وجود إشارة لانتهاء الجائحة على المدى القريب، بل على العكس، يتوقع زيادة تفشي الوباء عالميا في ظل غياب مستلزمات الوقاية، فضلا عن النقص الحاد في مستلزمات علاج الحالات المصابة، مع استحالة تطبيق العزل الكامل لأغلب سكان العالم. ومن أخطر التداعيات التي تثير مخاوف في العديد من البلدان حالات الغضب الشعبي التي يمكن أن تنشأ نتيجة التردي الشديد في الحالة الاقتصادية، وسوء إدارة الحكومات للأزمة، مع التغيرات الكبيرة التي قد تحدث في الخريطة الجيوسياسية العالمية، وفي النظام العالمي برمته.
جائحة كورونا.. تداعيات مزلزلة ومستمرة
د. هشام كمال

[حمّل العدد الجديد
bit.ly/2xIQrAg
هدية العدد
bit.ly/39zxa1h]

مع تفشي وباء "كوفيد-19 (COVID-19)"، الناتج عن فيروس كورونا المستجد، على نطاق دولي، وإعلان منظمة الصحة العالمية له كوباء عالمي في 11 مارس 2020م، تتزايد معه حدوث التداعيات ليس الصحية فحسب، بل الاقتصادية والاجتماعية والسياسية، والتي يصنفها بعض الخبراء على أنها قد تؤدي إلى إحداث تغيير جيوسياسي كبير على مستوى العالم كله، وربما ينتج عنها تغيير في النظام العالمي الحالي برمته.

بعض العوامل المتسببة في اتساع رقعة انتشار الوباء حتى الآن:
1- تعامل بعض أنظمة الدول مع المرض في بدايات انتشاره على أنه مسألة أمن قومي، بما في ذلك الصين – منبع الوباء – ومصر وإيران، ما سمح بانتشار المرض على نطاق عالمي في وقت قياسي.

2- تعامل بعض الدول باستخفاف مع المرض، بما في ذلك الولايات المتحدة الأمريكية، وإيطاليا – التي أصبحت من أكبر البؤر العالمية الحالية فيما يتعلق بانتشار ونشر المرض.

3- استمرار تعامل بعض الأنظمة الدولية بنظام الاتهامات المتبادلة، والمكايدات السياسية، ومحاولاتهم الاستفادة من الأزمة لتكريس سيادتهم عالمياً، وذلك على حساب التركيز في مكافحة الوباء.

4- العولمة، والتي انقلبت ميزاتها المتعلقة بسهولة وسرعة السفر من وإلى مختلف بلاد العالم إلى أسباب تزيد من معدل انتشار الوباء عالمياً.

5- استمرار فشل العديد من الدول على الصعيد الداخلي فيها في تطبيق نظام التباعد الاجتماعي والعزل الصحي – الاختياري والإجباري - بشكل متناسب مع سهولة انتشار الفيروس بين السكان.

6- النقص الحاد في وسائل وأدوات الكشف عن حالات الإصابة في مختلف دول العالم، وكذلك النقص الحاد في المعدات والتجهيزات الطبية اللازمة لعلاج الحالات المصابة.

7- جهل العديد من الدول – لاسيما في بداية الكشف عن المرض – بالوسائل الصحيحة للكشف عن المرض.

8- عدم وجود لقاح للوقاية من المرض، والحاجة لوقت طويل نسبياً – قد يمتد من 12 إلى 18 شهراً – لإيجاد لقاح وتصنيعه بشكل يبدأ معه منحنى تفشي الوباء في الهبوط.

التداعيات الاقتصادية للجائحة

حتى الآن، تعد التداعيات الاقتصادية للوباء أكبر التداعيات بعد خسارة الأرواح، حيث تعدت تلك التداعيات حدود الدول، ولم تقف عند دولة بعينها، مع زيادة كبيرة للآثار في الدول صاحبة معدلات الانتشار المتزايدة والواسعة للمرض.

وكان مؤتمر الأمم المتحدة للتجارة والتنمية (الأونكتاد) قد كشف في دراسة تحليلية أن الصدمة التي تتسبب بها كورونا ستؤدي إلى ركود في بعض الدول، وستخفّض النمو السنوي العالمي هذا العام إلى أقل من 2.5%، وربما تؤدي إلى عجز في الدخل العالمي بقيمة 2 تريليون دولار.

ومن التداعيات والآثار الاقتصادية:

1- زيادة معدلات البطالة بشكل كبير للغاية:

اضطرت الكثير من الشركات والمؤسسات والأعمال الصغيرة والمطاعم وأماكن تقديم الخدمات العامة والخاصة لإجبار الموظفين على العمل من المنزل في إطار المحاولات المبذولة للحد من انتشار العدوى، علاوة على الاضطرار إلى تسريح الكثير من الموظفين والعمال، وهو ما أدى إلى معدلات بطالة مرتفعة في العديد من الدول، بما في ذلك الولايات المتحدة، والتي تزداد معدلات تسجيل طلبات التأمين ضد البطالة فيها بشكل يومي، حيث سجلت الأسبوع الماضي فقط أكثر من 280 ألف طلب، بزيادة تقارب 70 ألف طلب عن الأسبوع السابق، والذي سُجّل فيه حوالي 211 ألف طلب، وقد سجلت ولاية بنسلفانيا وحدها 121 ألف طلب في الأسبوع الماضي.

وتنبع مخاوف كبيرة بالولايات المتحدة إزاء تسارع معدلات البطالة بشكل غير مسبوق (تعدت في سرعتها أزمة 2008-2009)، ما يجعل من الصعب على الخبراء التنبؤ بما ستؤول إليه الأوضاع في المستقبل، لاسيما في ظل مخاوف بشأن احتمال انهيار نظام التأمين ضد البطالة ما لم يتخذ الكونجرس إجراءات سريعة لضخ الأموال وتغيير قواعد النظام التقليدي لذلك التأمين.

ولا يتوقف الأمر بطبيعة الحال على الولايات المتحدة، فمعدلات البطالة تزيد بوتيرة كبيرة على المستوى العالمي، ومرشحة للتزايد مع تفاقم الجائحة.

2- تقلص معدلات العرض، وضعف الطلب في الأسواق بشكل كبير:
مع إغلاق المصانع والشركات وغيرها من المؤسسات، يقل المعروض من البضائع والسلع في الأسواق، ويزداد الطلب بشكل كبير في بداية الأمر، ثم يتقلص بعد ذلك لأسباب عديدة، منها ازدياد معدلات البطالة، وانخفاض القوة الشرائية مع حاجة الناس لتقليص نفقاتهم نظرا لقلة أو انعدام الدخل.

3- توقع حدوث موجات إفلاس متتالية للعديد من المصانع والشركات والمؤسسات الكبيرة والصغيرة:

والتي يمكن أن تحدث نتيجة انخفاض الطلب بشكل كبير أو انعدامه في العديد من البقع الجغرافية مع تفاقم الجائحة، وتزايد أزمة الديون، وانخفاض قيمة الأصول، لاسيما في الدول المتأثرة بشدة بانتشار العدوى، ومن المعروف أن تعرض تلك المؤسسات للإفلاس يعد من العوامل المهمة في زيادة معدلات البطالة، فهي دائرة مفرغة تدور في فلكها الأعمال التجارية والعاملون فيها. ومن جهتها، لم تستبعد دراسة الأونكتاد سالفة الذكر حدوث إفلاس واسع النطاق، والذي يمكن أن يتسبب في انهيار مفاجئ لقيم الأصول.

4- التأثر السلبي لسلاسل الإمداد لكثير من المنتجات بشكل كبير:

ويأتي هذا التأثر كنتيجة كبرى للعولمة في المجال الاقتصادي، حيث أدت العولمة إلى خلق حالة من التخصصية المفرطة على مستوى العالم، وأصبح المنتج الواحد، يُصنَّع في أكثر من دولة، سواء في مصانع تابعة لشركة واحدة تتواجد أماكن إنتاجها وتوريدها في عدة دول، أو في عدة شركات متفرقة في عدة دول.

وكمثال على ذلك: تأثر إنتاج العديد من طرازات السيارات الأوروبية في الفترة السابقة بإغلاق مصنع تابع للشركة الإيطالية "إم تي أيه أدفانسيد أوتوموتيف سوليوشنز MTA Advanced Automotive Solutions"- المتخصصة في إنتاج إلكترونيات حيوية لازمة لتشغيل سيارات رينو، وبيجو، وبي إم دبليو، وجاكوار، ولاندروفر - في شنغهاي في الصين إبان معدلات الانتشار الواسعة للوباء فيها، ثم بعد حلول 17 فبراير وإعادة فتح المصنع، تم إغلاق مصنع الشركة في إيطاليا بعد ضرب الوباء لها، ما تسبب في توقف أكبر سلسلة توريد لإلكترونيات السيارات في غرب أوروبا.

كما حدث نقص حاد في سلسلة إمداد الكواشف المستخدمة في تشخيص "كوفيد-19" على المستوى العالمي، بسبب عدم استطاعة الشركتين المتخصصتين في إنتاج وتصنيع هذه الكواشف، وهما شركتا "روش Roche" السويسرية، و"كياجن Qiagen" الهولندية (استحوذت عليها حاليا الشركة الأمريكية "ثيرمو فيشر ساينتيفيك [Thermo Fisher Scientific])، في تلبية الطلب العالمي المتزايد على خلفية تسارع معدل انتشار الوباء.

وكذلك حدث نقص في سلسلة الإمدادات الخاصة بأجهزة الحاسوب، حيث قل إنتاج أجهزة الحاسوب المحمولة بنسبة 50% في فبراير، وتقلص كذلك إنتاج الهواتف الذكية بنسبة 12%، علاوة على إشارة "منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية (OECD)" بأن انخفاض الإنتاج في الصين له آثار غير مباشرة في جميع أنحاء العالم، نظرا لدور الصين في إنتاج أجهزة الحاسوب والإلكترونيات والأدوية ومعدات النقل، وكونها مصدرا أساسيا للطلب على العديد من السلع.

ولعل الأهمية الكبيرة لسلاسل الإمداد في ظل العولمة هو ما حدا بمسؤولين دبلوماسيين دوليين إلى التأكيد على ضرورة الحفاظ على العلاقات الاقتصادية العالمية من جهة، وضرورة التعاون لإبقاء سلاسل الإمداد والتوريد مفتوحة، وعدم تعريضها للكسر.

5- مخاوف من انهيار سعر النفط:

وهو الهاجس المسيطر على كثير من الأسواق العالمية، والذي طغى في بعض البلدان على المخاوف الصحية، ما يشير إلى كونه عاملا مثيرا للقلق والذعر، وهو ما يؤدي كذلك إلى صعوبة التنبؤ بحالة الأسواق. ومن المتوقع تبعا لذلك أن تتأثر الدول المصدرة للنفط بشكل كبير، حيث يمكن أن تفقد تقدر بأكثر من 1% من نموها.

6- تأثر قطاع الطيران على مستوى العالم:

مع الوقف الإجباري لمعظم رحلات الطيران من وإلى العديد من دول العالم، وكذلك الرحلات الداخلية في كثير من الدول، تتفاقم أزمة شركات الطيران، حيث توقع "الاتحاد الدولي للنقل الجوي (إياتا، IATA)" انخفاض إيرادات قطاع الطيران على المستوى الدولي لعام 2020 بما يقارب 250 مليار دولار، كما يتوقع مركز (CAPA) للطيران الاستشاري إفلاس معظم شركات الطيران في العالم - والتي قامت بتسريح أعداد كبيرة من العاملين بها - بحلول مايو 2020 في حال استمرار الأزمة وعدم تدخل الحكومات لدعم شركات الطيران.

وعلى ناحية أخرى، خسرت شركات الطيران في الشرق الأوسط إيرادات بقيمة 7.2 مليارات دولار. وفيما يتعلق بمصر، قد يؤدي فيروس كورونا إلى خسائر تقدر بنحو 2 مليار دولار من الإيرادات الأساسية، حسب توقعات مجموعة من أصحاب شركات الطيران المصرية الخاصة، وتهديد 138 ألف وظيفة، حسبما أفاد الاتحاد الدولي للنقل الجوي.

7- تأثر قطاع السياحة بشكل شبه كامل في معظم بلاد العالم:

تأثر قطاع السياحة بشكل كبير للغاية في العديد من بقاع العالم، بما في ذلك مصر وتركيا والإمارات (دبي) وفرنسا وإيطاليا والولايات المتحدة، وغيرها من الدول، بسبب الحجر الصحي الذاتي وتوقف رحلات الطيران. وقد صرح بولوت باغجي، رئيس معهد منتدى السياحة العالمي في تركيا، بأن خسائر سوق السياحة العالمية قد تبلغ تريليون دولار هذا العام، حيث بلغت فعليا حتى الآن ما يقارب 600 مليار دولار، مع وجود تهديد بفقدان ما يقارب 50 مليون وظيفة في القطاع على مستوى العالم، وكذلك وجود مشكلة أخرى كبيرة تتمثل في بطء التعافي المستقبلي للقطاع حتى بعد انتهاء الأزمة بشكل كامل.

وفي تركيا نفسها، تأثر قطاع السياحة بشدة، والذي يمثل نسبة لا تقل عن 10% من الاقتصاد التركي، وأغلقت العديد من الأماكن والشركات السياحية، علاوة على تسريح بعض الشركات للعاملين فيها.

وعلى ناحية أخرى، كان من ضمن الأسباب التي جعلت النظام المصري يتباطأ في إعلان وجود إصابات بمصر هو الخوف على القطاع السياحي الذي يعتبره النظام مسألة أمن قومي.

ومن جهته، طلب حاكم ولاية هاواي من المسافرين تأجيل رحلاتهم إلى هاواي لمدة 30 يوما، في سابقة لم تحدث من قبل في ولاية تعيش على السياحة الترفيهية، ما يشير إلى فداحة الوضع فيما يتعلق بالسياحة في أمريكا.

8- تأثر الأسواق الناشئة سلبيا بشكل كبير:

مع تأثر العرض والطلب، وإغلاق الدول لحدودها، وتقلص معدلات التبادلات التجارية الدولية، علاوة على تأثير حرب أسعار النفط الجارية منذ فترة بين المملكة العربية السعودية وروسيا، وكذلك انخفاض الطلب على الطاقة المتعلق بالتباطؤ الاقتصادي الناجم عن الجائحة، تتأثر الأسواق الناشئة بشدة من هذه الأزمة، وهو ما يؤثر بدوره كذلك على الأسواق العالمية، حيث يشير صندوق النقد الدولي إلى أن نسبة مساهمة الأسواق الناشئة في الاقتصاد العالمي حاليا تصل لما يقارب 60%، وبالتالي فالتباطؤ الحادث – والمتوقع زيادته مع تفاقم الجائحة – في الأسواق الناشئة سيؤثر بدوره كذلك في الاقتصاد العالمي.

9- تقويض النظام الاقتصادي في العديد من الدول:

في حالة استمرار الجائحة لفترة طويلة، مع زيادة معدلات إفلاس الشركات، وتأثر الأسواق الناشئة، وغيرها من المؤثرات الحادثة، والمتوقع تفاقمها، ربما تحدث حالة من تقويض الأنظمة الاقتصادية في العديد من الدول من قاع تلك الأنظمة لقمتها (ابتداءً من الشركات والمؤسسات المتأثرة في أسفل النظام الاقتصادي إلى أعلى هرم ذلك النظام)، لاسيما في الدول الضعيفة، والدول التي تعاني أزمات اقتصادية، بما في ذلك الدول النامية.

تداعيات اجتماعية للجائحة:

1- على مستوى الحكومات:

من الأمور المنتظرة اجتماعيا في الأزمات رؤية التكافل والتضامن بين فئات المجتمع من جهة، وبين المجتمعات المختلفة المتأثرة من جهة أخرى. ومع الانخراط منذ سنوات عديدة في إطار العولمة تتوقع العديد من الدول مساعدة بعضها البعض في ظل هذه الجائحة، ولكن العكس هو المسيطر حاليا على صعيد الكثير من دول العالم، فقد أظهرت الأزمة أسوأ ما عند الحكومات من سلوكيات الأنانية وانعدام التضامن، فروسيا وألمانيا منعتا تصدير أقنعة الوجه "الكمامات" وأجهزة التنفس (تمثل أجهزة التنفس أزمة كبرى للغاية في العديد من الدول ذات معدل العدوى المرتفع، وأصبحت تلك الأجهزة من المستلزمات الملحة والضرورية بها، مع وجود عجز ضخم لدى العديد من الدول على رأسها الولايات المتحدة وإيطاليا) على الرغم من كون ألمانيا عضوةً في الاتحاد الأوروبي، كما استولت فرنسا من جهتها على مخزون الكمامات كاملا من الأسواق الداخلية بها، وفعلت الصين صنيعها من قبل إبان ذروة أزمتها، لكنها تفعل العكس حاليا لتسويق نفسها كقائدة جديدة، حيث أسرعت بالاستجابة لطلب إيطاليا العاجل بشأن المعدات الطبية، كما أرسلت مساعدات لكل من إيران، وصربيا، التي وصف رئيسها التضامن الأوروبي بأنه "قصة خيالية ".

2- على مستوى المجتمع:

مع ارتفاع الخسائر البشرية بشكل كبير، وارتفاع معدلات البطالة، والركود الاقتصادي غير المسبوق، قد تحدث موجات غضب شديدة، ومحاولات فوضى للحصول على مستلزمات الحياة الأساسية، وهو ما يمكن أن يؤدي إلى استخدام العديد من الدول لقواتها العسكرية أو شبه العسكرية، مع احتمال بداية التفكك المجتمعي بالمواجهات الأهلية التي قد تستمر لفترات غير معروفة.

3- على مستوى الأفراد والجماعات:

أ‌- المخاطر الاجتماعية المترتبة على الإجبار على العمل من المنزل، والدراسة المدرسية والجامعية عبر الإنترنت، ما سيخلق عالما افتراضيا إجباريا لملايين البشر عبر العالم، وما يترتب على ذلك من تداعيات انعدام التواصل الحقيقي، وانعزال مجتمعي على مستوى الأفراد والأسر والجماعات الإنسانية.

ب‌- إغلاق الحدود ليس بين الدول فحسب، بل داخل الدولة الواحدة، لاسيما الدول الفيدرالية، وما ينتج عن ذلك مما يسميه بعض العلماء "العزلة القومية"، والتي يترتب عليها غياب التضامن الاجتماعي مع بقية الولايات أو المحافظات، وكذلك غياب التضامن مع بقع العالم الأخرى في ظل الانكفاء على الذات القومية، بل سيصبح الانكفاء على الذات البشرية المنفردة سمتا غالبا مع تفاقم الأزمة.

تداعيات سياسية للجائحة:

لم تتوقف التداعيات السياسية على مجرد إصابة بعض كبار الشخصيات أو المسؤولين ببعض الدول بالعدوى، ودخول آخرين حجرا صحيا اختياريا بعد مخالطتهم مسؤولين أو أقارب ثبتت إصابتهم، ولكن تعدت ذلك إلى وجود خطورة على قيام بعض الأنظمة في العديد من الدول، حيث أعدت الولايات المتحدة سبع خطط لفرض أحكام عرفية - تتخطى درجة سري للغاية - تفصل سيطرة قواتها المسلحة على الحكم في حالة تعطيل الجائحة لعمل الحكومة، حيث سيتم إخلاء الرئيس وعائلته، ووزير الدفاع وعائلته، وقادة مجلسي الشيوخ والنواب، وسيترتب على ذلك تخطي سلاسل القيادة المنصوص عليها في الدستور الأمريكي، واتخاذ القادة العسكريين لقرارات تسيير شؤون البلاد، وسيكون المسؤول وقتئذ هو قائد القيادة الأمريكية الشمالية (نورثكوم NORTHCOM) - حاليا هو الجنرال تيرانس أوشونيسي - الذي سيتم تفويضه لإدارة شؤون البلاد لحين القدرة على تنصيب زعيم مدني جديد.

وفي مصر، تتزايد مخاوف النظام العسكري المسيطر على الحكم فيها مع تزايد معدلات الإصابات داخل القوات المسلحة، ووفاة لواءين على الأقل من جملة عدد من القادة العسكريين سربت قائمة بإصابتهم بالعدوى يوم 13 مارس 2020، مع ترشح زيادة عدد الإصابات والوفيات وسط ضباط وجنود القوات المسلحة، والمسؤولين المدنيين الذين خالطوهم في الفترة الماضية.
من جهة أخرى، أدت الجائحة إلى إلغاء اجتماعات دولية عديدة، والاضطرار للجوء إلى عقد بعض الاجتماعات عبر الفيديو كونفرانس، علاوة على إثارة بعض الدول لنظرية المؤامرة فيما يتعلق بنشر الفيروس من أجل إضعاف دول أخرى، أو تحصيل مكاسب معينة.

تداعيات أمنية واستخباراتية:

1- على مستوى الأجهزة والشركات الاستخباراتية:

أ‌- تداعيات تفشي فيروس كورونا وصلت لأجهزة الاستخبارات، حيث تعاني العديد منها على مستوى العالم من عدم استطاعة القيام بالمهام المطلوبة كما كان سابقا، فعلى سبيل المثال:

• تعاني "المديرية العامة للأمن الخارجي (DGSE)" [وكالة الاستخبارات الخارجية الفرنسية] عدة مشكلات، منها: وقف المديرية لحملة التوظيفات الجديدة التي كانت قد بدأتها منذ فترة، وهي عملية حيوية لها في الوقت الحالي، علاوة على إجبار عملاء المديرية على العمل من المنزل، مما صعب مهامهم، حيث يحتاجون للولوج إلى ملفات مصنفة على أنها "سرية للغاية"، ولا يستطيعون الولوج إليها سوى من أجهزة الحاسوب المتواجدة داخل مقار المديرية نفسها، بالإضافة إلى تعطل عمل "الاستخبارات البشرية (HUMINT)"، والتي تعتمد على جمع المعلومات الاستخباراتية عبر الجواسيس على الأرض، وبخاصة في البلاد التي تعاني من تفشي الوباء بشدة، بما في ذلك الصين وإيران.

• ومن جهتها، بدأت "وكالة الاستخبارات الدفاعية (DIA)" الأمريكية في بث مقاطع مرئية داخلية لاختصاصيين نفسيين، في إطار محاولاتها للتغلب على بعض التداعيات النفسية، مثل التوتر والقلق، بسبب تفشي الوباء وما يحدثه من آثار وتداعيات تطال عملاء الوكالة.

• كما تعاني شركات الكيان الصهيوني العاملة في مجالات الاستخبارات السيبرانية من تقلص مبيعاتها بشكل كبير، وتعليق العديد من العقود [تعتمد تلك الشركات بشكل كبير على المبيعات الخارجية]، لاسيما مبيعات وعقود خدمات ما بعد البيع الخارجية، وبخاصة مع إغلاق العديد من الدول لحدودها وتأثر اقتصاداتها، حيث تشمل العقود المعلقة خدمات ما بعد البيع للأدوات والأجهزة الحساسة. كما سرحت بعض الشركات العديد من موظفيها. وعلى ناحية أخرى، أغلقت العديد من أجهزة الاستخبارات الإسرائيلية مقارها كذلك حاليا، في إطار الحد من تفشي الوباء بين منتسبيها.

ب‌- تداعيات على خصوصيات الشعوب عبر الرقابة الأمنية الصارمة والجماعية:

في ظل الأزمة، اتجهت عدد من الدول إلى ما يمكن أن يسمى "المراقبة الحيوية" أو المراقبة البيومترية، ومع أن الأمر لا يعتبر غريبا بالكلية من حيث توسع الدول الاستبدادية في استخدام تقنيات التعرف على الوجه وتقنيات التعرف على الصوت، كالصين مثلا، إلا أن البدء في إقرار برامج المراقبات والتتبع الأمني من قبل دول أخرى، والتوسع فيه، بحجة مراقبة الأشخاص المصابين بالعدوى قد يمثل نقطة تحول مهمة في تاريخ المراقبات الأمنية الجماعية، التي ستؤدي حتى إلى رقابة ألصق من أي وقت مضى للشعوب، ما سيعمق من الاستبداد وخنق الحريات، بما في ذلك عبر تخيير الشعوب بين الصحة والحرية.

التداعيات الجيوسياسية للجائحة:

كشفت الجائحة مبدئيا عن مدى هشاشة العولمة، حيث تعد سببا كبيرا في الانتشار السريع للمرض من جهة، علاوة على التسبب في تعريض الشركات والدول للصدمات بسبب الربط المباشر والكبير الحادث بين الدول والشركات، ما جعل أيا منهما يتعرض للصدمة التي تؤثر في الآخر، وكذلك اتجاه الدول للانغلاق على نفسها للحد من انتشار المرض، والذي ربما يطول أمده لفترات طويلة، ما يعكس تقويضا لأساس العولمة القائم على جعل العالم كالقرية الواحدة على صُعد مختلفة.

ومع طريقة التعامل مع الأزمة على المستوى العالمي، أصبحت هناك اتجاهات تُنظّر لأثر الجائحة على النظام العالمي برمته، سواء من ناحية استمراريته كنظام، أو من ناحية تأثر مواقع القوى الكبرى المسيطرة عليه، وتبني تلك الاتجاهات تنظيرها على رؤيتها لواقع الأزمة من جهة، وعلى رؤيتها من خلال تداعيات لجوائح أو أزمات كبرى مشابهة تاريخيا من جهة أخرى. حيث يتخوف عدد من الخبراء الأمريكيين من تراجع الدور الأمريكي بشكل ملحوظ في ظل غياب سياسة واضحة للتعامل مع الأزمة من جهة، وفي ظل عدم إدراك ترامب لجوانب الأزمة من جهة ثانية، وكذلك لتراجع الإدارة الأمريكية عن التصدر لمساعدة دول أخرى لصالح دور صيني حالي يحاول سد هذه الفجوة، من جهة ثالثة.

وفيما يتعلق بالنظام العالمي ككل، يدرك العديد من المسؤولين السياسيين الدوليين أهمية الاستجابة الدولية القوية للأزمة، حتى تخرج "الحوكمة الدولية" قوية من الأزمة، وإلا فسيكون مصيرها الضعف.

خاتمة

تتسارع وتيرة التداعيات المترتبة على تفشي فيروس كورونا المستجد، وبخاصة مع عدم وجود إشارة لانتهاء الجائحة على المدى القريب، بل على العكس، يتوقع زيادة تفشي الوباء عالميا في ظل غياب مستلزمات الوقاية، فضلا عن النقص الحاد في مستلزمات علاج الحالات المصابة، مع استحالة تطبيق العزل الكامل لأغلب سكان العالم. ومن أخطر التداعيات التي تثير مخاوف في العديد من البلدان حالات الغضب الشعبي التي يمكن أن تنشأ نتيجة التردي الشديد في الحالة الاقتصادية، وسوء إدارة الحكومات للأزمة، مع التغيرات الكبيرة التي قد تحدث في الخريطة الجيوسياسية العالمية، وفي النظام العالمي برمته.
‏٠٧‏/٠٤‏/٢٠٢٠ ١٠:٠٩ م‏
وكم في "كورورنا" من فوائد وعظات! افتتاحية العدد الجديد بقلم @[197322086977388:274:محمد إلهامي] 🔴 حمّل العدد الجديد bit.ly/2xIQrAg 🔴 هدية العدد bit.ly/39zxa1h أليس من العسير أن يجد الكاتب شيئا يكتبه في أمرٍ يتكلم فيه العالم كله؟ بلى هو كذلك.. إلا أن الذي يُهَوِّن الأمر قليلاً هو تنوع الهموم، فكلٌّ يُغني على ليلاه، وكلٌّ يلتمس من الأحداث ما يجد فيه سلواه أو يجد فيه هداه.. وهذه سطور مسلم في زمن القهر والهزيمة، قد أظلته جائحة كورونا، ففيها من الهمَّ والشجوى ومن الدرس والعبرة ما لا يراه من لم يكن كذلك! وهي –وإن طالت- مختصرة مجملة، فإن ظننتَ أن فيها سطحية مبتذلة، فكرِّر النظر وأعد التأمل، فقد أودعتها خلاصة نظر طويل، فإن تبينت المعنى ثم أنكرته فلا تثريب عليك، التثريب ألا تتبيّنه ثم تسارع مستنكراً. (1) كيف يكون الهول الأعظم إذا كان هذا هو ارتياع العالم من فيروس لا يُرى، ولا يقتل في الحال، بل وقد تعافى منه كثيرٌ ممن أصيبوا به؟ كيف سيكون حال الناس حين تتزلزل الأرض وتنشق السماء وتنتثر الجبال وتُحشَر الوحوش وتهيج البحار وينقلب حال الأرض كله هولاً عظيماً؟! ذلك الذي يخوف الله به عباده.. (حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت، وظنَّ أهلها أنهم قادرون عليها، أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس) لقد كان الله حاضراً وخالقاً ومدبراً في كل لحظة، هو الذي خلق البذرة وخلق الماء وخلق الأرض ووضع في كل ذلك قوانين الزرع والنماء، فلما جاء الإنسان فبذر وسقى فخرج له زرعه ناضراً زاهياً، ظنَّ أنه الذي فعل هذا كله، وظنَّ أنه المتحكم فيه القادر عليه، فإذا به تأتيه العاصفة فتقلب له أرضه وزرعه، وتقلب معها تصوراته وأفكاره، وتفضح ضعفه وعجزه! وما أشبه هذا بحال البشرية اليوم، تلك التي صار العلم فيها يُعبَد من دون الله، حتى ليُقال عن شيء فرضه الله صراحة "لا نؤمن به حتى يثبته العلم"، أو عن شيء حرَّمه الله صراحة "لا نكفّ عنه حتى يثبت العلم ضرره"، حتى هذا الخسوف والكسوف يثير صخب العلمويين حتى يسخروا ممن يهرع إلى الصلاة، لسان حالهم: تلك آية من آيات العلم لا من آيات الله! وغداً بعد زوال هذه الجائحة، وسواءٌ أزالتْ بأمر الله من تلقاء نفسها، أو زالت بأمر الله بأن هدى بعض عباده لدوائها، سيرجع إلينا أولئك العلمويون ليقولوا: انتصر العلم!.. وهكذا حتى تأتيهم عاصفة أخرى تفضح ضعفهم وعجزهم، ويحق فيهم قوله تعالى: (أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون)، وقوله تعالى (وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون)، وقوله تعالى (إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم). (2) آمن الناس بكورونا، ولم يؤمنوا برب كورورنا.. مع أنهم لم يروه جهرة، ولا سمعوا له صوتاً ولا أنزل لهم كتاباً ولا أرسل إليهم رسولاً، وما هو إلا أن أخبرهم الأطباء به، ثم أبصروا آثاره في بعضٍ منهم.. هذا الذي يثير الحرارة ويصيب بالصداع والغثيان وينشب في الرئة صار حقيقة لا شك فيه! وأما الذي خلق الرأس والحرارة والرئة والبدن وكورونا نفسه فلا يزالون يتجادلون فيه!! لقد راوغ الملحدون كل مراوغة في التماس طريقة يثبتون بها الخلق دون الاضطرار إلى الإيمان بالخالق، فتحدثوا عن الصدفة، وعن التطور، وعن غيرها من الأسباب، بل جادلوا في قانون السببية نفسه، حتى صار يصحّ في عقول كثيرين منهم أن هذا الكون العظيم الرهيب، بل هذه الخلية الواحدة المعقدة ليس لها خالق، أو أن خالقها قد تركها (أي: خلقها عبثاً) كصانع الساعة الذي يضبط حركتها ثم يتركها.. وفاضت في هذا كتب وهلكت فيه أعمار وشغلت فيه ساعات من التلفاز والمسرح وأنواع الفنون. فمن ذا يصدق الآن رجلاً يزعم أن كورونا ليس موجوداً، وأن الذين أصيبوا به إنما هم أناس ارتفعت حرارتهم وانهار تنفسهم بمحض الصدفة، لظروف خاصة شملت المصابين به عبر العالم، وأن انتشاره لا ينتقل بالعدوى بل انبثق من تلقاء نفسه في جسد كل مصاب، وأنها مجرد مؤامرة من الأطباء الكذابين الذين يستغلون خوف الناس من المجهول بغرض طلب الزعامة لأنفسهم؟! هذا الذي قيل في الله وقيل عن رسله، مع أن الدلائل التي ساقها الله في كتابه المسطور وفي كونه المنظور، والتي جاء بها رسله، لم يأت بمثلها الأطباء عن كورونا، وإنما هم لا يزالون يكتشفون ويتبينون ويبحثون ويفحصون.. لكن الذين في قلوبهم مرض، كفروا بالله وكذبوا رسله، وآمنوا بكورونا وصدقوا الأطباء! (3) أخبرنا الأطباء أن اسمه: كورونا (المستجد).. هل يكون من الدروشة أن يذكرنا هذا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "وما فشت الفاحشة في قوم فأذاعوا بها إلا ابتلاهم الله بالأوجاع والأسقام التي لم تكن في أسلافهم"؟! نعم، سيكون هذا من الدروشة والخرافة عند من يؤمن بالعلم، ذلك الذي لا يرى سبباً منطقياً واضحاً للربط بين انتشار الزنا والمجاهرة به وبين ظهور الأوبئة الجديدة.. ولكن مهلاً: ما هو العلم؟! أليس هذا العلم نفسه هو الذي لم يكن يعرف أن أكل الخفافيش والقطط والكلاب قد يسبب هذا النوع من الأمراض؟ بلى، هو على الأقل العلم الذي لم يقطع بعد بالسبب الذي انتقل به الفيروس من الحيوانات إلى البشر.. فلا زال العلم يكتشف، وقد تكاثرت علينا أقوال "العلماء" حتى اضطربت وتناقضت! لا بأس إذن.. إذا عرفنا أن العلم لم يبلغ من الإحاطة بالأمور ما يعصمنا به من الأضرار، فلماذا يُصِرُّ بعضهم على عدّه مصدراً وحيداً للمعرفة، ومعياراً وحيداً للحكم على الأمور؟! إن في تاريخنا رجلاً أميًّا وجَّه أتباعه قبل نحو ألف وخمسمائة عام إلى تصرف الحجر الصحي حين ينزل الوباء في بلد ما، وفرض عليهم التطهر بالماء خمس مرات في اليوم في بيئة صحراوية الماء فيها عزيز نادر، ووجَّههم إلى غسل أيديهم عند الاستيقاظ من النوم "فلا تدري أين باتت يدك"، ووجههم إلى استعمال اليد اليمنى في المأكل والمشرب والطهور واستعمال اليسرى لمعالجة الأذى، ونهاهم عن الشرب من في السقاء، وعن التنفس في الإناء، وعن ترك الآنية مفتوحة مكشوفة، ونهاهم عن أكل الميتة والدم وأكل لحم الخنزير والكلاب وذوات المخالب والأنياب، وعن البول في موارد الماء، وعن إنقاص الماء أو تغويره.. وقد بُنِيت على هذه التوجيهات أساطيل من الفقه المكتوب الذي يرقى الآن لأكثر مما يوصي به هذا "العلم الحديث"! إذا كان رجلٌ أميٌّ قبل خمسة عشر قرنا قد قال بهذا كله.. أليس من العلم نفسه أن يُعد مصدراً للمعرفة؟! إن لم يكن إيماناً بأنه رسول الله فعلى الأقل وقوفاً أمام هذه الظاهرة العجيبة لهذا الحكيم العبقري الذي سبق العصور وخرق الأزمان وتفوق على العلوم؟ إنما هو أمرٌ قاله الله في كتابه بهذه البساطة الـمُعجزة المبهرة: (قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا، قل: آلله أذن لكم؟ أم على الله تفترون؟).. هذه الآية تطرح على البشرية كلها سؤال: مصدر المعرفة؟ من الذي يملك أن يقول هذا حلال فكلوه وهذا حرام فاجتنبوه؟ من الذي يستطيع أن يهدي إلى الحق؟ اسمع قول الله تعالى (قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق؟ قل: الله يهدي للحق، أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يُتَّبَع أم من لا يَهِدِّي إلا أن يُهدى؟ فما لكم كيف تحكمون؟) وإذن، فإذا كان العلم لا زال يكتشف ويبحث ويحاول الربط بين الظواهر بوسائله التي لا تزال قاصرة غير قادرة على أن تعصمنا من الضرر، ثم إذا كان هذا علم رجل أمي قبل خمسة عشر قرناً.. فما الذي يجعل قول هذا الرجل الأمي عن انتشار الفاحشة وإذاعتها وكونه سبباً في ظهور الأوبئة محتاجاً إلى ختمٍ علمي كي يُعتمد ويُتَّبَع؟! ولو تنزلنا وسلَّمنا جدلاً وفرضاً بموقف العلمويين هذا، فأيهما أحسن للإنسان وأحسن للناس جميعاً: رجل يتبع النبي محمداً صلى الله عليه وسلم فإذا أصابه الطاعون اعتزل في بيته محتسباً عند الله أجر الشهيد؟ أم رجل اتبع العلم فلم يجد عنده مؤنساً من اليأس ولا ترغيباً في أجر ولا رادعاً من عقوبة فخرج يترك لعابه على الأبواب والمتاجر والمصاعد والمواصلات يريد أن ينشر المرض بين الناس عامداً، لسان حاله يقول: إذا متُّ ظمآنًا فلا نزل القَطْر؟! أيهما أحسن للمرء ولبني الإنسان كلهم؟ (4) بدأ كورورنا في الصين، وعلى نحو ما هو معروف للجميع فإن الصين قد سكّتت وصمتت وحاربت من يتكلم عنه خشيةً على تجارتها واقتصادها حتى فشا فيها المرض، ثم فشا في بقية البلاد، فاستيقظ العالم وإذا بالمرض قد انتشر فيه جميعاً.. وتحاول الصين الآن أن تهرع لمساعدة البلاد المنكوبة بما تستطيع، وهي تجد تجهماً وهجوماً شرساً عليها وعلى ما تسببت فيه جراء طغيانها وقهرها وكبتها وغموضها وتعميتها على العالم بشأن المرض، والآن هي اللحظة المثلى لكل ديمقراطي ليبرالي أن يتكلم عن الخطر الشديد الذي تسببه دولة ديكتاتورية شمولية لا على نفسها بل على العالم كله، وأن العالم كله يدفع ثمن وجود نظام ديكتاتوري واحد. ونحن معه في هذا ونُسَلِّم له به.. ها هو العالم كله يذوق ويلات قبوله وسكوته على وجود نظام طغياني جبار، تسبب بسياسته غير الشفافة هذه في قتل آلاف البشر على بعد آلاف الأميال! ولو عاد الزمن بأكثر الموتى وأهاليهم، وعلموا شيئاً من أمر الغيب، لكنت ترى أن محاربة الصين وتغيير نظامها ولو بالقوة هو عمل ينبغي أن يكون على رأس أولويات العالم.. مهلاً لحظة.. أراهم هنا يتحدثون عن "جهاد الطلب".. أليس كذلك؟! أليس جهاد الطلب نفسه هو مطاردة الظلم والطغيان والشر في عقر داره، بلا احترام لمعنى السيادة على شعبه؟! نعم.. نعم، أعرف أن الأمة الآن لا تحلم بجهاد الطلب بل هي عاجزة عن جهاد الدفع، وأنا أكتب لكم هذه السطور من موقعي كلاجئ مشرد، لا يدري هل يُسْجن غداً أو يُقْتَل بعد غد.. نعم، أعرف هذا.. وأعرف معه أيضاً أننا ينبغي أن نفهم ديننا ونستوعب معانيه لا أن نسارع لرفضها واستنكارها لأنها لا توافق الذوق السياسي المعاصر، فإذا فهمنا ديننا افتخرنا به، وذلك أول طريق العزة.. فالظاهرة التاريخية –كما يقول ريتشارد كوك وكريس سميث في كتابهما: انتحار الغرب- أن كل الذين غيروا العالم إنما هم الذين اعتقدوا في أنفسهم القدرة على إنقاذه. وها قد جئت بالمعنى من قول الكافرين، لأني أعرف أن نفوساً لن تستوعبه إذا قلته من كتاب رب العالمين (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)! لقد أخبرنا ربنا أن عقابه حين ينزل لا يصيب الظالمين وحدهم، بل يشمل معهم المظلومين (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة)، قال ابن عباس: "أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله بالعذاب". وصوَّر لنا نبينا هذا الوضع أجمل وأشمل ما يكون التصوير، وذلك في حديث السفينة المشهور، وفيه أن الذين في أعلى السفينة لو تركوا الذين في أسفلها يتصرفون على هواهم ويخرقون السفينة فإنهم يهلكون جميعاً، فأما إذا تصدوا لهم (ولم يحترموا حريتهم في التصرف في نصيبهم!!) فإنهم ينجون جميعا!.. واقرأ هذه المعاني في أساليب متنوعة في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي باب الجهاد. هذه الآيات وأمثالها، وهذه الأحاديث وأمثالها كانت تأسيساً لثورة المسلمين على الطغاة منهم، وعلى الطغاة من غيرهم، من هنا كانت مطاردة المسلمين للمنكر في الأرض كلها رحمة للعالمين، جهاداً في سبيل الله، وقد أحسن الأستاذ الراحل جلال كشك حيث قال: "الجهاد ثورتنا الدائمة"! (5) انقلب حال العالم، ومكث الناس في بيوتهم، وتعطلت الطائرات والاجتماعات وحتى الحفلات ومباريات الكرة.. يخاف الإنسان من الموت (وجاءت سكرة الموت بالحق، ذلك ما كنتَ منه تحيد). وها قد ظهر لكلٍّ منا أن كثيراً من الأمور يملك أن يتخلى عنها، بعضها هين وبعضها مع نوع من الألم والمعاناة، إلا أن خطر المرض الذي يُحتمل معه الموت أكبر من ألم الترك. يشبه هذا مشهداً قديماً.. مشهد المدينة المنورة حين نزل أمر الله بترك الخمر، فإذا بأزقة المدينة تسيل بالخمر التي كسَر المسلمون أوانيها. وكذا مشهدها حين نزل أمر الله بحجاب النساء فكانت النساء تشققن مروطهن فيحتجبن بها.. إلا أن أسلافنا من الصحابة الأجلاء لم يكونوا يخشون من الموت، بل كانوا يخشون النار.. كانت الخمر عادة عربية راسخة، وكذا كانت ثياب النساء.. وانتهى هذا حين كان داعي التغيير أقوى من داعي العادة والميل والشهوة، سيظل هناك من يذنب ويعصي في كل الأحوال (كما سيظل في الناس من يخترق حظر التجول بالتأكيد)، لكن هذا هو الشذوذ النادر وليس هو الأصل العام. إذن نستطيع، ويستطيع الناس، في ظروف ليس بالهائلة المريعة أن تنقلب حياتهم.. ونحن نرى هذا بأنفسنا في أنفسنا حين يأتي رمضان، ينقلب شأن اليوم كله، فإذا بالطعام –وهو أرسخ العادات كلها- نتحمل الحرمان منه وانقلاب مواعيده، ذلك أن داعي طاعة الله وصوم الشهر الكريم أكبر في نفوسنا من ألم الجوع في النهار. إن شهواتنا تحبس قدراتنا وطاقاتنا وإمكانياتنا، تحرمها من الظهور والنمو والفعالية.. وإن أطماعنا في الحياة والأموال والرفاهية تثقلنا وتعوق حركتنا، ولذلك فطن الإمام ابن حجر إلى أن من فضل الطاعون "تقصير الآمال، وتحسين الأعمال، واليقظة من الغفلة، والتزود للرحلة". على أننا مهما حاولنا تذكير أنفسنا بهذه المعاني فلن نفلح في أن نعيشها، وليس يعيشها إلا المجاهدون، أولئك الذين يقترب الموت منهم في كل لحظة، فالواحد منهم متخفف من دنياه مقبل على آخرته، قصير الأمل قليل الطمع.. ولعل هذا من معاني كون الجهاد "ذروة سنام الإسلام"، إذ هو يرفع صاحبه ليكون في ذروة اليقظة وذروة الاستعداد. (6) بدا العالم وكأنه هشٌّ في مواجهة انتشار كورونا، المنظومات الصحية في الدول الغربية "المتقدمة" تضطرب وتفقد توازنها.. وظهرت طبيعة الدول التي لا تحفل بشأن الأخلاق، وتكرر استيلاء دولة على شحنة مساعدات طبية قادمة لدولة أخرى، كما تكررت شكوى دول أوروبية من التجاهل الأوروبي لمعاناتها، كذلك أبدى ترمب انزعاجه من أن يتوصل أحد إلى علاج كورونا ثم لا يكون الأمريكان أول من يستفيدون منه، وأصدر قراره بتسريع إجراءات هجرة الأطباء إلى أمريكا ليترك هؤلاء أهلهم وديارهم ويذهبوا لعلاج الأمريكان. هذه المشاهد المريعة التي يجب أن تعيد إلينا التفكير في طبيعة النظام الدولي، وخرافات القانون الدولي والعلاقات الدولية والتعاون الدولي وسائر هذه المفاهيم التي تظهر في أوقات الرخاء كقيود حريرية تُسْتَعبَد بها الشعوب. وهذا الذي حصل بين الدول حصل مثله في الشعوب.. الشعوب الأوروبية "المتقدمة" التي افترست المتاجر، وأحياناً اقتحمتها وسلبتها ونهبتها، فضلاً عن التعامل الشنيع مع المسنين والعجائز إما كمرضى أو كمقيمين في دور العجزة أو حتى كزبائن لا يستطيعون المزاحمة. وهو ما يجب أن يعيد إلينا الثقة بأنفسنا وينقض عند كثير منا ما أصيبوا به من عقدة الخواجة وتوهم أن القوم ينطوون على أخلاق أصيلة لديهم منحها إياهم رقيهم الحضاري.. والحق أنها أخلاق زائفة تسود في لحظة الأمن والطمأنينة واستتباب النظام.. وإلا فمن الذي احتلنا ويعيش حتى الآن على ثرواتنا المسروقة؟ هذه المشاهد تكلم فيها كثيرون، لكن من بينها مشهد لم يحظ بالقدر الذي يستحقه من النقاش، ذلك هو: تزاحم الأمريكان على متاجر شراء السلاح جراء شعورهم باحتمال حدوث الفوضى واحتياج الواحد منهم إلى حماية نفسه وممتلكاته. ويناظره على مستوى الدول: تهديدات ترمب المتعلقة بعلاج كورورنا. وقد أثار البعض في عالمنا سؤالاً يبدو رصيناً ولكنه ينطوي على نظرة حالمة ساذجة، ذلك هو المفاضلة بين إنفاق المال على التسلح وإنفاقها على التجهيزات الطبية، الاهتمام بتطوير السلاح أو الاهتمام بتطوير المعامل والأجهزة الطبية.. يقولون: ها قد بدا للعالم أن الإنفاق على السلاح وتطويره لم ينقذكم من الوباء، وكان الأولى أن تنفقوا على الطب والأبحاث. هذه نظرة حالمة ساذجة، ويجب أن يكون واضحاً أن الإنفاق على العلم يخدم السلاح والطب معاً، والأغلب أن الدول التي أنفقت على اختراع السلاح وتطويره هي التي تتمتع بأفضل وضع في التجهيزات الطبية، بينما المتخلفون الذين يسرفون في شراء السلاح هم أنفسهم الذين يسرفون في شراء الأجهزة الطبية، ويتمتعون في نفس الوقت بجيوش ضعيفة ومنظومات طبية ضعيفة.. على أننا سنسير وراء إغراء المفاضلة بين الطب والسلاح، ونسأل: إذا لم يكن لدينا خيار ثالث فأيهما أوجب: الإنفاق على اختراع السلاح وتطويره أم الإنفاق على الأبحاث الطبية؟ ربما في عالم الأحلام والعالم الإنساني الواحد الذي يعمه السلام سيكون علينا الإنفاق على الأبحاث الطبية، أما في عالمنا هذا الذي تنهش فيه الدول بعضها والبشر بعضهم، فلا بد أن يكون الجواب هو الإنفاق على السلاح.. فالقوي المسلح هو الذي يستطيع أن يسلب الضعيف تجهيزاته الطبية ويحتكر لنفسه نتائج الأبحاث الطبية التي قام بها، وسيجبر القويُّ المسلحُ الطبيبَ الضعيف على علاجه وعلاج عصابته قبل أن يعالج الطبيب أباه وأمه وأهله، هكذا سيكون الأمر تحت قوة السلاح! تنمو الحضارة بثلاثة أضلاع: العلم والسلاح والمال، وتظل متفوقة طالما أن الأضلاع الثلاثة تعمل على تقوية بعضها البعض؛ العلم يطور السلاح ويبتكر موارد المال، والسلاح يحرسهما ويأتي للعلم بالخبرات وللمال بالموارد الجديدة، والمال يغذيهما بالخبرات وبالإنفاق على تطورهما.. وحين ينهار ضلع من أولئك، أوْ لا تعمل المنظومة بما يجعل الأضلاع الثلاثة تخدم بعضها البعض تبدأ الحضارة في الانهيار، وساعتها تقع الحضارة الزاهية المتفوقة علمياً تحت أقدام الغزاة مهما كانوا أقل في درجة التطور العلمي والرقي الحضاري. في ساعة الفوضى سيكون اللص أقرب إليك من الفيروس، وأقدر على الفتك بك وبأهلك ومالك من المرض نفسه، وساعتها لن ينفعك جهاز التنفس الصناعي ولا علم الطب الذي في رأسك، ستنفعك القوة التي في يدك، والتي تستطيع أن تحميك.. هذا ما يدركه الناس بفطرتهم فيتحركون إليه كلٌّ بحسب قدرته، فمنهم من آخر قدرته أن يُخَزِّن الغذاء والدواء وأن يسحب ما يستطيع من أمواله المحبوسة في البنوك، ومنهم من قدرته أن يقاتل عن نفسه أو يقاتل ليسلب من غيره مأكله ودواءه وماله. على أن الأمريكان من ضمن الشعوب المحظوظة التي تتمتع بحق التسلح، بينما بلادنا العربية المنكوبة بأنظمتها هي ضمن البلاد المنكوبة بأنظمتها الأخرى التي تجعل هذا الحق مسلوباً من الشعوب، ومن ثمَّ فإن الشعوب في حالة الاستقرار أسرى بيد السلطة تظلمهم وتهبهم كيفما شاءت (بالقانون الذي تُفَصِّله طبعاً)، وفي حالة الفوضى أسرى بيد الخارجين على القانون الذين تسلحوا رغم أنف السلطة أو بمخادعتها. (للمزيد في هذا، اقرأ: مصير المواطن الصالح fb.com/Klmtuhaq/posts/694522941073575، نكبة الشعوب العزلاء fb.com/Klmtuhaq/posts/670804766778726/) وفي الواقع، ما لم تحصل شعوب أمتنا على حق التسلح هذا، فستظل الأمة ضعيفة ومقهورة وفي واقع احتلال وهزيمة، والحكومات المخلصة للشعوب الناهضة النامية تعرف أن قوتها في قوة شعبها المسلح، فالشعوب المسلحة عصية على الاستبداد وعصية على الاحتلال كذلك، وهكذا كانت شعوبنا المسلمة قبل عصر "الدولة الحديثة"، وكان المتطوعون في قصة كل جهاد ضد الاستبداد أو الاحتلال، حتى جاءت هذه الدولة الحديثة بجيشها الرسمي فصارت هزيمة الجيش تساوي سقوط الدولة (وكانت قبل ذاك تساوي بدء المقاومة الشعبية) ودخول العاصمة يساوي احتلال البلد كله (وكانت قبل ذلك تساوي بدء انتفاضة الأنحاء). (7) بنى الإسلام نظامه الاجتماعي على منهج تتعدد فيه مراكز القوى، فالسلطة قوية، والمجتمع قوي كذلك، وبينهما شبكة من العلماء يتمتعون باستقلالية ونفوذ تجعلهم في منطقة وسط بين السلطة وعموم الناس. ولكي لا تجور السلطة على الناس حرص الإسلام على أن يكون المجتمع شديد التماسك والتعاضد والتكافل، وجعل صلاحيات السلطة محدودة ومُسَمَّاة، وجعل شرعيتها مرتبطة بالتزامها الشريعة وجعل للناس حق الأمر بالمعروف وإنكار المنكر باليد واللسان فضلاً عن القلب. ولشدة حيوية المجتمع الإسلامي وقدرته على الثورة كان المجتمع مأموراً بالسمع والطاعة للحكام في غير معصية طالما كان انحرافهم بسيطاً. (للمزيد في هذا انظر كتاب "منهج الإسلام في بناء المجتمع bit.ly/34SGeMX"، وانظر: كيف نفهم أحاديث طاعة الأمراء bit.ly/2tZPNNd). هذا المنهج في بناء المجتمع بقدر ما يجعل المجتمع قوياً عصياً على أن يُستبدَّ به، بقدر ما يجعله أقدر على علاج مشكلاته وأسرع في الحركة لمعالجة نكباته، ومنها الأوبئة والطواعين.. وهذا على عكس نظام الدولة الحديثة الذي يجعل السلطة تحتكر كل شيء وتنظم كل شيء وتراقب كل شيء، وليس للمجتمع ملجأ إلا هي. والدول "المتقدمة" التي تعمل منظومة الدولة الحديثة فيها لخدمة الشعب ما إن تنزل بها كارثة أو نكبة حتى تسارع فتناشد المواطنين والمتطوعين -والمجتمع الدولي أيضاً- بمساعدتها في احتواء هذه النكبة وتقليل آثارها، أي أن المنظومة الحديثة غير قادرة وحدها على استيعاب الطوارئ والمشكلات رغم ما لديها من الصلاحيات الواسعة والترتيبات المتطورة والإدارات التفصيلية المزودة بالخطط والمقترحات والاستعدادات. فإذا كان هذا حال الدول "المتقدمة" في النكبات، فكيف يكون حال دولنا نحن التي صُمِّمت أساساً لا لخدمة الشعوب بل لقهرها، لا لمصلحة الناس بل لمصلحة السيد الأجنبي (لذلك قدَّم النظام المصري مساعدات للصين –التي تساعد دول العالم- ولإيطاليا بينما المصريون أنفسهم في أمس الحاجة إلى المساعدة مع انهيار منظومتهم الطبية التي لا يجد فيها الأطباء حتى الكمامات!).. كيف يكون حالنا؟ إنه لا سبيل أمام الشعوب في مثل هذه النكبات إلا أن تحيي من جديد قيم التكافل والتعاضد والتماسك، صلة الأرحام ومعنى العشيرة والقبيلة وأهل الحي وأهل الشارع، هذه الدوائر الصغيرة القريبة تستطيع أن تنقذ نفسها لأن الدولة لن تفكر في إنقاذها أصلاً. يجب أن يوجد في كل حي أو قرية متطوعون ينتدبون أنفسهم لتنظيم أمر القرية أو الحي وموارده ووضع نظام لمعرفة المصابين وكيف يمكن إيواؤهم وعزلهم صحياً والتصرف بما تحت أيديهم من إمكانيات ومبان ومركز صحي، وهم أعرف بمن فيهم من الأطباء والممرضين ومن يملكون المساعدة في التسجيل والرعاية والنقل، ومن يستطيع منهم أن يكفل الفقراء والمحتاجين الذين يتضررون بتوقف الأعمال، إلى آخره إلى آخره.. والعهد بالناس أنهم إذا انطلقوا استطاعوا إدارة أمورهم بأفضل مما تستطيعه السلطة المحترفة فكيف بالسلطة الفاسدة التي هي المرض الأكبر والوباء الأخطر؟! لقد أثنى النبي على الأشعريين، إذ كانوا حين تنزل بهم النازلة من المجاعة أو من غيرها يجمعون ما لديهم، ثم يقسمونه بحسب الحاجة على بعضهم، وهذه هي الصورة المثالية للمجتمع المسلم، إنها الصورة الضرورية التي تنتج عن مجتمع يلتقي أهل شارعه في اليوم خمس مرات، يعرفون حقوق الجار، لا يبيت أحدهم شبعاناً وجاره جائع، يخرجون الصدقات والزكوات للفقراء المحتاجين والأقربون أولى بالمعروف، مجتمع تتوطد فيه صلات الرحم، تنتشر فيه أعمال البر والوقف والتزاور.. الإسلام بنى مجتمعاً مكيناً راسخاً، ولا بد أن تعود هذه الصورة طاعةً لربنا أولاً وإنقاذاً لأنفسنا وأهلنا ثانياً. هذا هو الحل.. ولو استطاعت شعوبنا أن تفعله، فلربما كانت هذه هي الخطوة الأولى في بداية استقلال الأمة وعودة عزها ومجدها.
وكم في "كورورنا" من فوائد وعظات!

افتتاحية العدد الجديد بقلم محمد إلهامي

🔴 حمّل العدد الجديد
bit.ly/2xIQrAg

🔴 هدية العدد
bit.ly/39zxa1h

أليس من العسير أن يجد الكاتب شيئا يكتبه في أمرٍ يتكلم فيه العالم كله؟

بلى هو كذلك.. إلا أن الذي يُهَوِّن الأمر قليلاً هو تنوع الهموم، فكلٌّ يُغني على ليلاه، وكلٌّ يلتمس من الأحداث ما يجد فيه سلواه أو يجد فيه هداه.. وهذه سطور مسلم في زمن القهر والهزيمة، قد أظلته جائحة كورونا، ففيها من الهمَّ والشجوى ومن الدرس والعبرة ما لا يراه من لم يكن كذلك!

وهي –وإن طالت- مختصرة مجملة، فإن ظننتَ أن فيها سطحية مبتذلة، فكرِّر النظر وأعد التأمل، فقد أودعتها خلاصة نظر طويل، فإن تبينت المعنى ثم أنكرته فلا تثريب عليك، التثريب ألا تتبيّنه ثم تسارع مستنكراً.

(1)

كيف يكون الهول الأعظم إذا كان هذا هو ارتياع العالم من فيروس لا يُرى، ولا يقتل في الحال، بل وقد تعافى منه كثيرٌ ممن أصيبوا به؟

كيف سيكون حال الناس حين تتزلزل الأرض وتنشق السماء وتنتثر الجبال وتُحشَر الوحوش وتهيج البحار وينقلب حال الأرض كله هولاً عظيماً؟!

ذلك الذي يخوف الله به عباده..

(حتى إذا أخذت الأرض زخرفها وازينت، وظنَّ أهلها أنهم قادرون عليها، أتاها أمرنا ليلا أو نهارا فجعلناها حصيدا كأن لم تغن بالأمس)

لقد كان الله حاضراً وخالقاً ومدبراً في كل لحظة، هو الذي خلق البذرة وخلق الماء وخلق الأرض ووضع في كل ذلك قوانين الزرع والنماء، فلما جاء الإنسان فبذر وسقى فخرج له زرعه ناضراً زاهياً، ظنَّ أنه الذي فعل هذا كله، وظنَّ أنه المتحكم فيه القادر عليه، فإذا به تأتيه العاصفة فتقلب له أرضه وزرعه، وتقلب معها تصوراته وأفكاره، وتفضح ضعفه وعجزه!

وما أشبه هذا بحال البشرية اليوم، تلك التي صار العلم فيها يُعبَد من دون الله، حتى ليُقال عن شيء فرضه الله صراحة "لا نؤمن به حتى يثبته العلم"، أو عن شيء حرَّمه الله صراحة "لا نكفّ عنه حتى يثبت العلم ضرره"، حتى هذا الخسوف والكسوف يثير صخب العلمويين حتى يسخروا ممن يهرع إلى الصلاة، لسان حالهم: تلك آية من آيات العلم لا من آيات الله!

وغداً بعد زوال هذه الجائحة، وسواءٌ أزالتْ بأمر الله من تلقاء نفسها، أو زالت بأمر الله بأن هدى بعض عباده لدوائها، سيرجع إلينا أولئك العلمويون ليقولوا: انتصر العلم!.. وهكذا حتى تأتيهم عاصفة أخرى تفضح ضعفهم وعجزهم، ويحق فيهم قوله تعالى: (أولا يرون أنهم يفتنون في كل عام مرة أو مرتين ثم لا يتوبون ولا هم يذكرون)، وقوله تعالى (وإن كثيرا من الناس عن آياتنا لغافلون)، وقوله تعالى (إن الذين حقت عليهم كلمة ربك لا يؤمنون ولو جاءتهم كل آية حتى يروا العذاب الأليم).

(2)

آمن الناس بكورونا، ولم يؤمنوا برب كورورنا..

مع أنهم لم يروه جهرة، ولا سمعوا له صوتاً ولا أنزل لهم كتاباً ولا أرسل إليهم رسولاً، وما هو إلا أن أخبرهم الأطباء به، ثم أبصروا آثاره في بعضٍ منهم.. هذا الذي يثير الحرارة ويصيب بالصداع والغثيان وينشب في الرئة صار حقيقة لا شك فيه! وأما الذي خلق الرأس والحرارة والرئة والبدن وكورونا نفسه فلا يزالون يتجادلون فيه!!

لقد راوغ الملحدون كل مراوغة في التماس طريقة يثبتون بها الخلق دون الاضطرار إلى الإيمان بالخالق، فتحدثوا عن الصدفة، وعن التطور، وعن غيرها من الأسباب، بل جادلوا في قانون السببية نفسه، حتى صار يصحّ في عقول كثيرين منهم أن هذا الكون العظيم الرهيب، بل هذه الخلية الواحدة المعقدة ليس لها خالق، أو أن خالقها قد تركها (أي: خلقها عبثاً) كصانع الساعة الذي يضبط حركتها ثم يتركها.. وفاضت في هذا كتب وهلكت فيه أعمار وشغلت فيه ساعات من التلفاز والمسرح وأنواع الفنون.

فمن ذا يصدق الآن رجلاً يزعم أن كورونا ليس موجوداً، وأن الذين أصيبوا به إنما هم أناس ارتفعت حرارتهم وانهار تنفسهم بمحض الصدفة، لظروف خاصة شملت المصابين به عبر العالم، وأن انتشاره لا ينتقل بالعدوى بل انبثق من تلقاء نفسه في جسد كل مصاب، وأنها مجرد مؤامرة من الأطباء الكذابين الذين يستغلون خوف الناس من المجهول بغرض طلب الزعامة لأنفسهم؟!

هذا الذي قيل في الله وقيل عن رسله، مع أن الدلائل التي ساقها الله في كتابه المسطور وفي كونه المنظور، والتي جاء بها رسله، لم يأت بمثلها الأطباء عن كورونا، وإنما هم لا يزالون يكتشفون ويتبينون ويبحثون ويفحصون.. لكن الذين في قلوبهم مرض، كفروا بالله وكذبوا رسله، وآمنوا بكورونا وصدقوا الأطباء!

(3)

أخبرنا الأطباء أن اسمه: كورونا (المستجد)..

هل يكون من الدروشة أن يذكرنا هذا بحديث النبي صلى الله عليه وسلم: "وما فشت الفاحشة في قوم فأذاعوا بها إلا ابتلاهم الله بالأوجاع والأسقام التي لم تكن في أسلافهم"؟!

نعم، سيكون هذا من الدروشة والخرافة عند من يؤمن بالعلم، ذلك الذي لا يرى سبباً منطقياً واضحاً للربط بين انتشار الزنا والمجاهرة به وبين ظهور الأوبئة الجديدة.. ولكن مهلاً: ما هو العلم؟!

أليس هذا العلم نفسه هو الذي لم يكن يعرف أن أكل الخفافيش والقطط والكلاب قد يسبب هذا النوع من الأمراض؟ بلى، هو على الأقل العلم الذي لم يقطع بعد بالسبب الذي انتقل به الفيروس من الحيوانات إلى البشر.. فلا زال العلم يكتشف، وقد تكاثرت علينا أقوال "العلماء" حتى اضطربت وتناقضت!

لا بأس إذن.. إذا عرفنا أن العلم لم يبلغ من الإحاطة بالأمور ما يعصمنا به من الأضرار، فلماذا يُصِرُّ بعضهم على عدّه مصدراً وحيداً للمعرفة، ومعياراً وحيداً للحكم على الأمور؟!

إن في تاريخنا رجلاً أميًّا وجَّه أتباعه قبل نحو ألف وخمسمائة عام إلى تصرف الحجر الصحي حين ينزل الوباء في بلد ما، وفرض عليهم التطهر بالماء خمس مرات في اليوم في بيئة صحراوية الماء فيها عزيز نادر، ووجَّههم إلى غسل أيديهم عند الاستيقاظ من النوم "فلا تدري أين باتت يدك"، ووجههم إلى استعمال اليد اليمنى في المأكل والمشرب والطهور واستعمال اليسرى لمعالجة الأذى، ونهاهم عن الشرب من في السقاء، وعن التنفس في الإناء، وعن ترك الآنية مفتوحة مكشوفة، ونهاهم عن أكل الميتة والدم وأكل لحم الخنزير والكلاب وذوات المخالب والأنياب، وعن البول في موارد الماء، وعن إنقاص الماء أو تغويره.. وقد بُنِيت على هذه التوجيهات أساطيل من الفقه المكتوب الذي يرقى الآن لأكثر مما يوصي به هذا "العلم الحديث"!

إذا كان رجلٌ أميٌّ قبل خمسة عشر قرنا قد قال بهذا كله.. أليس من العلم نفسه أن يُعد مصدراً للمعرفة؟! إن لم يكن إيماناً بأنه رسول الله فعلى الأقل وقوفاً أمام هذه الظاهرة العجيبة لهذا الحكيم العبقري الذي سبق العصور وخرق الأزمان وتفوق على العلوم؟

إنما هو أمرٌ قاله الله في كتابه بهذه البساطة الـمُعجزة المبهرة: (قل أرأيتم ما أنزل الله لكم من رزق فجعلتم منه حراما وحلالا، قل: آلله أذن لكم؟ أم على الله تفترون؟).. هذه الآية تطرح على البشرية كلها سؤال: مصدر المعرفة؟ من الذي يملك أن يقول هذا حلال فكلوه وهذا حرام فاجتنبوه؟ من الذي يستطيع أن يهدي إلى الحق؟ اسمع قول الله تعالى (قل هل من شركائكم من يهدي إلى الحق؟ قل: الله يهدي للحق، أفمن يهدي إلى الحق أحق أن يُتَّبَع أم من لا يَهِدِّي إلا أن يُهدى؟ فما لكم كيف تحكمون؟)

وإذن، فإذا كان العلم لا زال يكتشف ويبحث ويحاول الربط بين الظواهر بوسائله التي لا تزال قاصرة غير قادرة على أن تعصمنا من الضرر، ثم إذا كان هذا علم رجل أمي قبل خمسة عشر قرناً.. فما الذي يجعل قول هذا الرجل الأمي عن انتشار الفاحشة وإذاعتها وكونه سبباً في ظهور الأوبئة محتاجاً إلى ختمٍ علمي كي يُعتمد ويُتَّبَع؟!

ولو تنزلنا وسلَّمنا جدلاً وفرضاً بموقف العلمويين هذا، فأيهما أحسن للإنسان وأحسن للناس جميعاً: رجل يتبع النبي محمداً صلى الله عليه وسلم فإذا أصابه الطاعون اعتزل في بيته محتسباً عند الله أجر الشهيد؟ أم رجل اتبع العلم فلم يجد عنده مؤنساً من اليأس ولا ترغيباً في أجر ولا رادعاً من عقوبة فخرج يترك لعابه على الأبواب والمتاجر والمصاعد والمواصلات يريد أن ينشر المرض بين الناس عامداً، لسان حاله يقول: إذا متُّ ظمآنًا فلا نزل القَطْر؟!

أيهما أحسن للمرء ولبني الإنسان كلهم؟

(4)

بدأ كورورنا في الصين، وعلى نحو ما هو معروف للجميع فإن الصين قد سكّتت وصمتت وحاربت من يتكلم عنه خشيةً على تجارتها واقتصادها حتى فشا فيها المرض، ثم فشا في بقية البلاد، فاستيقظ العالم وإذا بالمرض قد انتشر فيه جميعاً..

وتحاول الصين الآن أن تهرع لمساعدة البلاد المنكوبة بما تستطيع، وهي تجد تجهماً وهجوماً شرساً عليها وعلى ما تسببت فيه جراء طغيانها وقهرها وكبتها وغموضها وتعميتها على العالم بشأن المرض، والآن هي اللحظة المثلى لكل ديمقراطي ليبرالي أن يتكلم عن الخطر الشديد الذي تسببه دولة ديكتاتورية شمولية لا على نفسها بل على العالم كله، وأن العالم كله يدفع ثمن وجود نظام ديكتاتوري واحد.

ونحن معه في هذا ونُسَلِّم له به.. ها هو العالم كله يذوق ويلات قبوله وسكوته على وجود نظام طغياني جبار، تسبب بسياسته غير الشفافة هذه في قتل آلاف البشر على بعد آلاف الأميال!

ولو عاد الزمن بأكثر الموتى وأهاليهم، وعلموا شيئاً من أمر الغيب، لكنت ترى أن محاربة الصين وتغيير نظامها ولو بالقوة هو عمل ينبغي أن يكون على رأس أولويات العالم..

مهلاً لحظة.. أراهم هنا يتحدثون عن "جهاد الطلب".. أليس كذلك؟!

أليس جهاد الطلب نفسه هو مطاردة الظلم والطغيان والشر في عقر داره، بلا احترام لمعنى السيادة على شعبه؟!
نعم.. نعم، أعرف أن الأمة الآن لا تحلم بجهاد الطلب بل هي عاجزة عن جهاد الدفع، وأنا أكتب لكم هذه السطور من موقعي كلاجئ مشرد، لا يدري هل يُسْجن غداً أو يُقْتَل بعد غد.. نعم، أعرف هذا.. وأعرف معه أيضاً أننا ينبغي أن نفهم ديننا ونستوعب معانيه لا أن نسارع لرفضها واستنكارها لأنها لا توافق الذوق السياسي المعاصر، فإذا فهمنا ديننا افتخرنا به، وذلك أول طريق العزة..

فالظاهرة التاريخية –كما يقول ريتشارد كوك وكريس سميث في كتابهما: انتحار الغرب- أن كل الذين غيروا العالم إنما هم الذين اعتقدوا في أنفسهم القدرة على إنقاذه. وها قد جئت بالمعنى من قول الكافرين، لأني أعرف أن نفوساً لن تستوعبه إذا قلته من كتاب رب العالمين (وما أرسلناك إلا رحمة للعالمين)!

لقد أخبرنا ربنا أن عقابه حين ينزل لا يصيب الظالمين وحدهم، بل يشمل معهم المظلومين (واتقوا فتنة لا تصيبن الذين ظلموا منكم خاصة)، قال ابن عباس: "أمر الله المؤمنين أن لا يقروا المنكر بين أظهرهم فيعمهم الله بالعذاب". وصوَّر لنا نبينا هذا الوضع أجمل وأشمل ما يكون التصوير، وذلك في حديث السفينة المشهور، وفيه أن الذين في أعلى السفينة لو تركوا الذين في أسفلها يتصرفون على هواهم ويخرقون السفينة فإنهم يهلكون جميعاً، فأما إذا تصدوا لهم (ولم يحترموا حريتهم في التصرف في نصيبهم!!) فإنهم ينجون جميعا!.. واقرأ هذه المعاني في أساليب متنوعة في باب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر، وفي باب الجهاد.

هذه الآيات وأمثالها، وهذه الأحاديث وأمثالها كانت تأسيساً لثورة المسلمين على الطغاة منهم، وعلى الطغاة من غيرهم، من هنا كانت مطاردة المسلمين للمنكر في الأرض كلها رحمة للعالمين، جهاداً في سبيل الله، وقد أحسن الأستاذ الراحل جلال كشك حيث قال: "الجهاد ثورتنا الدائمة"!

(5)

انقلب حال العالم، ومكث الناس في بيوتهم، وتعطلت الطائرات والاجتماعات وحتى الحفلات ومباريات الكرة.. يخاف الإنسان من الموت (وجاءت سكرة الموت بالحق، ذلك ما كنتَ منه تحيد). وها قد ظهر لكلٍّ منا أن كثيراً من الأمور يملك أن يتخلى عنها، بعضها هين وبعضها مع نوع من الألم والمعاناة، إلا أن خطر المرض الذي يُحتمل معه الموت أكبر من ألم الترك.

يشبه هذا مشهداً قديماً..

مشهد المدينة المنورة حين نزل أمر الله بترك الخمر، فإذا بأزقة المدينة تسيل بالخمر التي كسَر المسلمون أوانيها. وكذا مشهدها حين نزل أمر الله بحجاب النساء فكانت النساء تشققن مروطهن فيحتجبن بها.. إلا أن أسلافنا من الصحابة الأجلاء لم يكونوا يخشون من الموت، بل كانوا يخشون النار..

كانت الخمر عادة عربية راسخة، وكذا كانت ثياب النساء.. وانتهى هذا حين كان داعي التغيير أقوى من داعي العادة والميل والشهوة، سيظل هناك من يذنب ويعصي في كل الأحوال (كما سيظل في الناس من يخترق حظر التجول بالتأكيد)، لكن هذا هو الشذوذ النادر وليس هو الأصل العام.

إذن نستطيع، ويستطيع الناس، في ظروف ليس بالهائلة المريعة أن تنقلب حياتهم.. ونحن نرى هذا بأنفسنا في أنفسنا حين يأتي رمضان، ينقلب شأن اليوم كله، فإذا بالطعام –وهو أرسخ العادات كلها- نتحمل الحرمان منه وانقلاب مواعيده، ذلك أن داعي طاعة الله وصوم الشهر الكريم أكبر في نفوسنا من ألم الجوع في النهار.

إن شهواتنا تحبس قدراتنا وطاقاتنا وإمكانياتنا، تحرمها من الظهور والنمو والفعالية.. وإن أطماعنا في الحياة والأموال والرفاهية تثقلنا وتعوق حركتنا، ولذلك فطن الإمام ابن حجر إلى أن من فضل الطاعون "تقصير الآمال، وتحسين الأعمال، واليقظة من الغفلة، والتزود للرحلة".

على أننا مهما حاولنا تذكير أنفسنا بهذه المعاني فلن نفلح في أن نعيشها، وليس يعيشها إلا المجاهدون، أولئك الذين يقترب الموت منهم في كل لحظة، فالواحد منهم متخفف من دنياه مقبل على آخرته، قصير الأمل قليل الطمع.. ولعل هذا من معاني كون الجهاد "ذروة سنام الإسلام"، إذ هو يرفع صاحبه ليكون في ذروة اليقظة وذروة الاستعداد.

(6)

بدا العالم وكأنه هشٌّ في مواجهة انتشار كورونا، المنظومات الصحية في الدول الغربية "المتقدمة" تضطرب وتفقد توازنها.. وظهرت طبيعة الدول التي لا تحفل بشأن الأخلاق، وتكرر استيلاء دولة على شحنة مساعدات طبية قادمة لدولة أخرى، كما تكررت شكوى دول أوروبية من التجاهل الأوروبي لمعاناتها، كذلك أبدى ترمب انزعاجه من أن يتوصل أحد إلى علاج كورونا ثم لا يكون الأمريكان أول من يستفيدون منه، وأصدر قراره بتسريع إجراءات هجرة الأطباء إلى أمريكا ليترك هؤلاء أهلهم وديارهم ويذهبوا لعلاج الأمريكان.

هذه المشاهد المريعة التي يجب أن تعيد إلينا التفكير في طبيعة النظام الدولي، وخرافات القانون الدولي والعلاقات الدولية والتعاون الدولي وسائر هذه المفاهيم التي تظهر في أوقات الرخاء كقيود حريرية تُسْتَعبَد بها الشعوب.

وهذا الذي حصل بين الدول حصل مثله في الشعوب.. الشعوب الأوروبية "المتقدمة" التي افترست المتاجر، وأحياناً اقتحمتها وسلبتها ونهبتها، فضلاً عن التعامل الشنيع مع المسنين والعجائز إما كمرضى أو كمقيمين في دور العجزة أو حتى كزبائن لا يستطيعون المزاحمة. وهو ما يجب أن يعيد إلينا الثقة بأنفسنا وينقض عند كثير منا ما أصيبوا به من عقدة الخواجة وتوهم أن القوم ينطوون على أخلاق أصيلة لديهم منحها إياهم رقيهم الحضاري.. والحق أنها أخلاق زائفة تسود في لحظة الأمن والطمأنينة واستتباب النظام.. وإلا فمن الذي احتلنا ويعيش حتى الآن على ثرواتنا المسروقة؟
هذه المشاهد تكلم فيها كثيرون، لكن من بينها مشهد لم يحظ بالقدر الذي يستحقه من النقاش، ذلك هو: تزاحم الأمريكان على متاجر شراء السلاح جراء شعورهم باحتمال حدوث الفوضى واحتياج الواحد منهم إلى حماية نفسه وممتلكاته. ويناظره على مستوى الدول: تهديدات ترمب المتعلقة بعلاج كورورنا.

وقد أثار البعض في عالمنا سؤالاً يبدو رصيناً ولكنه ينطوي على نظرة حالمة ساذجة، ذلك هو المفاضلة بين إنفاق المال على التسلح وإنفاقها على التجهيزات الطبية، الاهتمام بتطوير السلاح أو الاهتمام بتطوير المعامل والأجهزة الطبية.. يقولون: ها قد بدا للعالم أن الإنفاق على السلاح وتطويره لم ينقذكم من الوباء، وكان الأولى أن تنفقوا على الطب والأبحاث.

هذه نظرة حالمة ساذجة، ويجب أن يكون واضحاً أن الإنفاق على العلم يخدم السلاح والطب معاً، والأغلب أن الدول التي أنفقت على اختراع السلاح وتطويره هي التي تتمتع بأفضل وضع في التجهيزات الطبية، بينما المتخلفون الذين يسرفون في شراء السلاح هم أنفسهم الذين يسرفون في شراء الأجهزة الطبية، ويتمتعون في نفس الوقت بجيوش ضعيفة ومنظومات طبية ضعيفة.. على أننا سنسير وراء إغراء المفاضلة بين الطب والسلاح، ونسأل: إذا لم يكن لدينا خيار ثالث فأيهما أوجب: الإنفاق على اختراع السلاح وتطويره أم الإنفاق على الأبحاث الطبية؟

ربما في عالم الأحلام والعالم الإنساني الواحد الذي يعمه السلام سيكون علينا الإنفاق على الأبحاث الطبية، أما في عالمنا هذا الذي تنهش فيه الدول بعضها والبشر بعضهم، فلا بد أن يكون الجواب هو الإنفاق على السلاح.. فالقوي المسلح هو الذي يستطيع أن يسلب الضعيف تجهيزاته الطبية ويحتكر لنفسه نتائج الأبحاث الطبية التي قام بها، وسيجبر القويُّ المسلحُ الطبيبَ الضعيف على علاجه وعلاج عصابته قبل أن يعالج الطبيب أباه وأمه وأهله، هكذا سيكون الأمر تحت قوة السلاح!

تنمو الحضارة بثلاثة أضلاع: العلم والسلاح والمال، وتظل متفوقة طالما أن الأضلاع الثلاثة تعمل على تقوية بعضها البعض؛ العلم يطور السلاح ويبتكر موارد المال، والسلاح يحرسهما ويأتي للعلم بالخبرات وللمال بالموارد الجديدة، والمال يغذيهما بالخبرات وبالإنفاق على تطورهما.. وحين ينهار ضلع من أولئك، أوْ لا تعمل المنظومة بما يجعل الأضلاع الثلاثة تخدم بعضها البعض تبدأ الحضارة في الانهيار، وساعتها تقع الحضارة الزاهية المتفوقة علمياً تحت أقدام الغزاة مهما كانوا أقل في درجة التطور العلمي والرقي الحضاري.
في ساعة الفوضى سيكون اللص أقرب إليك من الفيروس، وأقدر على الفتك بك وبأهلك ومالك من المرض نفسه، وساعتها لن ينفعك جهاز التنفس الصناعي ولا علم الطب الذي في رأسك، ستنفعك القوة التي في يدك، والتي تستطيع أن تحميك.. هذا ما يدركه الناس بفطرتهم فيتحركون إليه كلٌّ بحسب قدرته، فمنهم من آخر قدرته أن يُخَزِّن الغذاء والدواء وأن يسحب ما يستطيع من أمواله المحبوسة في البنوك، ومنهم من قدرته أن يقاتل عن نفسه أو يقاتل ليسلب من غيره مأكله ودواءه وماله.

على أن الأمريكان من ضمن الشعوب المحظوظة التي تتمتع بحق التسلح، بينما بلادنا العربية المنكوبة بأنظمتها هي ضمن البلاد المنكوبة بأنظمتها الأخرى التي تجعل هذا الحق مسلوباً من الشعوب، ومن ثمَّ فإن الشعوب في حالة الاستقرار أسرى بيد السلطة تظلمهم وتهبهم كيفما شاءت (بالقانون الذي تُفَصِّله طبعاً)، وفي حالة الفوضى أسرى بيد الخارجين على القانون الذين تسلحوا رغم أنف السلطة أو بمخادعتها. (للمزيد في هذا، اقرأ: مصير المواطن الصالح
fb.com/Klmtuhaq/posts/694522941073575، نكبة الشعوب العزلاء fb.com/Klmtuhaq/posts/670804766778726/)

وفي الواقع، ما لم تحصل شعوب أمتنا على حق التسلح هذا، فستظل الأمة ضعيفة ومقهورة وفي واقع احتلال وهزيمة، والحكومات المخلصة للشعوب الناهضة النامية تعرف أن قوتها في قوة شعبها المسلح، فالشعوب المسلحة عصية على الاستبداد وعصية على الاحتلال كذلك، وهكذا كانت شعوبنا المسلمة قبل عصر "الدولة الحديثة"، وكان المتطوعون في قصة كل جهاد ضد الاستبداد أو الاحتلال، حتى جاءت هذه الدولة الحديثة بجيشها الرسمي فصارت هزيمة الجيش تساوي سقوط الدولة (وكانت قبل ذاك تساوي بدء المقاومة الشعبية) ودخول العاصمة يساوي احتلال البلد كله (وكانت قبل ذلك تساوي بدء انتفاضة الأنحاء).

(7)

بنى الإسلام نظامه الاجتماعي على منهج تتعدد فيه مراكز القوى، فالسلطة قوية، والمجتمع قوي كذلك، وبينهما شبكة من العلماء يتمتعون باستقلالية ونفوذ تجعلهم في منطقة وسط بين السلطة وعموم الناس.

ولكي لا تجور السلطة على الناس حرص الإسلام على أن يكون المجتمع شديد التماسك والتعاضد والتكافل، وجعل صلاحيات السلطة محدودة ومُسَمَّاة، وجعل شرعيتها مرتبطة بالتزامها الشريعة وجعل للناس حق الأمر بالمعروف وإنكار المنكر باليد واللسان فضلاً عن القلب.

ولشدة حيوية المجتمع الإسلامي وقدرته على الثورة كان المجتمع مأموراً بالسمع والطاعة للحكام في غير معصية طالما كان انحرافهم بسيطاً. (للمزيد في هذا انظر كتاب "منهج الإسلام في بناء المجتمع
bit.ly/34SGeMX"، وانظر: كيف نفهم أحاديث طاعة الأمراء bit.ly/2tZPNNd).

هذا المنهج في بناء المجتمع بقدر ما يجعل المجتمع قوياً عصياً على أن يُستبدَّ به، بقدر ما يجعله أقدر على علاج مشكلاته وأسرع في الحركة لمعالجة نكباته، ومنها الأوبئة والطواعين.. وهذا على عكس نظام الدولة الحديثة الذي يجعل السلطة تحتكر كل شيء وتنظم كل شيء وتراقب كل شيء، وليس للمجتمع ملجأ إلا هي.

والدول "المتقدمة" التي تعمل منظومة الدولة الحديثة فيها لخدمة الشعب ما إن تنزل بها كارثة أو نكبة حتى تسارع فتناشد المواطنين والمتطوعين -والمجتمع الدولي أيضاً- بمساعدتها في احتواء هذه النكبة وتقليل آثارها، أي أن المنظومة الحديثة غير قادرة وحدها على استيعاب الطوارئ والمشكلات رغم ما لديها من الصلاحيات الواسعة والترتيبات المتطورة والإدارات التفصيلية المزودة بالخطط والمقترحات والاستعدادات.

فإذا كان هذا حال الدول "المتقدمة" في النكبات، فكيف يكون حال دولنا نحن التي صُمِّمت أساساً لا لخدمة الشعوب بل لقهرها، لا لمصلحة الناس بل لمصلحة السيد الأجنبي (لذلك قدَّم النظام المصري مساعدات للصين –التي تساعد دول العالم- ولإيطاليا بينما المصريون أنفسهم في أمس الحاجة إلى المساعدة مع انهيار منظومتهم الطبية التي لا يجد فيها الأطباء حتى الكمامات!).. كيف يكون حالنا؟

إنه لا سبيل أمام الشعوب في مثل هذه النكبات إلا أن تحيي من جديد قيم التكافل والتعاضد والتماسك، صلة الأرحام ومعنى العشيرة والقبيلة وأهل الحي وأهل الشارع، هذه الدوائر الصغيرة القريبة تستطيع أن تنقذ نفسها لأن الدولة لن تفكر في إنقاذها أصلاً.

يجب أن يوجد في كل حي أو قرية متطوعون ينتدبون أنفسهم لتنظيم أمر القرية أو الحي وموارده ووضع نظام لمعرفة المصابين وكيف يمكن إيواؤهم وعزلهم صحياً والتصرف بما تحت أيديهم من إمكانيات ومبان ومركز صحي، وهم أعرف بمن فيهم من الأطباء والممرضين ومن يملكون المساعدة في التسجيل والرعاية والنقل، ومن يستطيع منهم أن يكفل الفقراء والمحتاجين الذين يتضررون بتوقف الأعمال، إلى آخره إلى آخره.. والعهد بالناس أنهم إذا انطلقوا استطاعوا إدارة أمورهم بأفضل مما تستطيعه السلطة المحترفة فكيف بالسلطة الفاسدة التي هي المرض الأكبر والوباء الأخطر؟!

لقد أثنى النبي على الأشعريين، إذ كانوا حين تنزل بهم النازلة من المجاعة أو من غيرها يجمعون ما لديهم، ثم يقسمونه بحسب الحاجة على بعضهم، وهذه هي الصورة المثالية للمجتمع المسلم، إنها الصورة الضرورية التي تنتج عن مجتمع يلتقي أهل شارعه في اليوم خمس مرات، يعرفون حقوق الجار، لا يبيت أحدهم شبعاناً وجاره جائع، يخرجون الصدقات والزكوات للفقراء المحتاجين والأقربون أولى بالمعروف، مجتمع تتوطد فيه صلات الرحم، تنتشر فيه أعمال البر والوقف والتزاور.. الإسلام بنى مجتمعاً مكيناً راسخاً، ولا بد أن تعود هذه الصورة طاعةً لربنا أولاً وإنقاذاً لأنفسنا وأهلنا ثانياً.

هذا هو الحل..

ولو استطاعت شعوبنا أن تفعله، فلربما كانت هذه هي الخطوة الأولى في بداية استقلال الأمة وعودة عزها ومجدها.
‏٠٢‏/٠٤‏/٢٠٢٠ ٩:٤٦ م‏
🔵 (( العدد الجديد من مجلة كلمة حق - عدد 33)) ⚫️ يسعدنا أن نقدم لكم العدد الجديد (33)، ومعه هدية حصرية، كتاب: مختارات من مذكرات كيسنجر (ج2) 🔴 حمّل العدد الجديد bit.ly/2xIQrAg رابط مباشر على تيليجرام t.me/klmtuhaq/494 🔴 هدية العدد bit.ly/39zxa1h 🔴 الأعداد والهدايا السابقة bit.ly/2vvtufk
🔵 (( العدد الجديد من مجلة كلمة حق - عدد 33))

⚫️ يسعدنا أن نقدم لكم العدد الجديد (33)، ومعه هدية حصرية، كتاب: مختارات من مذكرات كيسنجر (ج2)

🔴 حمّل العدد الجديد
bit.ly/2xIQrAg

رابط مباشر على تيليجرام
t.me/klmtuhaq/494

🔴 هدية العدد
bit.ly/39zxa1h

🔴 الأعداد والهدايا السابقة
bit.ly/2vvtufk
‏٠١‏/٠٤‏/٢٠٢٠ ٩:٢٧ م‏
ملف: أوراق أفغانية..التاريخ السري للحرب عالقون بلا استراتيجية (ج1) ● كان لدى بوش وأوباما خُطط على طرفي نقيض لكسب الحرب وقد فشلت كلها تحقيق حصري لصحيفة واشنطن بوست[1] ترجمه لمجلة كلمة حق: حامد عبد العظيم في البداية ، كان الدافع لغزو أفغانستان واضحًا ومنطقياً، ألا وهو تدمير (القاعدة)، والإطاحة بنظام طالبان، ومنع تكرار هجمات 11 سبتمبر الإرهابية. في غضون ستة أشهر، أنجزت الولايات المتحدة إلى حد كبير ما كانت تنوي القيام به، قُتل قادة القاعدة وطالبان أو أُسروا وهربوا. ولكن بعد ذلك ارتكبت الحكومة الأمريكية خطأً جوهرياً، ستكرره مرارًا وتكرارًا على مدى 17 عامًا، وفقًا للوثائق الحكومية المخبأة التي حصلت عليها واشنطن بوست. في مئات المقابلات السرية التي تشكل تاريخًا سريًا للحرب، اعترف المسؤولون الأمريكيون والحلفاء بأنهم انحرفوا في اتجاهات لا علاقة لها بتنظيم القاعدة أو أحداث 11 سبتمبر، وذلك من خلال توسيع المهمة الأصلية، وذكروا أنهم اعتمدوا استراتيجيات قتال معيبة تستند إلى افتراضات مضللة عن بلد لم يفهموه. والنتيجة: صراع لا يمكن التغلب عليه، مع عدم وجود مخرج سهل. يقول ريتشارد باوتشر، الذي شغل منصب كبير الدبلوماسيين بوزارة الخارجية لجنوب آسيا في الفترة من 2006 إلى 2009: "إذا كانت هناك نظرية عن (المهمة المختلة) فستكون حول مهمتنا بأفغانستان". "يجب أن نقول كفى. نحن هناك من 15 سنة نحاول تحقيق ما لا يمكن تحقيقه، بدلاً من تحقيق ما يمكن تحقيقه". في المقابلات الصريحة غير المعتادة، قال المسؤولون الذين خدموا في عهد الرئيسين جورج بوش وباراك أوباما إن الاثنين قد فشلا في مهمتهما الأكثر أهمية كقائدين رئيسيين في وضع استراتيجية واضحة بأهداف موجزة يمكن تحقيقها. اعترف الدبلوماسيون والقادة العسكريون أنهم كافحوا للإجابة على أسئلة بسيطة مثل: مَن العدو؟ من الذي يمكننا الاعتماد عليه كحلفاء؟ كيف نعرف متى فزنا؟ اختلفت استراتيجيات بوش وأوباما، لكنهما ارتكبا أخطاء فادحة جداً لم يتعافيا منها أبداً، وفقاً للمقابلات. بعد سلسلة من الانتصارات العسكرية السريعة عام 2001 وأوائل عام 2002، قرر بوش الإبقاء على قوة خفيفة من القوات الأمريكية في أفغانستان إلى أجل غير مسمى لملاحقة الإرهابيين المشتبه بهم. لكنه سرعان ما وضع خططًا لغزو دولة أخرى - العراق - وسرعان ما أصبحت أفغانستان أمراً ثانوياً. وقال جيمس دوبينز، الدبلوماسي المحترف الذي شغل منصب المبعوث الخاص لأفغانستان في عهد بوش وأوباما، لمقابلات الحكومة إنه كان خطأ متغطرساً، وكان ينبغي أن يكون ذلك واضحًا منذ البداية. عند تولى أوباما السلطة عام 2009، كانت القاعدة قد اختفت إلى حد كبير من أفغانستان، لكن طالبان قد عادت مرة أخرى. مزق أوباما استراتيجية بوش لمكافحة الإرهاب، ووافق على خطة معاكسة، تتمثل في حملة ضخمة لمكافحة التمرد، تتكون من 150 ألف جندي أمريكي وقوات لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، إضافة إلى أطنان من المساعدات لحكومة أفغانية ضعيفة. على عكس بوش، وضع أوباما مواعيد نهائية صارمة، ووعد بإعادة جميع القوات الأمريكية إلى الوطن بحلول نهاية فترة رئاسته. لكن استراتيجية أوباما كانت مصيرها الفشل. المسؤولون الأمريكيون ومسؤولو الناتو والأفغان الذين أجروا مقابلات مع الحكومة قالوا إنها حاولت إنجاز الكثير بسرعة كبيرة، وإنها اعتمدت على حكومة أفغانية فاسدة وغير فعالة. الأسوأ، كما قالوا، أن أوباما حدد تواريخ زائفة لإنهاء الحرب قبل أن تنتهي، وكل ما كان على طالبان فعله هو انتظاره. يقول بوب كراولي (عقيد في الجيش متقاعد خدم كمستشار لمكافحة التمرد في 2013 و 2014): "كان هناك عدد من الافتراضات الخاطئة في الاستراتيجية، مثل: أفغانستان مستعدة للديمقراطية بين عشية وضحاها، وأن السكان سيدعمون الحكومة خلال مدة قصيرة، وغير ذلك من الافتراضات المتفائلة". على مدى السنوات الـ 18 الماضية، انتشر أكثر من 775،000 جندي أمريكي في أفغانستان، العديد منهم انتشروا مرارًا وتكرارًا. ومن بين هؤلاء مات 2300 شخص، و20.589 عادوا إلى منازلهم مصابين، وفقاً لأرقام وزارة الدفاع. اليوم، لا يزال نحو 13000 جندي أمريكي في أفغانستان. ويعترف الجيش الأمريكي بأن طالبان أقوى الآن من أي وقت مضى منذ عام 2001. ومع ذلك، لا توجد محاسبة شاملة وعامة للإخفاقات الاستراتيجية التي تقف وراء أطول حرب في التاريخ الأمريكي. لم تكن هناك لجنة تحقيق فيما جرى في أفغانستان على غرار لجنة 11 سبتمبر، والتي أرغمت الحكومة على تحمل المسؤولية في أعقاب أسوأ هجوم إرهابي على الأراضي الأمريكية؛ لا توجد نسخة لأفغانستان من جلسات (فولبرايت)، عندما تساءل أعضاء مجلس الشيوخ بقوة عن الحرب في فيتنام؛ لا توجد لأفغانستان نسخة رسمية من الجيش مؤلفة من 1300 صفحة تدرس تاريخ الحرب في العراق بعمق. في عام 2014، قررت وكالة اتحادية صغيرة أنشأها الكونجرس محاولة ملء الفراغ. أطلق مكتب المفتش العام لإعادة إعمار أفغانستان، المعروف باسم SIGAR، مشروعًا بقيمة 11 مليون دولار - بعنوان "الدروس المستفادة" - لدراسة الأخطاء الأساسية للحرب. بعد إجراء مقابلة مع أكثر من 600 شخص، نشر باحثو الوكالة سبعة تقارير أوصت بإجراء تغييرات في السياسة/ الخطة. لتجنب الجدال ، قامت SIGAR باستبعاد أقسى الانتقادات من مقابلات الدروس المستفادة وحذفت أسماء أكثر من 90 بالمائة من الأشخاص الذين تحدثت معهم. كما ألغت خططًا لنشر تقرير منفصل عن أوجه القصور في استراتيجية الحرب الأفغانية. بعد معركة قانونية استمرت ثلاث سنوات، حصلت (واشنطن بوست) على ملاحظات ونصوص، بالإضافة إلى العديد من التسجيلات الصوتية لأكثر من 400 من المقابلات. تكشف الوثائق بلغة صارخة أن الأشخاص الذين شاركوا مباشرة في الحرب لم يتمكنوا من التخلص من شكوكهم بشأن الاستراتيجية والمهمة بأكملها، حتى عندما أخبر بوش وأوباما وبعد ذلك الرئيس ترامب الشعب الأمريكي أنه من الضروري مواصلة القتال. "ماذا كنا نفعل فعلاً في هذا البلد؟" يتساءل مسؤول أميركي لم تُحدد هويته في مقابلة مع الحكومة، كان مسؤولاً عن الاتصال بحلف الناتو، والذي أضاف: "ما هي أهدافنا؟ بناء الأمة؟ حقوق المرأة؟ لم يكن واضحًا تمامًا في أذهاننا ما هي الأهداف والجداول الزمنية المحددة". وقال جيفري إيجرز، وهو مسؤول متقاعد من قوات البحرية ومسؤول بالبيت الأبيض في عهد بوش وأوباما، إن قلة من الناس توقفوا للتشكيك في جدوى إبقاء القوات الأمريكية في أفغانستان. "لماذا جعلنا طالبان العدو عندما هاجمنا تنظيم القاعدة؟ لماذا نريد هزيمة طالبان؟" قال إيجرز ذلك في مقابلات الدروس المستفادة، وأضاف: "النظام عاجز عن أخذ خطوة للوراء للتساؤل عن الافتراضات الأساسية". وقال باوتشر، الدبلوماسي المحترف الذي شغل أيضًا منصب كبير المتحدثين باسم وزارة الخارجية في عهد بوش، إن المسؤولين الأمريكيين لا يعرفون شيئاً عما يفعلون: "أولاً، ذهبنا للقضاء على القاعدة، ولإخراجها من أفغانستان، وقد حققنا ذلك حتى دون قتل بن لادن". "كانت طالبان تطلق علينا النار فبدأنا في إطلاق النار عليهم وأصبحوا العدو. في النهاية واصلنا توسيع المهمة باطراد". ما يقولون في العلن 28 مارس 2002 "الشيء الوحيد الذي يمكنك فعله هو قصفهم ومحاولة قتلهم، وهذا ما فعلناه، وقد نجح، لقد اختفوا". - وزير الدفاع دونالد رامسفيلد يتحدث عن طالبان والقاعدة، مقابلة مع MSNBC تلا تصريح رامسفيلد السابق لأوانه عدة تصريحات، افترض فيها كبار القادة الأمريكيين وهماً أنهم يستطيعون إنهاء الحرب بشروطهم. لقد تعرضت طالبان لضربة موجعة ولكن لم تختفِ. رفضت إدارة بوش، وسط شعورها بالثقة المفرطة بسبب السهولة الظاهرة لغزو أفغانستان، الجلوس مع قادة طالبان المهزومين للتفاوض على سلام دائم، وهو قرار ندم عليه المسؤولون الأمريكيون لاحقًا. استُبعدت طالبان من المؤتمرات الدولية والتجمعات الأفغانية من 2001 إلى 2003 التي شكلت حكومة جديدة، على الرغم من أن بعض شخصيات طالبان أبدت استعدادًا للانضمام إليها. وبدلاً من ذلك، نشرت الولايات المتحدة مكافآت مقابل أَسرهم وأرسلت المئات منهم إلى معتقل جوانتانامو في كوبا. بارنيت روبين، الخبير الأكاديمي الأمريكي في أفغانستان والذي عمل مستشارًا للأمم المتحدة في ذلك الوقت، قال في مقابلات الدروس المستفادة: "كان خطأ كبيراً عندما عاملنا طالبان مثل تنظيم القاعدة.. كان قادة طالبان الرئيسيون مستعدين لإعطاء النظام الجديد فرصة، لكننا لم نعطهم فرصة". طالبان لم تكن متورطة في هجمات 11 سبتمبر، لم يكن أي من الخاطفين أو المخططين أفغانيين. لكن إدارة بوش صنفت قادة طالبان على أنهم إرهابيون لأنهم أعطوا ملاذاً لتنظيم القاعدة ورفضوا تسليم أسامة بن لادن. كان من السهل شيطنة طالبان بسبب وحشيتها وتعصبها الديني، لكن الحركة أثبتت أنها كبيرة للغاية ومتأصلة في المجتمع الأفغاني. وقال روبن في مقابلة ثانية مع "الدروس المستفادة": "الكل أراد أن تختفي طالبان.. لم تكن هناك شهية كبيرة لما أطلقنا عليه الحد من التهديد للدبلوماسية الإقليمية ودمج طالبان في عملية السلام". اتفق مسؤول من الأمم المتحدة لم يكشف عن اسمه مع ما قال روبن، وصرّح للمقابلات بأنها كانت أكبر فرصة ضائعة في الحرب. وقال المسؤول في الأمم المتحدة: "في تلك اللحظة، كان معظم قادة الحزب الإسلامي أو قادة طالبان مهتمين بالانضمام إلى الحكومة". في إشارة إلى ميليشيا أفغانية أخرى قاتلت القوات الأمريكية. وقال المسؤول للدروس المستفادة: "إذا أتيحت لك الفرصة للتحدث مع طالبان، فتحدث معهم". أدرك المسؤولون الأمريكيون متأخراً أنه كان من المستحيل هزيمة طالبان. اليوم يقول مسؤولو البنتاجون إن السبيل الوحيد لإنهاء الحرب هو التوصل إلى تسوية سياسية تتصالح فيها طالبان مع الحكومة الأفغانية. في العام الماضي، فتحت الحكومة الأمريكية محادثات سلام مباشرة رفيعة المستوى مع طالبان لأول مرة. خمسة من مفاوضي طالبان هم أسرى حرب سابقون على يد الولايات المتحدة، قضى كل منهم عشر سنوات في الأسر في جوانتانامو. أما المبعوث الأمريكي الرئيسي فهو زلماي خليل زاد، الدبلوماسي الأفغاني الأمريكي الذي عمل سفيراً للولايات المتحدة في أفغانستان من عام 2003 إلى عام 2005 ثم سفيراً لدى العراق والأمم المتحدة. في مقابلة من مقابلات الدروس المستفادة في ديسمبر/ كانون الأول 2016، اعترف خليل زاد بأنه من خلال رفض التحدث مع طالبان، ربما تكون إدارة بوش قد أفسدت فرصة لإنهاء الحرب بعد وقت قصير من بدئها. وقال: "ربما لم نكن نتحلى بالمرونة أو الحكمة الكافية للتواصل مع طالبان في وقت مبكر، لأننا اعتقدنا أنهم هُزموا وأن الناقص فقط تقديمهم إلى العدالة، بدلاً من استيعابهم أو إجراء بعض المصالحة". بعد عام من مقابلة خليل زاد مع الدروس المستفادة ، سحبه ترامب إلى الخدمة العامة من خلال استغلاله كمبعوث أمريكي للتفاوض مع طالبان. قام المسؤولون الفيدراليون بتنقيح أجزاء واسعة من مقابلة خليل زاد قبل نشر نسخة لصحيفة The Post في يونيو، قائلين إنها تحتوي على معلومات سرية. في دعوى قضائية ، قالت وزارة العدل إن الكشف عن المواد السرية "قد يؤثر سلبًا على المفاوضات الدبلوماسية الجارية". طلبت الصحيفة من قاض فيدرالي مراجعة ما إذا كانت تصريحات خليل زاد مصنفة بشكل صحيح، والقرار إلى الآن معلق. في مقابلات الدروس المستفادة، قال مسؤولون آخرون إن إدارة بوش ضاعفت من خطأها المبكر مع طالبان من خلال ارتكاب خطأ حرج آخر، وهو معاملة باكستان كصديق. أعطى الحاكم العسكري الباكستاني الجنرال برويز مشرف، البنتاجون الإذن لاستخدام المجال الجوي الباكستاني، والسماح لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية بتتبع قادة القاعدة في الأراضي الباكستانية. ونتيجة لذلك، كان البيت الأبيض في عهد بوش بطيئًا في إدراك أن باكستان كانت تقدم بذلك دعمًا سريًا لطالبان، وفقًا للمقابلات. يقول مارين سترميكي كبير مستشاري رامسفيلد لمقابلة الحكومة: "بسبب ثقة الناس في مشرف وبسبب مساعدته للشرطة للقضاء على أفراد القاعدة في باكستان، كان هناك فشل في إدراك اللعبة المزدوجة التي بدأها بحلول أواخر عام 2002 ، وفي أوائل عام 2003". وأضاف سترميكي: "أعتقد أن الأفغان، و[الرئيس حامد] كرزاي نفسه، يثيرون هذا الأمر باستمرار حتى في بدايات عام 2002.. إنهم يقابلون آذانًا غير متعاطفة بسبب الاعتقاد بأن باكستان كانت تساعدنا كثيرًا ضد تنظيم القاعدة.. لا توجد مساءلة جادة لباكستان حول دورها الداعم لحركة طالبان". ________________________________________ [1] كاتب الاستقصاء هو الصحفي بواشنطن بوست: كريج ويتلوك. والاستقصاء منشور بتاريخ 9-12-2019. رابط الاستقصاء. وهو عبارة عن ستة أجزاء ومعهم ثلاثة مقالات إضافية، وقد ترجمنا الجزء الأول (والذي بعنوان: في حرب من الحقيقة) في العددين السابقين من مجلة كلمة حق، عدد 30 و31. [المترجم]
ملف: أوراق أفغانية..التاريخ السري للحرب
عالقون بلا استراتيجية (ج1)

● كان لدى بوش وأوباما خُطط على طرفي نقيض لكسب الحرب وقد فشلت كلها

تحقيق حصري لصحيفة واشنطن بوست[1]

ترجمه لمجلة كلمة حق: حامد عبد العظيم

في البداية ، كان الدافع لغزو أفغانستان واضحًا ومنطقياً، ألا وهو تدمير (القاعدة)، والإطاحة بنظام طالبان، ومنع تكرار هجمات 11 سبتمبر الإرهابية.
في غضون ستة أشهر، أنجزت الولايات المتحدة إلى حد كبير ما كانت تنوي القيام به، قُتل قادة القاعدة وطالبان أو أُسروا وهربوا.

ولكن بعد ذلك ارتكبت الحكومة الأمريكية خطأً جوهرياً، ستكرره مرارًا وتكرارًا على مدى 17 عامًا، وفقًا للوثائق الحكومية المخبأة التي حصلت عليها واشنطن بوست.

في مئات المقابلات السرية التي تشكل تاريخًا سريًا للحرب، اعترف المسؤولون الأمريكيون والحلفاء بأنهم انحرفوا في اتجاهات لا علاقة لها بتنظيم القاعدة أو أحداث 11 سبتمبر، وذلك من خلال توسيع المهمة الأصلية، وذكروا أنهم اعتمدوا استراتيجيات قتال معيبة تستند إلى افتراضات مضللة عن بلد لم يفهموه.

والنتيجة: صراع لا يمكن التغلب عليه، مع عدم وجود مخرج سهل.

يقول ريتشارد باوتشر، الذي شغل منصب كبير الدبلوماسيين بوزارة الخارجية لجنوب آسيا في الفترة من 2006 إلى 2009: "إذا كانت هناك نظرية عن (المهمة المختلة) فستكون حول مهمتنا بأفغانستان". "يجب أن نقول كفى.

نحن هناك من 15 سنة نحاول تحقيق ما لا يمكن تحقيقه، بدلاً من تحقيق ما يمكن تحقيقه".

في المقابلات الصريحة غير المعتادة، قال المسؤولون الذين خدموا في عهد الرئيسين جورج بوش وباراك أوباما إن الاثنين قد فشلا في مهمتهما الأكثر أهمية كقائدين رئيسيين في وضع استراتيجية واضحة بأهداف موجزة يمكن تحقيقها.

اعترف الدبلوماسيون والقادة العسكريون أنهم كافحوا للإجابة على أسئلة بسيطة مثل: مَن العدو؟ من الذي يمكننا الاعتماد عليه كحلفاء؟ كيف نعرف متى فزنا؟

اختلفت استراتيجيات بوش وأوباما، لكنهما ارتكبا أخطاء فادحة جداً لم يتعافيا منها أبداً، وفقاً للمقابلات.

بعد سلسلة من الانتصارات العسكرية السريعة عام 2001 وأوائل عام 2002، قرر بوش الإبقاء على قوة خفيفة من القوات الأمريكية في أفغانستان إلى أجل غير مسمى لملاحقة الإرهابيين المشتبه بهم. لكنه سرعان ما وضع خططًا لغزو دولة أخرى - العراق - وسرعان ما أصبحت أفغانستان أمراً ثانوياً.

وقال جيمس دوبينز، الدبلوماسي المحترف الذي شغل منصب المبعوث الخاص لأفغانستان في عهد بوش وأوباما، لمقابلات الحكومة إنه كان خطأ متغطرساً، وكان ينبغي أن يكون ذلك واضحًا منذ البداية.

عند تولى أوباما السلطة عام 2009، كانت القاعدة قد اختفت إلى حد كبير من أفغانستان، لكن طالبان قد عادت مرة أخرى.

مزق أوباما استراتيجية بوش لمكافحة الإرهاب، ووافق على خطة معاكسة، تتمثل في حملة ضخمة لمكافحة التمرد، تتكون من 150 ألف جندي أمريكي وقوات لحلف شمال الأطلسي (الناتو)، إضافة إلى أطنان من المساعدات لحكومة أفغانية ضعيفة.

على عكس بوش، وضع أوباما مواعيد نهائية صارمة، ووعد بإعادة جميع القوات الأمريكية إلى الوطن بحلول نهاية فترة رئاسته.

لكن استراتيجية أوباما كانت مصيرها الفشل. المسؤولون الأمريكيون ومسؤولو الناتو والأفغان الذين أجروا مقابلات مع الحكومة قالوا إنها حاولت إنجاز الكثير بسرعة كبيرة، وإنها اعتمدت على حكومة أفغانية فاسدة وغير فعالة.

الأسوأ، كما قالوا، أن أوباما حدد تواريخ زائفة لإنهاء الحرب قبل أن تنتهي، وكل ما كان على طالبان فعله هو انتظاره.

يقول بوب كراولي (عقيد في الجيش متقاعد خدم كمستشار لمكافحة التمرد في 2013 و 2014): "كان هناك عدد من الافتراضات الخاطئة في الاستراتيجية، مثل: أفغانستان مستعدة للديمقراطية بين عشية وضحاها، وأن السكان سيدعمون الحكومة خلال مدة قصيرة، وغير ذلك من الافتراضات المتفائلة".

على مدى السنوات الـ 18 الماضية، انتشر أكثر من 775،000 جندي أمريكي في أفغانستان، العديد منهم انتشروا مرارًا وتكرارًا. ومن بين هؤلاء مات 2300 شخص، و20.589 عادوا إلى منازلهم مصابين، وفقاً لأرقام وزارة الدفاع.

اليوم، لا يزال نحو 13000 جندي أمريكي في أفغانستان. ويعترف الجيش الأمريكي بأن طالبان أقوى الآن من أي وقت مضى منذ عام 2001. ومع ذلك، لا توجد محاسبة شاملة وعامة للإخفاقات الاستراتيجية التي تقف وراء أطول حرب في التاريخ الأمريكي.

لم تكن هناك لجنة تحقيق فيما جرى في أفغانستان على غرار لجنة 11 سبتمبر، والتي أرغمت الحكومة على تحمل المسؤولية في أعقاب أسوأ هجوم إرهابي على الأراضي الأمريكية؛ لا توجد نسخة لأفغانستان من جلسات (فولبرايت)، عندما تساءل أعضاء مجلس الشيوخ بقوة عن الحرب في فيتنام؛ لا توجد لأفغانستان نسخة رسمية من الجيش مؤلفة من 1300 صفحة تدرس تاريخ الحرب في العراق بعمق.

في عام 2014، قررت وكالة اتحادية صغيرة أنشأها الكونجرس محاولة ملء الفراغ. أطلق مكتب المفتش العام لإعادة إعمار أفغانستان، المعروف باسم SIGAR، مشروعًا بقيمة 11 مليون دولار - بعنوان "الدروس المستفادة" - لدراسة الأخطاء الأساسية للحرب. بعد إجراء مقابلة مع أكثر من 600 شخص، نشر باحثو الوكالة سبعة تقارير أوصت بإجراء تغييرات في السياسة/ الخطة.

لتجنب الجدال ، قامت SIGAR باستبعاد أقسى الانتقادات من مقابلات الدروس المستفادة وحذفت أسماء أكثر من 90 بالمائة من الأشخاص الذين تحدثت معهم. كما ألغت خططًا لنشر تقرير منفصل عن أوجه القصور في استراتيجية الحرب الأفغانية.

بعد معركة قانونية استمرت ثلاث سنوات، حصلت (واشنطن بوست) على ملاحظات ونصوص، بالإضافة إلى العديد من التسجيلات الصوتية لأكثر من 400 من المقابلات. تكشف الوثائق بلغة صارخة أن الأشخاص الذين شاركوا مباشرة في الحرب لم يتمكنوا من التخلص من شكوكهم بشأن الاستراتيجية والمهمة بأكملها، حتى عندما أخبر بوش وأوباما وبعد ذلك الرئيس ترامب الشعب الأمريكي أنه من الضروري مواصلة القتال.

"ماذا كنا نفعل فعلاً في هذا البلد؟" يتساءل مسؤول أميركي لم تُحدد هويته في مقابلة مع الحكومة، كان مسؤولاً عن الاتصال بحلف الناتو، والذي أضاف: "ما هي أهدافنا؟ بناء الأمة؟ حقوق المرأة؟ لم يكن واضحًا تمامًا في أذهاننا ما هي الأهداف والجداول الزمنية المحددة".

وقال جيفري إيجرز، وهو مسؤول متقاعد من قوات البحرية ومسؤول بالبيت الأبيض في عهد بوش وأوباما، إن قلة من الناس توقفوا للتشكيك في جدوى إبقاء القوات الأمريكية في أفغانستان.

"لماذا جعلنا طالبان العدو عندما هاجمنا تنظيم القاعدة؟ لماذا نريد هزيمة طالبان؟" قال إيجرز ذلك في مقابلات الدروس المستفادة، وأضاف: "النظام عاجز عن أخذ خطوة للوراء للتساؤل عن الافتراضات الأساسية".

وقال باوتشر، الدبلوماسي المحترف الذي شغل أيضًا منصب كبير المتحدثين باسم وزارة الخارجية في عهد بوش، إن المسؤولين الأمريكيين لا يعرفون شيئاً عما يفعلون: "أولاً، ذهبنا للقضاء على القاعدة، ولإخراجها من أفغانستان، وقد حققنا ذلك حتى دون قتل بن لادن". "كانت طالبان تطلق علينا النار فبدأنا في إطلاق النار عليهم وأصبحوا العدو. في النهاية واصلنا توسيع المهمة باطراد".

ما يقولون في العلن
28 مارس 2002

"الشيء الوحيد الذي يمكنك فعله هو قصفهم ومحاولة قتلهم، وهذا ما فعلناه، وقد نجح، لقد اختفوا".

- وزير الدفاع دونالد رامسفيلد يتحدث عن طالبان والقاعدة، مقابلة مع MSNBC

تلا تصريح رامسفيلد السابق لأوانه عدة تصريحات، افترض فيها كبار القادة الأمريكيين وهماً أنهم يستطيعون إنهاء الحرب بشروطهم. لقد تعرضت طالبان لضربة موجعة ولكن لم تختفِ.

رفضت إدارة بوش، وسط شعورها بالثقة المفرطة بسبب السهولة الظاهرة لغزو أفغانستان، الجلوس مع قادة طالبان المهزومين للتفاوض على سلام دائم، وهو قرار ندم عليه المسؤولون الأمريكيون لاحقًا.

استُبعدت طالبان من المؤتمرات الدولية والتجمعات الأفغانية من 2001 إلى 2003 التي شكلت حكومة جديدة، على الرغم من أن بعض شخصيات طالبان أبدت استعدادًا للانضمام إليها. وبدلاً من ذلك، نشرت الولايات المتحدة مكافآت مقابل أَسرهم وأرسلت المئات منهم إلى معتقل جوانتانامو في كوبا.

بارنيت روبين، الخبير الأكاديمي الأمريكي في أفغانستان والذي عمل مستشارًا للأمم المتحدة في ذلك الوقت، قال في مقابلات الدروس المستفادة: "كان خطأ كبيراً عندما عاملنا طالبان مثل تنظيم القاعدة.. كان قادة طالبان الرئيسيون مستعدين لإعطاء النظام الجديد فرصة، لكننا لم نعطهم فرصة".

طالبان لم تكن متورطة في هجمات 11 سبتمبر، لم يكن أي من الخاطفين أو المخططين أفغانيين. لكن إدارة بوش صنفت قادة طالبان على أنهم إرهابيون لأنهم أعطوا ملاذاً لتنظيم القاعدة ورفضوا تسليم أسامة بن لادن.

كان من السهل شيطنة طالبان بسبب وحشيتها وتعصبها الديني، لكن الحركة أثبتت أنها كبيرة للغاية ومتأصلة في المجتمع الأفغاني.

وقال روبن في مقابلة ثانية مع "الدروس المستفادة": "الكل أراد أن تختفي طالبان.. لم تكن هناك شهية كبيرة لما أطلقنا عليه الحد من التهديد للدبلوماسية الإقليمية ودمج طالبان في عملية السلام".

اتفق مسؤول من الأمم المتحدة لم يكشف عن اسمه مع ما قال روبن، وصرّح للمقابلات بأنها كانت أكبر فرصة ضائعة في الحرب. وقال المسؤول في الأمم المتحدة: "في تلك اللحظة، كان معظم قادة الحزب الإسلامي أو قادة طالبان مهتمين بالانضمام إلى الحكومة". في إشارة إلى ميليشيا أفغانية أخرى قاتلت القوات الأمريكية. وقال المسؤول للدروس المستفادة: "إذا أتيحت لك الفرصة للتحدث مع طالبان، فتحدث معهم".

أدرك المسؤولون الأمريكيون متأخراً أنه كان من المستحيل هزيمة طالبان. اليوم يقول مسؤولو البنتاجون إن السبيل الوحيد لإنهاء الحرب هو التوصل إلى تسوية سياسية تتصالح فيها طالبان مع الحكومة الأفغانية.

في العام الماضي، فتحت الحكومة الأمريكية محادثات سلام مباشرة رفيعة المستوى مع طالبان لأول مرة.

خمسة من مفاوضي طالبان هم أسرى حرب سابقون على يد الولايات المتحدة، قضى كل منهم عشر سنوات في الأسر في جوانتانامو. أما المبعوث الأمريكي الرئيسي فهو زلماي خليل زاد، الدبلوماسي الأفغاني الأمريكي الذي عمل سفيراً للولايات المتحدة في أفغانستان من عام 2003 إلى عام 2005 ثم سفيراً لدى العراق والأمم المتحدة.

في مقابلة من مقابلات الدروس المستفادة في ديسمبر/ كانون الأول 2016، اعترف خليل زاد بأنه من خلال رفض التحدث مع طالبان، ربما تكون إدارة بوش قد أفسدت فرصة لإنهاء الحرب بعد وقت قصير من بدئها. وقال: "ربما لم نكن نتحلى بالمرونة أو الحكمة الكافية للتواصل مع طالبان في وقت مبكر، لأننا اعتقدنا أنهم هُزموا وأن الناقص فقط تقديمهم إلى العدالة، بدلاً من استيعابهم أو إجراء بعض المصالحة".

بعد عام من مقابلة خليل زاد مع الدروس المستفادة ، سحبه ترامب إلى الخدمة العامة من خلال استغلاله كمبعوث أمريكي للتفاوض مع طالبان.

قام المسؤولون الفيدراليون بتنقيح أجزاء واسعة من مقابلة خليل زاد قبل نشر نسخة لصحيفة The Post في يونيو، قائلين إنها تحتوي على معلومات سرية. في دعوى قضائية ، قالت وزارة العدل إن الكشف عن المواد السرية "قد يؤثر سلبًا على المفاوضات الدبلوماسية الجارية".

طلبت الصحيفة من قاض فيدرالي مراجعة ما إذا كانت تصريحات خليل زاد مصنفة بشكل صحيح، والقرار إلى الآن معلق.

في مقابلات الدروس المستفادة، قال مسؤولون آخرون إن إدارة بوش ضاعفت من خطأها المبكر مع طالبان من خلال ارتكاب خطأ حرج آخر، وهو معاملة باكستان كصديق.

أعطى الحاكم العسكري الباكستاني الجنرال برويز مشرف، البنتاجون الإذن لاستخدام المجال الجوي الباكستاني، والسماح لوكالة الاستخبارات المركزية الأمريكية بتتبع قادة القاعدة في الأراضي الباكستانية. ونتيجة لذلك، كان البيت الأبيض في عهد بوش بطيئًا في إدراك أن باكستان كانت تقدم بذلك دعمًا سريًا لطالبان، وفقًا للمقابلات.

يقول مارين سترميكي كبير مستشاري رامسفيلد لمقابلة الحكومة: "بسبب ثقة الناس في مشرف وبسبب مساعدته للشرطة للقضاء على أفراد القاعدة في باكستان، كان هناك فشل في إدراك اللعبة المزدوجة التي بدأها بحلول أواخر عام 2002 ، وفي أوائل عام 2003".

وأضاف سترميكي: "أعتقد أن الأفغان، و[الرئيس حامد] كرزاي نفسه، يثيرون هذا الأمر باستمرار حتى في بدايات عام 2002.. إنهم يقابلون آذانًا غير متعاطفة بسبب الاعتقاد بأن باكستان كانت تساعدنا كثيرًا ضد تنظيم القاعدة.. لا توجد مساءلة جادة لباكستان حول دورها الداعم لحركة طالبان".

________________________________________
[1] كاتب الاستقصاء هو الصحفي بواشنطن بوست: كريج ويتلوك. والاستقصاء منشور بتاريخ 9-12-2019. رابط الاستقصاء. وهو عبارة عن ستة أجزاء ومعهم ثلاثة مقالات إضافية، وقد ترجمنا الجزء الأول (والذي بعنوان: في حرب من الحقيقة) في العددين السابقين من مجلة كلمة حق، عدد 30 و31. [المترجم]
‏٣١‏/٠٣‏/٢٠٢٠ ٨:٥٣ م‏
مقال عالم أسير..

هذا يوم من أيام الله تعالى

د. محمد موسى الشريف
‏٢٦‏/٠٣‏/٢٠٢٠ ٨:١٢ م‏
من تراث الأزهر
‏٢٥‏/٠٣‏/٢٠٢٠ ٩:٣١ م‏
(( إعلان )) مطلوب مصمم جرافيك ((متطوع)) لمجلة كلمة حق، يجيد العمل على الفوتوشوب والإنديزاين، على أن يتسم بالجدية والالتزام بالوقت. رجاء إرسال الاسم وبلد الإقامة ونماذج من الأعمال السابقة على بريد المجلة: klmtuhaq@gmail.com
(( إعلان ))

مطلوب مصمم جرافيك ((متطوع)) لمجلة كلمة حق، يجيد العمل على الفوتوشوب والإنديزاين، على أن يتسم بالجدية والالتزام بالوقت.

رجاء إرسال الاسم وبلد الإقامة ونماذج من الأعمال السابقة على بريد المجلة:
klmtuhaq@gmail.com
‏٢٣‏/٠٣‏/٢٠٢٠ ١١:٥١ ص‏
أوراق أفغانية..التاريخ السري للحرب في حرب مع الحقيقة (2/2) تحقيق حصري لصحيفة واشنطن بوست[1] ترجمه لمجلة كلمة حق: حامد عبد العظيم ماذا يقولون في العلن 1 ديسمبر 2009 "انتهى التوقيع على بياض، يجب أن يكون واضحاً أن الأفغان يتعين عليهم تحمل مسؤولية أمنهم، وأن أمريكا ليست لديها مصلحة في خوض حرب لا نهاية لها في أفغانستان". الرئيس باراك أوباما، في خطاب ألقاه في الأكاديمية العسكرية الأمريكية في ويست بوينت، نيويورك. وعد كل من بوش وأوباما وترامب الجمهور بالشيء نفسه، لقد تجنبوا الوقوع في فخ "بناء الأمة" في أفغانستان. لقد فشل الرؤساء فشلا ذريعاً، وخصصت الولايات المتحدة أكثر من 133 مليار دولار لبناء أفغانستان، أي أكثر مما خصصت للقضاء على التضخم، لإحياء أوروبا الغربية بأكملها بخطة مارشال بعد الحرب العالمية الثانية. تُظهر مقابلات الدروس المستفادة أن مشروع بناء الأمة الفخم كان مشوهاً منذ البداية. حاول المسؤولون الأمريكيون تشكيل حكومة ديمقراطية في كابول على غرار حكومتهم في واشنطن. لقد كان مفهومًا أجنبيًا على الأفغان الذين اعتادوا القبلية والملكية والشيوعية والشريعة الإسلامية. "محاولتنا إنشاء حكومة مركزية قوية في أفغانستان كانت غبية؛ لأن أفغانستان لم تعرف في تاريخها مثل هذه الحكومة"، هذا ما صرح به مسؤول سابق في وزارة الخارجية أثناء مقابلة حكومية عام 2015. "الإطار الزمني لإنشاء حكومة مركزية قوية هو 100 سنة، وهي المدة التي لم تُتح لنا". وفي الوقت نفسه، أغرقت الولايات المتحدة البلد الهش بمساعدات أكبر بكثير مما يمكن أن تستوعبها. خلال ذروة القتال، في الفترة من 2009 إلى 2012، اعتقد المشرعون والقادة العسكريون الأمريكيون أنه كلما زاد إنفاقهم على المدارس والجسور والقنوات ومشاريع الأشغال المدنية الأخرى، تحسن الوضع الأمني بشكل أسرع. وقال عمال الإغاثة للقائمين على إجراء المقابلات الحكومية إن هذا كان سوء تقدير هائلاً، يشبه ضخ الكيروسين فقط لإبقاء الشعلة حية. أحد المديرين التنفيذيين -لم يذكر اسمه- في الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) خمن أن 90 في المائة مما أنفقوه كان مبالغاً فيه: "لقد فقدنا الموضوعية. لقد حصلنا على المال، وقيل لنا أنفقوه، فأنفقناه دون سبب". ألقى الكثير من عمال الإغاثة باللوم على الكونجرس لما عدوه اندفاعًا طائشًا في الإنفاق. أخبر متعاقد مجهول المقابلات الحكومية أنه من المتوقع أن يخصص 3 ملايين دولار يوميًا لمشاريع في منطقة أفغانية واحدة بحجم مقاطعة أمريكية تقريبًا. سأل ذات مرة أحد أعضاء الكونجرس الزائرين عما إذا كان بإمكان المشرع أن ينفق هذا النوع من المال بشكل مسؤول في الوطن قال "لا بحق الجحيم". "حسنًا، سيدي، هذا ما ألزمتنا به للتو، وأنا أفعل ذلك لمجتمعات تعيش في أكواخ من الطين بلا نوافذ". كما أدى تداعيات المساعدات التي أنفقتها واشنطن على أفغانستان إلى ظهور مستويات تاريخية من الفساد. في الأماكن العامة، أصر المسؤولون الأمريكيون على عدم تسامحهم مع الكسب غير المشروع. لكن في مقابلات "الدروس المستفادة"، اعترفوا بأن الحكومة الأمريكية غضت الطرف بينما ينهب الأفغان حلفاء واشنطن ويفلتون من العقاب. وقال كريستوفر كوليندا، عقيد في الجيش عمل في أفغانستان عدة مرات ونصح ثلاثة جنرالات أمريكيين مكلفين بالحرب، بأن الحكومة الأفغانية بقيادة الرئيس حامد كرزاي "متورطة في نظام حكم كليبتوري " بحلول عام 2006 - وأن المسؤولين الأمريكيين فشلوا في الاعتراف بالتهديد المميت الذي تشكله لاستراتيجيتهم. "أحب استخدام تشبيه السرطان"، قالت ذلك كولندا لمقابلات الحكومة. "الفساد الصغير يشبه سرطان الجلد، هناك طرق للتعامل معه، وربما يصبح الجلد على ما يرام. الفساد داخل الوزارات، المستوى الأعلى، يشبه سرطان القولون؛ الأمر أسوأ، ولكن إذا قضيت عليه في الوقت المناسب فأنت على الأرجح بخير. الكليبتوقراطية مثل سرطان الدماغ.. إنه قاتل". من خلال السماح للفساد بالتفاقم، صرح المسؤولون الأمريكيون خلال المقابلات، أنهم ساعدوا على تدمير الشرعية الشعبية للحكومة الأفغانية المتهورة التي كانوا يقاتلون لدعمها. مع ابتزاز القضاة ورؤساء الشرطة والبيروقراطيين للناس وطلبهم للرشاوي، حنق الكثير من الأفغان على الديمقراطية وتوجهوا إلى طالبان لفرض النظام. وقال كروكر، الذي عمل كأكبر دبلوماسي أمريكي في كابول في عام 2002 ومرة أخرى من عام 2011 إلى عام 2012، في مقابلات مع الحكومة: "مشروعنا الوحيد والأكبر، للأسف وبشكل غير مقصود، بالطبع، ربما كان تطوير الفساد الشامل". وأضاف: "بمجرد أن يصل إلى المستوى الذي رأيته عندما كنت هناك، يصبح من الصعب جداً أو المستحيل معالجته". ما قالوا في العلن 4 سبتمبر 2013 "لقد كان الجيش الشرطة فعالين للغاية في القتال ضد المتمردين. وأعتقد أن هذه قصة مهمة يجب سردها في جميع المجالات". الفريق آنذاك، الجنرال مارك أ. ميلي، يمتدح قوات الأمن الأفغانية خلال مؤتمر صحفي من كابول. ميللي الآن جنرال أربع نجوم ورئيس هيئة الأركان المشتركة. سنة بعد سنة، يقول الجنرالات الأمريكيون في العلن إنهم يحرزون تقدماً مطرداً في الهدف المركزي لاستراتيجيتهم: تدريب جيش أفغاني قوي وقوة شرطة وطنية يمكنها الدفاع عن البلاد دون مساعدة أجنبية. في المقابلات، وصف المدربون العسكريون الأمريكيون قوات الأمن الأفغانية بأنها غير كفؤة وغير صادقة. كما اتهموا القادة الأفغان بتحصيل الرواتب - التي يدفعها دافعو الضرائب الأمريكيون - لعشرات الآلاف من "الجنود الأشباح". لم يعرب أي أحد عن ثقته في قدرة الجيش والشرطة الأفغانيين على صد طالبان. لقد قُتل أكثر من 60.000 من أفراد قوات الأمن الأفغانية، وهو معدل الخسائر الذي وصفه القادة الأمريكيون بأنه لا يمكن تحمله. وقال جندي أمريكي لم تُحدد هويته إن فرق القوات الخاصة "كرهت" الشرطة الأفغانية التي تدربت على أيديهم وعملت معهم، ووصفوها بأنها بشعة وبأنها في قاع القاع. قدّر ضابط عسكري أمريكي أن ثلث مجندي الشرطة كانوا "مدمنين على المخدرات أو من طالبان". وضابط أمريكي آخر قال إنهم "سارقون حمقى" ينهبون الكثير من الوقود من القواعد الأمريكية لدرجة أنك تشم منهم رائحة البنزين دائماً. وقال مسؤول رفيع المستوى في الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية لم يكشف عن هويته في مقابلات الحكومة: "التفكير في أننا يمكن أن نبني الجيش بالسرعة والجودة المطلوبَين كان أمراً جنونياً". وفي الوقت نفسه، ومع فشل آمال الولايات المتحدة في إيجاد قوات أمن أفغانية بالشكل المطلوبة، أصبحت أفغانستان المصدر الرئيسي في العالم لكارثة متزايدة: الأفيون. أنفقت الولايات المتحدة نحو 9 مليارات دولار لمحاربة المشكلة على مدى السنوات الـ 18 الماضية، لكن المزارعين الأفغان يزرعون المزيد من خشخاش الأفيون أكثر من أي وقت مضى. في العام الماضي، كانت حظ أفغانستان 82 في المائة من الإنتاج العالمي للأفيون، وفقًا لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة. في مقابلات الدروس المستفادة، قال مسؤولون سابقون إن كل ما فعلوه تقريبًا لتقييد زراعة الأفيون يأتي بنتائج عكسية. قال دوجلاس لوت، قيصر الحرب الأفغانية في البيت الأبيض من عام 2007 إلى عام 2013: "لقد أعلنا بوضوح أن هدفنا هو إقامة "اقتصاد سوق مزدهر". "أعتقد أنه كان يتعين علينا أن نحدد فقط تجارة الأدوية، فهذا الجزء الوحيد المزدهر". من البداية، لم تعرف واشنطن كيف تدمج حربها على المخدرات مع حربها ضد القاعدة. بحلول عام 2006، كان المسؤولون الأمريكيون يخشون أن يكون تجار المخدرات قد أصبحوا أقوى من الحكومة الأفغانية وأن الأموال المربَحة من تجارة المخدرات كانت هي التي تشعل التمرد. لم تكن هناك أي وكالة أو دولة مسؤولة عن استراتيجية مكافحة المخدرات الأفغانية، لذا فإن وزارة الخارجية ووكالة مكافحة المخدرات والجيش الأمريكي وحلفاء الناتو والحكومة الأفغانية ظلوا يتدخلون باستمرار. وقال مسؤول بريطاني كبير سابق لم تذكر اسمه مقابلات الحكومة: "لقد كان شيئاً فوضوياً للغاية بلا أي فرصة للعمل المنظم". زادت الوكالات والحلفاء الأمور سوءًا من خلال تبني مجموعة مختلطة من البرامج، وفقًا للمقابلات. في البداية، كان البريطانيون يدفعون لمزارعي الخشخاش الأفغان لتدمير محاصيلهم، الأمر الذي شجعهم فقط على النمو أكثر في الموسم التالي. في وقت لاحق، قضت الحكومة الأمريكية على حقول الخشخاش دون تعويض، الأمر الذي أغضب المزارعين وشجعهم على الوقوف مع طالبان. "لقد كان من المحزن أن نرى الكثير من الناس يتصرفون بغباء"، هذا ما قاله مسؤول أمريكي خلال مقابلات الحكومة. الذي قالوه في العلن 8 سبتمبر 2008 هل نخسر هذه الحرب؟ بالتأكيد مستحيل. هل يستطيع العدو الفوز بها؟ بالتأكيد مستحيل". اللواء بالجيش الجنرال جيفري شلوسر ، قائد الفرقة 101، في مؤتمر صحفي من أفغانستان. شبح فيتنام يحوم حول أفغانستان منذ البداية. في 11 أكتوبر 2001، أي بعد أيام قليلة من بدء الولايات المتحدة قصف طالبان، سأل أحد المراسلين بوش: "هل يمكنك تجنب الانجراف إلى مستنقع أفغاني يشبه فيتنام؟" ردّ بوش بثقة: "لقد تعلمنا بعض الدروس المهمة للغاية في فيتنام". "كثيراً ما يسألني الناس إلى متى سيستمر هذا؟ ستستمر هذه المعركة إلى تقديم القاعدة إلى العدالة. قد يحدث غدًا، قد يحدث بعد شهر، وقد يستغرق عامًا أو عامين، لكننا سننتصر". في تلك الأيام الأولى، سخر قادة أميركيون آخرون من فكرة أن كابوس فيتنام قد يعيد نفسه في أفغانستان. قال رامسفيلد مازحاً في مؤتمر صحفي يوم 27 نوفمبر 2001: "نقول جميعاً معاً: مستنقع!" لكن طوال الحرب الأفغانية، أظهرت الوثائق أن المسؤولين العسكريين الأمريكيين لجأوا إلى تكتيك قديم من حرب فيتنام: التلاعب بالرأي العام. في المؤتمرات الصحفية وغيرها من التجمعات العامة، اتبع المسؤولون عن الحرب نفس طريقة الكلام منذ 18 عامًا، بغض النظر عن الطريقة التي تسير بها الحرب - خاصة عندما تسير الأمور بشكل سيء - يؤكدون على أنهم يحرزون تقدماً. على سبيل المثال، تظهر بعض الكتابات التي أصدرها رامسفيلد مع مذكراته، أنه تلقى سلسلة من التحذيرات الرهيبة بشكل غير عادي من منطقة الحرب عام 2006. بعد عودته من مهمة لتقصي الحقائق إلى أفغانستان، أفاد باري مكافري، وهو جنرال متقاعد بالجيش، أن طالبان قد عادت بشكل مذهل وتوقع: "سنواجه بعض المفاجآت غير السارة في الأشهر الـ 24 المقبلة". وكتب ماكافري في يونيو/ حزيران 2006: "إن القيادة الوطنية الأفغانية مرعوبة جميعها من أننا سنخرج من أفغانستان في السنوات القليلة المقبلة - تاركين الناتو يمسك بزمام الأمور - وأن الأمر سينهار برمته في الفوضى". بعد ذلك بشهرين، أعطى مارين سترميكي، مستشار مدني لرامسفيلد، لرئيس البنتاجون تقريراً سرياً مؤلفاً من 40 صفحة ومزوداً بأخبار سيئة، فقال: "إن السخط الشعبي الهائل يتفاقم ضد الحكومة الأفغانية بسبب فسادها وعدم كفاءتها". كما قال: "إن طالبان أصبحت أقوى، بفضل دعم باكستان، حليفة أمريكا". لكن بمباركة رامسفيلد الشخصية، دفن البنتاجون التحذيرات الكئيبة وأخبر الجمهور بقصة مختلفة تمامًا. في أكتوبر 2006، قدّم كُتاب رامسفيلد ورقة بعنوان "أفغانستان: بعد خمس سنوات". كانت مليئة بالتفاؤل، وأبرزت أكثر من 50 من الحقائق والأرقام الواعدة، من عدد النساء الأفغانيات اللائي دُربن على "تحسين إدارة الدواجن" (أكثر من 19000) إلى "متوسط السرعة في معظم الطرق" (بزيادة 300 بالمائة). وقالت الورقة: "بعد مرور خمس سنوات، ظهر العديد من الأخبار الجيدة". "رغم المألوف في بعض الأوساط تسمية أفغانستان بأنها حرب منسية، أو القول بأن الولايات المتحدة فقدت تركيزها، فإن الحقائق تكذب الأساطير". اعتقد رامسفيلد أن هذه الورقة كانت رائعة، "هذه الورقة" كما كتب في مذكرةٍ: "هي قطعة ممتازة، فكيف نستخدمها؟ أيكون مقالاً؟ أم قطعة افتتاحية؟ أم نشرة؟ أم مؤتمراً صحفياً؟ أم كل ما ورد سابقاً؟ أعتقد أنها يجب أن تصل إلى الكثير من الناس". موظفو رامسفيلد حرصوا على التأكد من وصولها لأكبر قدر ممكن، فوزعوا نسخة على المراسلين ونشروها على مواقع البنتاجون الإلكترونية. منذ ذلك الحين، كان الجنرالات الأمريكيون يقرون دائمًا أن الحرب تتقدم بشكل جيد، بغض النظر عن الواقع في ساحة المعركة. قال الميجور جنرال جيفري شلوسر، قائد الفرقة 101، للصحفيين في سبتمبر 2008: "إننا نحرز بعض التقدم بشكل مطرد". بينما كان هو والقادة الأمريكيون الآخرون في كابول يطلبون بشكل عاجل تعزيزات لمواجهة موجة هجوم متصاعدة من مقاتلي طالبان. بعد ذلك بعامين، ومع ارتفاع معدل الإصابات بين قوات الولايات المتحدة وحلف الناتو إلى مستوى مرتفع، عقد الفريق ديفيد رودريجيز مؤتمراً صحفياً في كابول، وكان مما قال: "أولاً: نحن نحرز تقدماً متأنياً بشكل ثابت". في مارس 2011 ، خلال جلسات استماع بالكونجرس، أمطر مشرعون متشككون الجنرال ديفيد بترايوس، قائد قوات الولايات المتحدة وحلف الناتو في أفغانستان، بوابل من الشكوك في كون الاستراتيجية الأمريكية ناجحة. ورد بترايوس قائلاً: "شهدت الأشهر الثمانية الماضية تقدمًا مهمًا وصعب المنال". بعد عام واحد، أثناء زيارة إلى أفغانستان، تمسك وزير الدفاع ليون بانيتا بنفس السيناريو، رغم أنه نجا شخصياً من هجوم انتحاري. وقال بانيتا للصحفيين: "أعتقد أن الحملة، كما أشرت من قبل، قد حققت تقدماً ملحوظاً". في يوليو 2016، بعد تصاعد هجمات طالبان على المدن الكبرى، كرر الجنرال جون دبليو نيكولسون جونيور، قائد القوات الأمريكية في أفغانستان حينها، هذا الادعاء، وقال للصحفيين: "إننا نشهد بعض التقدم". ما قالوا في العلن 27 مارس 2009 "للمضي قدمًا، لن نواصل المسيرة عُمياً، بدلاً من ذلك، سنضع مقاييس واضحة لقياس التقدم المحرز ومحاسبة أنفسنا". أوباما، في تصريحات من البيت الأبيض خلال فيتنام، اعتمد القادة العسكريون الأمريكيون على قياسات مشكوك فيها لإقناع الأمريكيين بأنهم فازوا. والأكثر شهرة، أن البنتاجون سلط الضوء على "إحصائيات الجثث" أو عدد مقاتلي العدو الذين قُتلوا، وتضخيم الأرقام كمقياس للنجاح. في أفغانستان، مع استثناءات من حين لآخر، تجنب الجيش الأمريكي بشكل عام الإعلان عن إحصائيات القتلى. لكن مقابلات الدروس المستفادة تحتوي على اعترافات عديدة بأن الحكومة روّجت بشكل منتظم للإحصائيات التي وصفها مسؤولون بأنها مشوهة أو زائفة أو خاطئة. قال شخص عُرفت هويته فقط كمسؤول بارز في مجلس الأمن القومي إن هناك ضغوطًا مستمرة من البيت الأبيض خلال عهد أوباما وكذلك البنتاجون، لتقديم أرقام تظهر أن زيادة عدد القوات في الفترة من 2009 إلى 2011 كانت ناجحة، على الرغم من الأدلة القوية على عكس ذلك. "كان من المستحيل إنشاء مقاييس جيدة، لقد حاولنا استخدام أعداد القوات المدربة، ومستويات العنف، والسيطرة على الأراضي، ولم يقدم أي منها صورة دقيقة". هذا ما صرح به مسؤول كبير في مجلس الأمن القومي في مقابلة مع الحكومة عام 2016، وأضاف: "لقد حدث تلاعب بالمقاييس دائمًا طوال فترة الحرب". وقال المسؤول البارز في مجلس الأمن القومي: "حتى عندما يكون عدد الضحايا والآخرين سيئاً، فإن البيت الأبيض والبنتاجون يتلاعبان بالأعداد بشكل سخيف. صُورت التفجيرات الانتحارية في كابول على أنها علامة على يأس الطالبان وأن المتمردين كانوا أضعف من أن يشاركوا في القتال المباشر. وفي الوقت نفسه، استشهد بارتفاع عدد القتلى في صفوف القوات الأمريكية كدليل على أن القوات الأمريكية كانت تقاتل العدو بشراسة. "لقد كانت تفسيراتهم"، قال ذلك المسؤول الكبير في مجلس الأمن القومي، وأضاف: "على سبيل المثال، الهجمات تزداد سوءًا؟ هذا بسبب وجود أهداف أكثر يستطيعون إطلاق النار عليها، وبالتالي المزيد من الهجمات مؤشر خاطئ على عدم الاستقرار. ثم، بعد ثلاثة أشهر، ما زالت الهجمات تزداد سوءًا؟ هذا لأن طالبان أصبحت يائسة، فهذا في الواقع مؤشر على أننا فزنا". وقال أيضاً: "لقد استمر هذا الأمر لسببين، لجعل كل المعنيين يبدون في حالة جيدة، ولجعل الأمر وكأن القوات والموارد كان لها نوع تأثير بحيث إن إزالتها سيؤدي إلى تدهور البلاد". في تقارير ميدانية أخرى أرسلت إلى القيادة، اتخذ الضباط العسكريون والدبلوماسيون نفس المنحى، بغض النظر عن الظروف على الأرض، زعموا أنهم يحققون تقدماً. وقال مايكل فلين، وهو جنرال متقاعد من الجيش من فئة ثلاثة نجوم، لمقابلات الحكومة عام 2015: "من السفراء وصولاً إلى المستوى المنخفض [يقولون جميعًا] نؤدي عملاً رائعاً. حقًا؟ فإذا كنا نؤدي عملاً رائعاً فلماذا يبدو الأمر وكأننا نخسر؟". عند وصولهم إلى أفغانستان، كُلف قادة الجيش والكتائب بنفس المهمة الأساسية: حماية السكان وهزيمة العدو، وفقًا لما ذكره فلين، الذي خدم مرات متعددة في أفغانستان كضابط مخابرات. وقال فلين، الذي خدم لفترة وجيزة كمستشار للأمن القومي لترامب: "فكلهم ذهبوا أياً كانت مدة خدمتهم تسعة أشهر أو ستة أشهر وكُلفوا بتلك المهمة، وقبلوها ونفذوها". وفقد فلين وظيفته في فترة وجيزة كمستشار لترامب بسبب فضيحة وأدين بالكذب على مكتب التحقيقات الفيدرالي. يقول فلين: "ثم قالوا جميعًا، عندما غادروا، إنهم أنجزوا المهمة. جميع القادة قالوا ذلك، ولم يقل واحد منهم وهو يغادر أفغانستان: أتعرف؟ نحن لم ننجز مهمتنا". وأضاف: "لذلك، عندما يأتي القائد التالي يجد الأوضاع محبطة، وهكذا يأتون ويذهبون، وضع هذا سيء للغاية". مايكل فلين، الدروس المستفادة، مقابلة 2015/11/10. قال بوب كراولي، العقيد المتقاعد بالجيش والذي عمل مستشارًا لمكافحة التمرد في أفغانستان عامي 2013 و2014 لمقابلات الحكومة إن "الحقيقة نادراً ما كانت موضع ترحيب" في المقر العسكري في كابول. وقال: "كانت الأخبار السيئة تُكبَت في كثير من الأحيان". "كان هناك المزيد من الحرية لمشاركة الأخبار السيئة إذا كانت صغيرة - نحن ندهس الأطفال بمدرعاتنا - لأنه يمكن تغيير هذه الأشياء بتوجيهات السياسة. لكن عندما حاولنا التعبير عن مخاوف استراتيجية أكبر حول استعداد أو قدرة أو فساد الحكومة الأفغانية، كان من الواضح أنها غير مرحب بها". وقال جون جاروفانو، وهو استراتيجي في كلية الحرب البحرية والذي قدم مشورة لقوات المارينز في مقاطعة هلمند عام 2011: "إن المسؤولين العسكريين في هذا المجال كرسوا قدراً هائلاً من الموارد لإعداد مخططات ملونة تنبأت بنتائج إيجابية". وقال لمقابلات الحكومة: "لقد كانت لديهم آلة باهظة الثمن بالفعل تطبع القطع الكبيرة من الورق كما هو الحال في المطبعة". "سيكون هناك تحذير أن هذه ليست شخصيات علمية في الواقع، أو أنه لا يوجد نهج علمي وراء ذلك". لكن جاروفانو قال إن أحداً لم يجرؤ على التساؤل عما إذا كانت المخططات والأرقام موثوقة أو ذات معنى، وقال: "لم يكن هناك استعداد للإجابة على أسئلة مثل: ما معنى هذا العدد من المدارس التي بنيتها؟ كيف يسير بك هذا نحو هدفك؟ كيف تظهر هذا كدليل على النجاح وليس مجرد دليل على الجهد أو دليل على أداء بعمل جيد؟". قال مسؤولون كبار آخرون إنهم يولون أهمية كبيرة لإحصائية واحدة على وجه الخصوص، وإن كان نادراً ما تحب الحكومة الأمريكية مناقشتها على الملأ. وقال جيمس دوبينز، الدبلوماسي الأمريكي السابق، أمام لجنة في مجلس الشيوخ عام 2009: "أعتقد أن المؤشر الرئيسي هو الذي اقترحته، وهو عدد الأفغان الذين يُقتلون". إذا انخفض العدد فأنت تفوز، إذا زاد فأنت تخسر، إنها بهذه السهولة". في العام الماضي، قُتل 3804 مدنيًا أفغانيًا في الحرب، وفقًا للأمم المتحدة. هذا هو الأكثر في عام واحد منذ أن بدأت الأمم المتحدة في تعقب الخسائر البشرية منذ عقد مضى*. ________________________________________ [1] كاتب الاستقصاء هو الصحفي بواشنطن بوست: كريج ويتلوك. والاستقصاء منشور بتاريخ 9-12-2019. رابط الاستقصاء . وهو عبارة عن ستة أجزاء ومعهم ثلاثة مقالات إضافية، ونحن نترجم هنا وفي العدد السابق الجزء الأول من هذه الأجزاء، والذي بعنوان: في حرب من الحقيقة. [المترجم] * انتهى الجزء الأول من السلسلة والذي هو بعنوان: في حرب مع الحقيقة. وقد ترجمناه في مقالين، في هذا العدد والعدد السابق من مجلة كلمة حق (المترجم).
أوراق أفغانية..التاريخ السري للحرب
في حرب مع الحقيقة (2/2)

تحقيق حصري لصحيفة واشنطن بوست[1]


ترجمه لمجلة كلمة حق: حامد عبد العظيم

ماذا يقولون في العلن

1 ديسمبر 2009
"انتهى التوقيع على بياض، يجب أن يكون واضحاً أن الأفغان يتعين عليهم تحمل مسؤولية أمنهم، وأن أمريكا ليست لديها مصلحة في خوض حرب لا نهاية لها في أفغانستان".
الرئيس باراك أوباما، في خطاب ألقاه في الأكاديمية العسكرية الأمريكية في ويست بوينت، نيويورك.

وعد كل من بوش وأوباما وترامب الجمهور بالشيء نفسه، لقد تجنبوا الوقوع في فخ "بناء الأمة" في أفغانستان.
لقد فشل الرؤساء فشلا ذريعاً، وخصصت الولايات المتحدة أكثر من 133 مليار دولار لبناء أفغانستان، أي أكثر مما خصصت للقضاء على التضخم، لإحياء أوروبا الغربية بأكملها بخطة مارشال بعد الحرب العالمية الثانية.
تُظهر مقابلات الدروس المستفادة أن مشروع بناء الأمة الفخم كان مشوهاً منذ البداية.
حاول المسؤولون الأمريكيون تشكيل حكومة ديمقراطية في كابول على غرار حكومتهم في واشنطن. لقد كان مفهومًا أجنبيًا على الأفغان الذين اعتادوا القبلية والملكية والشيوعية والشريعة الإسلامية.

"محاولتنا إنشاء حكومة مركزية قوية في أفغانستان كانت غبية؛ لأن أفغانستان لم تعرف في تاريخها مثل هذه الحكومة"، هذا ما صرح به مسؤول سابق في وزارة الخارجية أثناء مقابلة حكومية عام 2015. "الإطار الزمني لإنشاء حكومة مركزية قوية هو 100 سنة، وهي المدة التي لم تُتح لنا".
وفي الوقت نفسه، أغرقت الولايات المتحدة البلد الهش بمساعدات أكبر بكثير مما يمكن أن تستوعبها.
خلال ذروة القتال، في الفترة من 2009 إلى 2012، اعتقد المشرعون والقادة العسكريون الأمريكيون أنه كلما زاد إنفاقهم على المدارس والجسور والقنوات ومشاريع الأشغال المدنية الأخرى، تحسن الوضع الأمني بشكل أسرع. وقال عمال الإغاثة للقائمين على إجراء المقابلات الحكومية إن هذا كان سوء تقدير هائلاً، يشبه ضخ الكيروسين فقط لإبقاء الشعلة حية.
أحد المديرين التنفيذيين -لم يذكر اسمه- في الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية (USAID) خمن أن 90 في المائة مما أنفقوه كان مبالغاً فيه: "لقد فقدنا الموضوعية. لقد حصلنا على المال، وقيل لنا أنفقوه، فأنفقناه دون سبب".
ألقى الكثير من عمال الإغاثة باللوم على الكونجرس لما عدوه اندفاعًا طائشًا في الإنفاق.
أخبر متعاقد مجهول المقابلات الحكومية أنه من المتوقع أن يخصص 3 ملايين دولار يوميًا لمشاريع في منطقة أفغانية واحدة بحجم مقاطعة أمريكية تقريبًا. سأل ذات مرة أحد أعضاء الكونجرس الزائرين عما إذا كان بإمكان المشرع أن ينفق هذا النوع من المال بشكل مسؤول في الوطن قال "لا بحق الجحيم". "حسنًا، سيدي، هذا ما ألزمتنا به للتو، وأنا أفعل ذلك لمجتمعات تعيش في أكواخ من الطين بلا نوافذ".
كما أدى تداعيات المساعدات التي أنفقتها واشنطن على أفغانستان إلى ظهور مستويات تاريخية من الفساد.
في الأماكن العامة، أصر المسؤولون الأمريكيون على عدم تسامحهم مع الكسب غير المشروع. لكن في مقابلات "الدروس المستفادة"، اعترفوا بأن الحكومة الأمريكية غضت الطرف بينما ينهب الأفغان حلفاء واشنطن ويفلتون من العقاب.
وقال كريستوفر كوليندا، عقيد في الجيش عمل في أفغانستان عدة مرات ونصح ثلاثة جنرالات أمريكيين مكلفين بالحرب، بأن الحكومة الأفغانية بقيادة الرئيس حامد كرزاي "متورطة في نظام حكم كليبتوري " بحلول عام 2006 - وأن المسؤولين الأمريكيين فشلوا في الاعتراف بالتهديد المميت الذي تشكله لاستراتيجيتهم.
"أحب استخدام تشبيه السرطان"، قالت ذلك كولندا لمقابلات الحكومة. "الفساد الصغير يشبه سرطان الجلد، هناك طرق للتعامل معه، وربما يصبح الجلد على ما يرام. الفساد داخل الوزارات، المستوى الأعلى، يشبه سرطان القولون؛ الأمر أسوأ، ولكن إذا قضيت عليه في الوقت المناسب فأنت على الأرجح بخير. الكليبتوقراطية مثل سرطان الدماغ.. إنه قاتل".
من خلال السماح للفساد بالتفاقم، صرح المسؤولون الأمريكيون خلال المقابلات، أنهم ساعدوا على تدمير الشرعية الشعبية للحكومة الأفغانية المتهورة التي كانوا يقاتلون لدعمها. مع ابتزاز القضاة ورؤساء الشرطة والبيروقراطيين للناس وطلبهم للرشاوي، حنق الكثير من الأفغان على الديمقراطية وتوجهوا إلى طالبان لفرض النظام.
وقال كروكر، الذي عمل كأكبر دبلوماسي أمريكي في كابول في عام 2002 ومرة أخرى من عام 2011 إلى عام 2012، في مقابلات مع الحكومة: "مشروعنا الوحيد والأكبر، للأسف وبشكل غير مقصود، بالطبع، ربما كان تطوير الفساد الشامل". وأضاف: "بمجرد أن يصل إلى المستوى الذي رأيته عندما كنت هناك، يصبح من الصعب جداً أو المستحيل معالجته".

ما قالوا في العلن
4 سبتمبر 2013

"لقد كان الجيش الشرطة فعالين للغاية في القتال ضد المتمردين. وأعتقد أن هذه قصة مهمة يجب سردها في جميع المجالات".
الفريق آنذاك، الجنرال مارك أ. ميلي، يمتدح قوات الأمن الأفغانية خلال مؤتمر صحفي من كابول. ميللي الآن جنرال أربع نجوم ورئيس هيئة الأركان المشتركة.
سنة بعد سنة، يقول الجنرالات الأمريكيون في العلن إنهم يحرزون تقدماً مطرداً في الهدف المركزي لاستراتيجيتهم: تدريب جيش أفغاني قوي وقوة شرطة وطنية يمكنها الدفاع عن البلاد دون مساعدة أجنبية.
في المقابلات، وصف المدربون العسكريون الأمريكيون قوات الأمن الأفغانية بأنها غير كفؤة وغير صادقة. كما اتهموا القادة الأفغان بتحصيل الرواتب - التي يدفعها دافعو الضرائب الأمريكيون - لعشرات الآلاف من "الجنود الأشباح".
لم يعرب أي أحد عن ثقته في قدرة الجيش والشرطة الأفغانيين على صد طالبان. لقد قُتل أكثر من 60.000 من أفراد قوات الأمن الأفغانية، وهو معدل الخسائر الذي وصفه القادة الأمريكيون بأنه لا يمكن تحمله.
وقال جندي أمريكي لم تُحدد هويته إن فرق القوات الخاصة "كرهت" الشرطة الأفغانية التي تدربت على أيديهم وعملت معهم، ووصفوها بأنها بشعة وبأنها في قاع القاع.
قدّر ضابط عسكري أمريكي أن ثلث مجندي الشرطة كانوا "مدمنين على المخدرات أو من طالبان". وضابط أمريكي آخر قال إنهم "سارقون حمقى" ينهبون الكثير من الوقود من القواعد الأمريكية لدرجة أنك تشم منهم رائحة البنزين دائماً.
وقال مسؤول رفيع المستوى في الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية لم يكشف عن هويته في مقابلات الحكومة: "التفكير في أننا يمكن أن نبني الجيش بالسرعة والجودة المطلوبَين كان أمراً جنونياً".
وفي الوقت نفسه، ومع فشل آمال الولايات المتحدة في إيجاد قوات أمن أفغانية بالشكل المطلوبة، أصبحت أفغانستان المصدر الرئيسي في العالم لكارثة متزايدة: الأفيون.
أنفقت الولايات المتحدة نحو 9 مليارات دولار لمحاربة المشكلة على مدى السنوات الـ 18 الماضية، لكن المزارعين الأفغان يزرعون المزيد من خشخاش الأفيون أكثر من أي وقت مضى. في العام الماضي، كانت حظ أفغانستان 82 في المائة من الإنتاج العالمي للأفيون، وفقًا لمكتب الأمم المتحدة المعني بالمخدرات والجريمة.
في مقابلات الدروس المستفادة، قال مسؤولون سابقون إن كل ما فعلوه تقريبًا لتقييد زراعة الأفيون يأتي بنتائج عكسية.
قال دوجلاس لوت، قيصر الحرب الأفغانية في البيت الأبيض من عام 2007 إلى عام 2013: "لقد أعلنا بوضوح أن هدفنا هو إقامة "اقتصاد سوق مزدهر". "أعتقد أنه كان يتعين علينا أن نحدد فقط تجارة الأدوية، فهذا الجزء الوحيد المزدهر".
من البداية، لم تعرف واشنطن كيف تدمج حربها على المخدرات مع حربها ضد القاعدة. بحلول عام 2006، كان المسؤولون الأمريكيون يخشون أن يكون تجار المخدرات قد أصبحوا أقوى من الحكومة الأفغانية وأن الأموال المربَحة من تجارة المخدرات كانت هي التي تشعل التمرد.
لم تكن هناك أي وكالة أو دولة مسؤولة عن استراتيجية مكافحة المخدرات الأفغانية، لذا فإن وزارة الخارجية ووكالة مكافحة المخدرات والجيش الأمريكي وحلفاء الناتو والحكومة الأفغانية ظلوا يتدخلون باستمرار.
وقال مسؤول بريطاني كبير سابق لم تذكر اسمه مقابلات الحكومة: "لقد كان شيئاً فوضوياً للغاية بلا أي فرصة للعمل المنظم".
زادت الوكالات والحلفاء الأمور سوءًا من خلال تبني مجموعة مختلطة من البرامج، وفقًا للمقابلات.
في البداية، كان البريطانيون يدفعون لمزارعي الخشخاش الأفغان لتدمير محاصيلهم، الأمر الذي شجعهم فقط على النمو أكثر في الموسم التالي. في وقت لاحق، قضت الحكومة الأمريكية على حقول الخشخاش دون تعويض، الأمر الذي أغضب المزارعين وشجعهم على الوقوف مع طالبان.
"لقد كان من المحزن أن نرى الكثير من الناس يتصرفون بغباء"، هذا ما قاله مسؤول أمريكي خلال مقابلات الحكومة.
الذي قالوه في العلن
8 سبتمبر 2008
هل نخسر هذه الحرب؟ بالتأكيد مستحيل. هل يستطيع العدو الفوز بها؟ بالتأكيد مستحيل".
اللواء بالجيش الجنرال جيفري شلوسر ، قائد الفرقة 101، في مؤتمر صحفي من أفغانستان.
شبح فيتنام يحوم حول أفغانستان منذ البداية.
في 11 أكتوبر 2001، أي بعد أيام قليلة من بدء الولايات المتحدة قصف طالبان، سأل أحد المراسلين بوش: "هل يمكنك تجنب الانجراف إلى مستنقع أفغاني يشبه فيتنام؟"
ردّ بوش بثقة: "لقد تعلمنا بعض الدروس المهمة للغاية في فيتنام". "كثيراً ما يسألني الناس إلى متى سيستمر هذا؟ ستستمر هذه المعركة إلى تقديم القاعدة إلى العدالة. قد يحدث غدًا، قد يحدث بعد شهر، وقد يستغرق عامًا أو عامين، لكننا سننتصر".
في تلك الأيام الأولى، سخر قادة أميركيون آخرون من فكرة أن كابوس فيتنام قد يعيد نفسه في أفغانستان.
قال رامسفيلد مازحاً في مؤتمر صحفي يوم 27 نوفمبر 2001: "نقول جميعاً معاً: مستنقع!"
لكن طوال الحرب الأفغانية، أظهرت الوثائق أن المسؤولين العسكريين الأمريكيين لجأوا إلى تكتيك قديم من حرب فيتنام: التلاعب بالرأي العام.
في المؤتمرات الصحفية وغيرها من التجمعات العامة، اتبع المسؤولون عن الحرب نفس طريقة الكلام منذ 18 عامًا، بغض النظر عن الطريقة التي تسير بها الحرب - خاصة عندما تسير الأمور بشكل سيء - يؤكدون على أنهم يحرزون تقدماً.
على سبيل المثال، تظهر بعض الكتابات التي أصدرها رامسفيلد مع مذكراته، أنه تلقى سلسلة من التحذيرات الرهيبة بشكل غير عادي من منطقة الحرب عام 2006.
بعد عودته من مهمة لتقصي الحقائق إلى أفغانستان، أفاد باري مكافري، وهو جنرال متقاعد بالجيش، أن طالبان قد عادت بشكل مذهل وتوقع: "سنواجه بعض المفاجآت غير السارة في الأشهر الـ 24 المقبلة".
وكتب ماكافري في يونيو/ حزيران 2006: "إن القيادة الوطنية الأفغانية مرعوبة جميعها من أننا سنخرج من أفغانستان في السنوات القليلة المقبلة - تاركين الناتو يمسك بزمام الأمور - وأن الأمر سينهار برمته في الفوضى".
بعد ذلك بشهرين، أعطى مارين سترميكي، مستشار مدني لرامسفيلد، لرئيس البنتاجون تقريراً سرياً مؤلفاً من 40 صفحة ومزوداً بأخبار سيئة، فقال: "إن السخط الشعبي الهائل يتفاقم ضد الحكومة الأفغانية بسبب فسادها وعدم كفاءتها". كما قال: "إن طالبان أصبحت أقوى، بفضل دعم باكستان، حليفة أمريكا".
لكن بمباركة رامسفيلد الشخصية، دفن البنتاجون التحذيرات الكئيبة وأخبر الجمهور بقصة مختلفة تمامًا.
في أكتوبر 2006، قدّم كُتاب رامسفيلد ورقة بعنوان "أفغانستان: بعد خمس سنوات". كانت مليئة بالتفاؤل، وأبرزت أكثر من 50 من الحقائق والأرقام الواعدة، من عدد النساء الأفغانيات اللائي دُربن على "تحسين إدارة الدواجن" (أكثر من 19000) إلى "متوسط السرعة في معظم الطرق" (بزيادة 300 بالمائة).
وقالت الورقة: "بعد مرور خمس سنوات، ظهر العديد من الأخبار الجيدة". "رغم المألوف في بعض الأوساط تسمية أفغانستان بأنها حرب منسية، أو القول بأن الولايات المتحدة فقدت تركيزها، فإن الحقائق تكذب الأساطير".
اعتقد رامسفيلد أن هذه الورقة كانت رائعة، "هذه الورقة" كما كتب في مذكرةٍ: "هي قطعة ممتازة، فكيف نستخدمها؟ أيكون مقالاً؟ أم قطعة افتتاحية؟ أم نشرة؟ أم مؤتمراً صحفياً؟ أم كل ما ورد سابقاً؟ أعتقد أنها يجب أن تصل إلى الكثير من الناس".
موظفو رامسفيلد حرصوا على التأكد من وصولها لأكبر قدر ممكن، فوزعوا نسخة على المراسلين ونشروها على مواقع البنتاجون الإلكترونية.
منذ ذلك الحين، كان الجنرالات الأمريكيون يقرون دائمًا أن الحرب تتقدم بشكل جيد، بغض النظر عن الواقع في ساحة المعركة.
قال الميجور جنرال جيفري شلوسر، قائد الفرقة 101، للصحفيين في سبتمبر 2008: "إننا نحرز بعض التقدم بشكل مطرد". بينما كان هو والقادة الأمريكيون الآخرون في كابول يطلبون بشكل عاجل تعزيزات لمواجهة موجة هجوم متصاعدة من مقاتلي طالبان.
بعد ذلك بعامين، ومع ارتفاع معدل الإصابات بين قوات الولايات المتحدة وحلف الناتو إلى مستوى مرتفع، عقد الفريق ديفيد رودريجيز مؤتمراً صحفياً في كابول، وكان مما قال: "أولاً: نحن نحرز تقدماً متأنياً بشكل ثابت".
في مارس 2011 ، خلال جلسات استماع بالكونجرس، أمطر مشرعون متشككون الجنرال ديفيد بترايوس، قائد قوات الولايات المتحدة وحلف الناتو في أفغانستان، بوابل من الشكوك في كون الاستراتيجية الأمريكية ناجحة.
ورد بترايوس قائلاً: "شهدت الأشهر الثمانية الماضية تقدمًا مهمًا وصعب المنال".
بعد عام واحد، أثناء زيارة إلى أفغانستان، تمسك وزير الدفاع ليون بانيتا بنفس السيناريو، رغم أنه نجا شخصياً من هجوم انتحاري.
وقال بانيتا للصحفيين: "أعتقد أن الحملة، كما أشرت من قبل، قد حققت تقدماً ملحوظاً".
في يوليو 2016، بعد تصاعد هجمات طالبان على المدن الكبرى، كرر الجنرال جون دبليو نيكولسون جونيور، قائد القوات الأمريكية في أفغانستان حينها، هذا الادعاء، وقال للصحفيين: "إننا نشهد بعض التقدم".
ما قالوا في العلن
27 مارس 2009
"للمضي قدمًا، لن نواصل المسيرة عُمياً، بدلاً من ذلك، سنضع مقاييس واضحة لقياس التقدم المحرز ومحاسبة أنفسنا".
أوباما، في تصريحات من البيت الأبيض

خلال فيتنام، اعتمد القادة العسكريون الأمريكيون على قياسات مشكوك فيها لإقناع الأمريكيين بأنهم فازوا.
والأكثر شهرة، أن البنتاجون سلط الضوء على "إحصائيات الجثث" أو عدد مقاتلي العدو الذين قُتلوا، وتضخيم الأرقام كمقياس للنجاح.
في أفغانستان، مع استثناءات من حين لآخر، تجنب الجيش الأمريكي بشكل عام الإعلان عن إحصائيات القتلى. لكن مقابلات الدروس المستفادة تحتوي على اعترافات عديدة بأن الحكومة روّجت بشكل منتظم للإحصائيات التي وصفها مسؤولون بأنها مشوهة أو زائفة أو خاطئة.
قال شخص عُرفت هويته فقط كمسؤول بارز في مجلس الأمن القومي إن هناك ضغوطًا مستمرة من البيت الأبيض خلال عهد أوباما وكذلك البنتاجون، لتقديم أرقام تظهر أن زيادة عدد القوات في الفترة من 2009 إلى 2011 كانت ناجحة، على الرغم من الأدلة القوية على عكس ذلك.
"كان من المستحيل إنشاء مقاييس جيدة، لقد حاولنا استخدام أعداد القوات المدربة، ومستويات العنف، والسيطرة على الأراضي، ولم يقدم أي منها صورة دقيقة". هذا ما صرح به مسؤول كبير في مجلس الأمن القومي في مقابلة مع الحكومة عام 2016، وأضاف: "لقد حدث تلاعب بالمقاييس دائمًا طوال فترة الحرب".
وقال المسؤول البارز في مجلس الأمن القومي: "حتى عندما يكون عدد الضحايا والآخرين سيئاً، فإن البيت الأبيض والبنتاجون يتلاعبان بالأعداد بشكل سخيف. صُورت التفجيرات الانتحارية في كابول على أنها علامة على يأس الطالبان وأن المتمردين كانوا أضعف من أن يشاركوا في القتال المباشر. وفي الوقت نفسه، استشهد بارتفاع عدد القتلى في صفوف القوات الأمريكية كدليل على أن القوات الأمريكية كانت تقاتل العدو بشراسة.
"لقد كانت تفسيراتهم"، قال ذلك المسؤول الكبير في مجلس الأمن القومي، وأضاف: "على سبيل المثال، الهجمات تزداد سوءًا؟ هذا بسبب وجود أهداف أكثر يستطيعون إطلاق النار عليها، وبالتالي المزيد من الهجمات مؤشر خاطئ على عدم الاستقرار. ثم، بعد ثلاثة أشهر، ما زالت الهجمات تزداد سوءًا؟ هذا لأن طالبان أصبحت يائسة، فهذا في الواقع مؤشر على أننا فزنا".
وقال أيضاً: "لقد استمر هذا الأمر لسببين، لجعل كل المعنيين يبدون في حالة جيدة، ولجعل الأمر وكأن القوات والموارد كان لها نوع تأثير بحيث إن إزالتها سيؤدي إلى تدهور البلاد".
في تقارير ميدانية أخرى أرسلت إلى القيادة، اتخذ الضباط العسكريون والدبلوماسيون نفس المنحى، بغض النظر عن الظروف على الأرض، زعموا أنهم يحققون تقدماً.
وقال مايكل فلين، وهو جنرال متقاعد من الجيش من فئة ثلاثة نجوم، لمقابلات الحكومة عام 2015: "من السفراء وصولاً إلى المستوى المنخفض [يقولون جميعًا] نؤدي عملاً رائعاً. حقًا؟ فإذا كنا نؤدي عملاً رائعاً فلماذا يبدو الأمر وكأننا نخسر؟".
عند وصولهم إلى أفغانستان، كُلف قادة الجيش والكتائب بنفس المهمة الأساسية: حماية السكان وهزيمة العدو، وفقًا لما ذكره فلين، الذي خدم مرات متعددة في أفغانستان كضابط مخابرات.
وقال فلين، الذي خدم لفترة وجيزة كمستشار للأمن القومي لترامب: "فكلهم ذهبوا أياً كانت مدة خدمتهم تسعة أشهر أو ستة أشهر وكُلفوا بتلك المهمة، وقبلوها ونفذوها". وفقد فلين وظيفته في فترة وجيزة كمستشار لترامب بسبب فضيحة وأدين بالكذب على مكتب التحقيقات الفيدرالي.
يقول فلين: "ثم قالوا جميعًا، عندما غادروا، إنهم أنجزوا المهمة. جميع القادة قالوا ذلك، ولم يقل واحد منهم وهو يغادر أفغانستان: أتعرف؟ نحن لم ننجز مهمتنا".
وأضاف: "لذلك، عندما يأتي القائد التالي يجد الأوضاع محبطة، وهكذا يأتون ويذهبون، وضع هذا سيء للغاية". مايكل فلين، الدروس المستفادة، مقابلة 2015/11/10.
قال بوب كراولي، العقيد المتقاعد بالجيش والذي عمل مستشارًا لمكافحة التمرد في أفغانستان عامي 2013 و2014 لمقابلات الحكومة إن "الحقيقة نادراً ما كانت موضع ترحيب" في المقر العسكري في كابول.
وقال: "كانت الأخبار السيئة تُكبَت في كثير من الأحيان". "كان هناك المزيد من الحرية لمشاركة الأخبار السيئة إذا كانت صغيرة - نحن ندهس الأطفال بمدرعاتنا - لأنه يمكن تغيير هذه الأشياء بتوجيهات السياسة. لكن عندما حاولنا التعبير عن مخاوف استراتيجية أكبر حول استعداد أو قدرة أو فساد الحكومة الأفغانية، كان من الواضح أنها غير مرحب بها".
وقال جون جاروفانو، وهو استراتيجي في كلية الحرب البحرية والذي قدم مشورة لقوات المارينز في مقاطعة هلمند عام 2011: "إن المسؤولين العسكريين في هذا المجال كرسوا قدراً هائلاً من الموارد لإعداد مخططات ملونة تنبأت بنتائج إيجابية".
وقال لمقابلات الحكومة: "لقد كانت لديهم آلة باهظة الثمن بالفعل تطبع القطع الكبيرة من الورق كما هو الحال في المطبعة". "سيكون هناك تحذير أن هذه ليست شخصيات علمية في الواقع، أو أنه لا يوجد نهج علمي وراء ذلك".
لكن جاروفانو قال إن أحداً لم يجرؤ على التساؤل عما إذا كانت المخططات والأرقام موثوقة أو ذات معنى، وقال: "لم يكن هناك استعداد للإجابة على أسئلة مثل: ما معنى هذا العدد من المدارس التي بنيتها؟ كيف يسير بك هذا نحو هدفك؟ كيف تظهر هذا كدليل على النجاح وليس مجرد دليل على الجهد أو دليل على أداء بعمل جيد؟".
قال مسؤولون كبار آخرون إنهم يولون أهمية كبيرة لإحصائية واحدة على وجه الخصوص، وإن كان نادراً ما تحب الحكومة الأمريكية مناقشتها على الملأ.
وقال جيمس دوبينز، الدبلوماسي الأمريكي السابق، أمام لجنة في مجلس الشيوخ عام 2009: "أعتقد أن المؤشر الرئيسي هو الذي اقترحته، وهو عدد الأفغان الذين يُقتلون". إذا انخفض العدد فأنت تفوز، إذا زاد فأنت تخسر، إنها بهذه السهولة".
في العام الماضي، قُتل 3804 مدنيًا أفغانيًا في الحرب، وفقًا للأمم المتحدة.
هذا هو الأكثر في عام واحد منذ أن بدأت الأمم المتحدة في تعقب الخسائر البشرية منذ عقد مضى*.

________________________________________
[1] كاتب الاستقصاء هو الصحفي بواشنطن بوست: كريج ويتلوك. والاستقصاء منشور بتاريخ 9-12-2019. رابط الاستقصاء . وهو عبارة عن ستة أجزاء ومعهم ثلاثة مقالات إضافية، ونحن نترجم هنا وفي العدد السابق الجزء الأول من هذه الأجزاء، والذي بعنوان: في حرب من الحقيقة. [المترجم]

* انتهى الجزء الأول من السلسلة والذي هو بعنوان: في حرب مع الحقيقة. وقد ترجمناه في مقالين، في هذا العدد والعدد السابق من مجلة كلمة حق (المترجم).
‏٢٩‏/٠٢‏/٢٠٢٠ ٣:٢٦ م‏
الأصاغر والأكابر مجدي شلش أستاذ أصول الفقه المساعد بالأزهر الإنسان كائن عاقل أو مفكر، وبتعبير المناطقة حيوان ناطق، فصل يخرج كل المخلوقات، فإن اجتمعت المخلوقات في الحياة إلا إنها سلبت خاصية التفكير والعقل، فكلما زاد العقل تحققت الإنسانية، وكلما خف العقل أو ضاع في دهاليز المفاسد ذهبت الآدمية، وخلقت (بلت) الإنسانية. الصغر والكبر في حركة العقل وتفاعله مع المحسوسات حتى يستخرج منها المعقولات، فمن لم يتقنها ولم يعلم ضوابطها وغاب عنه روسخ فنها فهو صغير، ومن عظمها وأعطاها حقها فحقا هو الكبير، فليس الصغر والكبر متعلق بالسن أو قوة البدن أو ضعفه، وإنما حقيقته في إدراك العقل وفهمه طبيعة الأشياء التي تجري من حوله. غالب المسلمين يعيشون الصغار المعنوي، لأنه نتاج طبيعي للصغر العقلي والفكري، فضرب الذلة على الأمم إنما هو نتاج تفكيرها العقيم، الذي ينعكس على سلوكها وواقعها، فيحدث التأخر والتأزم والتشرذم. المسلمون الأوائل حسن فهمهم، وصح تفكيرهم، وعلا إدراكهم في القضايا الإيمانية والفكرية، فسما سلوكهم، وعز قدرهم، وعلا شأنهم، العقل أساس الخيرات إن أحسن التفكير، وأساس الخراب إذا أتقن الفوضى في النظر والتأمل والتدبر. التغيير الذي أصاب العرب هو التحول من الجمود على عادات وتقاليد الأهل والأقارب من الآباء والأمهات والأصدقاء إلى سعة الكون وحسن تدبر سننه وفهم مقاصد خلقه، فتحول راعي الغنم إلى قائد للأمم، والجبان الذي يخشى مواجهة الصعاب،إلى محارب ومقاوم لأشق الأزمات والمشكلات. القرآن الكريم قضيته الأولى الهداية والخروج من ظلمات الصغر العقلي والفكري المحدود إلى عملقة النظر في مفردات الحياة، أكبر مقاصد القرآن هو نقل الإنسان من ضيق الأفق إلى سعة العقل والنظر، ومن هنا كان التحول الهائل في حياة العرب. الصغر العقلي غالبا ما ينتج النظر القاصر، فالذي يستبدل الأعلى بالأدنى صغير، والذي يقدم الضعيف على القوي صغير، ومن لا يستشرف المستقبل ونظرته دائما إلى الماضي أو توافه الحاضر صغير، ومن لا يعظم المؤسسات ويجري وراء هوى بعض الأفراد صغير. المظهر الأكبر في تجلي كبر العقل هو التوازن بين ما في الدنيا من نعم ومتع ومصالح على مصالح ومتعة الآخرة، الدنيا قليلة العطاء، صغيرة العمر، حقيرة المصالح الفانية، من انشغل بها عن اللذة الباقية فهو صغير وحقير مثلها. لا أقصد التهوين من شأن الدنيا وعظم أمرها حتى تصان القيم وتقام الشرائع، وإنما ما قصدته هو التقديم عند التعارض والتزاحم بين مصالح الدنيا والآخرة، وأيضا قصدت الإنسان الذي جعل الدنيا أكبر همه ومبلغ علمه وفكره، ولعل هذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم في دعائه: " اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا...". وتتجلى مظاهر الصغر العقلي في الأنا المستبدة، التي لا تري إلا ذاتها، ولا تعبر إلا عن نفسها، إن تصدر تكلم، وإن تأخر خرس وسكت، إن كان على المنصة فرح وابتهج،وإن كان مع القوم نفر ورجع، بلاؤنا في كثير من علمائنا، دائما يريد لنفسه أكثر من حقيقتها، ضمر الإخلاص، ومات الصدق، فحصل الصغر وجاء الصغار. الصحبة الأولى قامت على صواب العقل، ودقة النظر، وطهارة القلب، وجهاد النهار، وقيام الليل، فلانت لهم العقول، وفتحت لهم القلوب، وسادوا بصدقهم وإخلاصهم الحضارات التي بادت، والأمم تكبر وتعلو بكبار العقول والنفوس، فيعلو الجميع من الصغار، وتتحقق المراتب العليا في كل ميدان. تحتاج الأمة في هذا الوقت إلى عقول مدركة لحقيقة الصراع، وفاهمة لسنن النصر والتمكين، وتقيم الأسباب النافذة والمناسبة لتحقيق كبار أهدافها، عقول كبرت عن دنايا الأفكار، وذلة التبعية لحقول الألغام من أفكار الاستعمار، أمة تصنع النصر مع انتظارها الفرج، أمة تقدر الواقع وتحدياته، وتفكر في مآلات المستقبل. الصغير يعرف من هدفه وخطته وقلة حيلته، والكبير يهتف دائما " صمت آذان الدنيا إلم تسمع لنا" الكبير عالي الهمة متقد المشاعر، إحساسه ومشاعره مع بني قومه، نافذ البصيرة، حاد الذكاء، قوي القلب، عميق الفكر، والصغير إمعة يدور في أجندات الاستعمار خوفا من فوات بعض التمرات. أكبر الجرائم التي ترتكب في حق الأمة الإسلامية هو تقزيم عقلها بالتعليم التافه، والثقافة التي لا تقدم بل تؤخر، أمتنا الكبيرة منذ نشأتها غلبت أعتى الأمم بحسن الإدارة، ودقة التنفيذ، وعمق الرؤية، والتقدم في المجال العلمي في شتى ميادينه وشعبه، العلم عند الكبار مصدر الرقي والتحضر، وعند الصغار مصدر القلق والاضطراب. دعوتنا ولدت كبيرة من عقل كبير وقلب واسع وهدف جليل، هدفها الأسمى والأجل تحرير الإنسان من ربقة الاستعمار المادي والثقافي والمعرفي والسياسي والمالي إلى ميلاد جديد، التقدم فيه للكبير، والرفعة من الصغر لكل من هانت عليه نفسه، وزلت به قدمه. لا نريد لأمتنا إلا كل الخير والرفعة والعلو والسمو، ولن يتحقق ذلك على أيدي الكذابين من الذين يبيعون الوهم باسم الدين، ويربون الصغار على حب الذلة والمهانة باسم فقه الواقع وكثرة تحدياته. أناس يلعبون بالدين كلعب الصبيان بالكرة، فلا خطة ولا هدف ولا رؤية ولا عمل سوى جمع الأذكار والأوراد، وكأن الدين تتمات ودعوات خالية من عظمة التفكير ودقة التخطيط، وروعة الحركة.
الأصاغر والأكابر

مجدي شلش
أستاذ أصول الفقه المساعد بالأزهر

الإنسان كائن عاقل أو مفكر، وبتعبير المناطقة حيوان ناطق، فصل يخرج كل المخلوقات، فإن اجتمعت المخلوقات في الحياة إلا إنها سلبت خاصية التفكير والعقل، فكلما زاد العقل تحققت الإنسانية، وكلما خف العقل أو ضاع في دهاليز المفاسد ذهبت الآدمية، وخلقت (بلت) الإنسانية.

الصغر والكبر في حركة العقل وتفاعله مع المحسوسات حتى يستخرج منها المعقولات، فمن لم يتقنها ولم يعلم ضوابطها وغاب عنه روسخ فنها فهو صغير، ومن عظمها وأعطاها حقها فحقا هو الكبير، فليس الصغر والكبر متعلق بالسن أو قوة البدن أو ضعفه، وإنما حقيقته في إدراك العقل وفهمه طبيعة الأشياء التي تجري من حوله.

غالب المسلمين يعيشون الصغار المعنوي، لأنه نتاج طبيعي للصغر العقلي والفكري، فضرب الذلة على الأمم إنما هو نتاج تفكيرها العقيم، الذي ينعكس على سلوكها وواقعها، فيحدث التأخر والتأزم والتشرذم.

المسلمون الأوائل حسن فهمهم، وصح تفكيرهم، وعلا إدراكهم في القضايا الإيمانية والفكرية، فسما سلوكهم، وعز قدرهم، وعلا شأنهم، العقل أساس الخيرات إن أحسن التفكير، وأساس الخراب إذا أتقن الفوضى في النظر والتأمل والتدبر.

التغيير الذي أصاب العرب هو التحول من الجمود على عادات وتقاليد الأهل والأقارب من الآباء والأمهات والأصدقاء إلى سعة الكون وحسن تدبر سننه وفهم مقاصد خلقه، فتحول راعي الغنم إلى قائد للأمم، والجبان الذي يخشى مواجهة الصعاب،إلى محارب ومقاوم لأشق الأزمات والمشكلات.

القرآن الكريم قضيته الأولى الهداية والخروج من ظلمات الصغر العقلي والفكري المحدود إلى عملقة النظر في مفردات الحياة، أكبر مقاصد القرآن هو نقل الإنسان من ضيق الأفق إلى سعة العقل والنظر، ومن هنا كان التحول الهائل في حياة العرب.

الصغر العقلي غالبا ما ينتج النظر القاصر، فالذي يستبدل الأعلى بالأدنى صغير، والذي يقدم الضعيف على القوي صغير، ومن لا يستشرف المستقبل ونظرته دائما إلى الماضي أو توافه الحاضر صغير، ومن لا يعظم المؤسسات ويجري وراء هوى بعض الأفراد صغير.

المظهر الأكبر في تجلي كبر العقل هو التوازن بين ما في الدنيا من نعم ومتع ومصالح على مصالح ومتعة الآخرة، الدنيا قليلة العطاء، صغيرة العمر، حقيرة المصالح الفانية، من انشغل بها عن اللذة الباقية فهو صغير وحقير مثلها.

لا أقصد التهوين من شأن الدنيا وعظم أمرها حتى تصان القيم وتقام الشرائع، وإنما ما قصدته هو التقديم عند التعارض والتزاحم بين مصالح الدنيا والآخرة، وأيضا قصدت الإنسان الذي جعل الدنيا أكبر همه ومبلغ علمه وفكره، ولعل هذا معنى قوله صلى الله عليه وسلم في دعائه: " اللهم لا تجعل الدنيا أكبر همنا ولا مبلغ علمنا...".

وتتجلى مظاهر الصغر العقلي في الأنا المستبدة، التي لا تري إلا ذاتها، ولا تعبر إلا عن نفسها، إن تصدر تكلم، وإن تأخر خرس وسكت، إن كان على المنصة فرح وابتهج،وإن كان مع القوم نفر ورجع، بلاؤنا في كثير من علمائنا، دائما يريد لنفسه أكثر من حقيقتها، ضمر الإخلاص، ومات الصدق، فحصل الصغر وجاء الصغار.

الصحبة الأولى قامت على صواب العقل، ودقة النظر، وطهارة القلب، وجهاد النهار، وقيام الليل، فلانت لهم العقول، وفتحت لهم القلوب، وسادوا بصدقهم وإخلاصهم الحضارات التي بادت، والأمم تكبر وتعلو بكبار العقول والنفوس، فيعلو الجميع من الصغار، وتتحقق المراتب العليا في كل ميدان.

تحتاج الأمة في هذا الوقت إلى عقول مدركة لحقيقة الصراع، وفاهمة لسنن النصر والتمكين، وتقيم الأسباب النافذة والمناسبة لتحقيق كبار أهدافها، عقول كبرت عن دنايا الأفكار، وذلة التبعية لحقول الألغام من أفكار الاستعمار، أمة تصنع النصر مع انتظارها الفرج، أمة تقدر الواقع وتحدياته، وتفكر في مآلات المستقبل.

الصغير يعرف من هدفه وخطته وقلة حيلته، والكبير يهتف دائما " صمت آذان الدنيا إلم تسمع لنا" الكبير عالي الهمة متقد المشاعر، إحساسه ومشاعره مع بني قومه، نافذ البصيرة، حاد الذكاء، قوي القلب، عميق الفكر، والصغير إمعة يدور في أجندات الاستعمار خوفا من فوات بعض التمرات.

أكبر الجرائم التي ترتكب في حق الأمة الإسلامية هو تقزيم عقلها بالتعليم التافه، والثقافة التي لا تقدم بل تؤخر، أمتنا الكبيرة منذ نشأتها غلبت أعتى الأمم بحسن الإدارة، ودقة التنفيذ، وعمق الرؤية، والتقدم في المجال العلمي في شتى ميادينه وشعبه، العلم عند الكبار مصدر الرقي والتحضر، وعند الصغار مصدر القلق والاضطراب.

دعوتنا ولدت كبيرة من عقل كبير وقلب واسع وهدف جليل، هدفها الأسمى والأجل تحرير الإنسان من ربقة الاستعمار المادي والثقافي والمعرفي والسياسي والمالي إلى ميلاد جديد، التقدم فيه للكبير، والرفعة من الصغر لكل من هانت عليه نفسه، وزلت به قدمه.

لا نريد لأمتنا إلا كل الخير والرفعة والعلو والسمو، ولن يتحقق ذلك على أيدي الكذابين من الذين يبيعون الوهم باسم الدين، ويربون الصغار على حب الذلة والمهانة باسم فقه

الواقع وكثرة تحدياته.

أناس يلعبون بالدين كلعب الصبيان بالكرة، فلا خطة ولا هدف ولا رؤية ولا عمل سوى جمع الأذكار والأوراد، وكأن الدين تتمات ودعوات خالية من عظمة التفكير ودقة التخطيط، وروعة الحركة.
‏٢٥‏/٠٢‏/٢٠٢٠ ٤:٤١ م‏
تمت إضافة ‏صورة جديدة‏ بواسطة ‏مجلة كلمة حق‏ من ‏٨ يناير‏.
خطر الأفكار الداعشية على الإسلام والإنسانية (2) د. عطية عدلان الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد .. "... وإذا كانت الكيانات المفرطة في الغلو والتنطع خطراً على الإسلام وعلى الإنسان؛ فإنّ الخطر الأكبر يتمثل في الفكرة التي تنبت كالسرطان في جسد الأمة وفي الجسد الإنسانيّ كله، وتتسربل بالدين - أيِّ دين - وهي تضمر الكراهية لخلق الله أجمعين؛ لذا وجب التصدي للأفكار أكثر من غيرها..."( ) وهذا ما نعالجه في هذا المقال إتماماً لما سبقه؛ بتناول القضية من زاوية أخرى. لم ينحصر الضلال في الفكر الداعشيّ في مسائل الجهاد وقضايا الإيمان والكفر، وإنّما امتدّ ليشمل جانباً مهماً في الفكر والفقه الإسلاميّ، وهو جانب الفقه السياسي ونظام الخلافة، وكان المقصود الخبيث لمن وراء هذه التنظيمات المدخولة هو حرق مشروع الخلافة وتقديمه للأمة كميتة منتنة في خوان من ذهب؛ ليقال لطلائع الأمة وأهل الطموح فيها: تريدون عودة الخلافة؟ فها هي دونكم فتناولوها؛ فإذا هي مسخ مشوه لا يبدو منه للناس إلا الضغائن والأحقاد وقسوة السيوف والقلوب. إنّ الخدعة الكبرى التي وقع في براثنها كثير من الشباب هي ذلك الفخ القاتل، الذي يبدو للشباب أنه صيد الخلافة المنشود حتى إذا وقعوا فيه لم يستطيعوا الفرار منه، فإن لم يمضوا معهم في غيهم ويجاروهم في طغيانهم فالكفر هو الحكم الصادر ضدهم يعقبه السيف الذي يفصل رؤوسهم عن أجسادهم، أمّا سائر الخلق فهم ما بين كفار أصليين وكفار منقولين من الإسلام بسبب عدم المبادرة والمسارعة منهم للدخول في البيعة للإمام المزعوم، فأي عالم هذا الذي يريدون جر البشرية إليه، وأي إسلام هذا الذي باسمه يريقون دماء الأبرياء بلا ذنب جنوه؟! إنّنا إن أعطينا الحق لكل كيان مسلح يرفع راية الجهاد - ولو صدقاً - في أن يُنَصِّب خليفة يطلب له البيعة، ويقسم الأمة بحكمها إلى أهل عدل وأهل بغي؛ فنحن نجهز الأمة لحروب قد تلتهم القرون المديدة وتلتهم معها ملايين الموحدين في أقطار الأرض، إنّها ستكون الفوضى المسلحة التي تأخذ شرعيتها باسم الخلافة الراشدة، وبهذه السخافات نجح أعداء ديننا في غرس ألغام في عقول كثير من الشباب لتتفجر في وجه الجميع وتترك الأمة شذر مدر، باسم الخلافة التي يفترض فيها أنها كيان جامع يوحد الأمة ويجمع شتاتها! إنّها ليست ألف خلافة وخلافة، إنّما هي خلافة واحدة للأمة الواحدة؛ فلماذا نعطيها للكيانات التي لا تفتأ تتقاتل وتتناحر باسم الجهاد وقتال البغاة؟! إنّ الخلافة ليست صفقة من أيدي مجهولين لمجهول، إنّها باختصار: "رياسة تامة، وزعامة عامة"( )، ودون وقوع ذلك مراحل من التربية والإعداد، ثم من التحالفات بين دول وممالك وإمارات إسلامية، ثم من محاولات دائمة ودائبة لتوحيد الكيانات المتناغمة تلك في جسد واحد، إنّه مشروع الأمة لا مشروع طائفة ولو معتدلة؛ فكيف إذا كانت ضالة ومنحرفة؟! لقد عانى المشروع الإسلاميّ أشد المعاناة من الافتئات والمزايدة، ولم يعد بالإمكان ترك الأمر لحفنة من الأعراب البوالين على أعقابهم أو الغلمان الذين لا يفرقون بين السياسة و(التياسة)، وإذا كان هناك مسئولية تقع على قوم فإنّها تقع على العلماء الذين خلوا هذه الساحة الخطيرة لفئام من المنغلقين الذين يجري لعابهم لدماء المسلمين حتى إنهم ليتمنون لهم الوقوع فيما يبرر قتلهم ويسوغ تكفيرهم وإخراجهم من الملة وحرمانهم من كل رحمة في الآخرة والأولى! والمعضلة أنّ هذا الغلو أنشأ بقوة رد الفعل غلوا على الجانب الآخر، تمثل في أولئك الذين يدعون المسلمين إلى أن يدخلوا في النموذج الغربي كافة وألا يتبعوا خطوات الشيطان الذي لا يفتأ يهجم عليهم بأحلام الخلافة، تلك الأحلام الإرهابية السوداوية المتخلفة، حتى صارت الدولة المدنية هي منتهى الآمال التي بشر بها القرآن وأنبأت بها الأحاديث، وحتى اكتشف الخلق - بعد طول غفلة - أن محمداً بن عبد الله كان رئيساً لدولة مدنية! ومع أنّ هذا كله طيش وخبل! وهبل في عرض الجبل! نراه يلقى رواجاً عند كثيرين؛ لا لأنّه حق أو حتى يشبه الحق، وإنما - فقط - لخلو الساحة من الفكر الرشيد السديد، الذي يُغيّب ويُغيب القائمون عليه بشتى صنوف التغييب، وكأنّ الأمة في أسرها هذا يجوس خلال ديارها قوافل من شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض أطراف اللعبة الكبيرة، التي يُقَسَّم بحسبها المفكرون والمنظرون إلى فريقين: هذا يركل الحقيقة أقصى اليمين وذاك يركلها أقصى الشمال. إنّ ميدان السياسة الشرعية والفقه السياسي الإسلامي من أشد الميادين حساسية؛ لذلك لا يصح تركه لصبيان أغمار أغرار يتركون الماء ويستجمرون بالأحجار، ولا لعواجيز منهزمين راحوا يستدركون شباباً فات بفرنجة على أبواب الفكر الغربي الذي صار عند أهله قطعاً من الخردة ملقاة على قارعة الطريق، إنّنا بحاجة إلى أقلام متجردة نزيهة وعقول سلمت من الأمراض، واستقامت على الرشد والسداد؛ حتى نكتب للأمة مشروعها، وحتى نقودها إلى إقامته بفكر مستنير وقلوب تجميعية يحفها حساسية التقوى. وما لم يحدث هذا فسوف تبقى الحقيقة ككرة من المطاط يتقاذفها الفريقان المتنافسان في التطرف والانحراف، بين غلو بالإفراط وغلو بالتفريط، والله المستعان.
خطر الأفكار الداعشية
على الإسلام والإنسانية (2)

د. عطية عدلان

الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد ..

"... وإذا كانت الكيانات المفرطة في الغلو والتنطع خطراً على الإسلام وعلى الإنسان؛ فإنّ الخطر الأكبر يتمثل في الفكرة التي تنبت كالسرطان في جسد الأمة وفي الجسد الإنسانيّ كله، وتتسربل بالدين - أيِّ دين - وهي تضمر الكراهية لخلق الله أجمعين؛ لذا وجب التصدي للأفكار أكثر من غيرها..."( ) وهذا ما نعالجه في هذا المقال إتماماً لما سبقه؛ بتناول القضية من زاوية أخرى.
لم ينحصر الضلال في الفكر الداعشيّ في مسائل الجهاد وقضايا الإيمان والكفر، وإنّما امتدّ ليشمل جانباً مهماً في الفكر والفقه الإسلاميّ، وهو جانب الفقه السياسي ونظام الخلافة، وكان المقصود الخبيث لمن وراء هذه التنظيمات المدخولة هو حرق مشروع الخلافة وتقديمه للأمة كميتة منتنة في خوان من ذهب؛ ليقال لطلائع الأمة وأهل الطموح فيها: تريدون عودة الخلافة؟ فها هي دونكم فتناولوها؛ فإذا هي مسخ مشوه لا يبدو منه للناس إلا الضغائن والأحقاد وقسوة السيوف والقلوب.
إنّ الخدعة الكبرى التي وقع في براثنها كثير من الشباب هي ذلك الفخ القاتل، الذي يبدو للشباب أنه صيد الخلافة المنشود حتى إذا وقعوا فيه لم يستطيعوا الفرار منه، فإن لم يمضوا معهم في غيهم ويجاروهم في طغيانهم فالكفر هو الحكم الصادر ضدهم يعقبه السيف الذي يفصل رؤوسهم عن أجسادهم، أمّا سائر الخلق فهم ما بين كفار أصليين وكفار منقولين من الإسلام بسبب عدم المبادرة والمسارعة منهم للدخول في البيعة للإمام المزعوم، فأي عالم هذا الذي يريدون جر البشرية إليه، وأي إسلام هذا الذي باسمه يريقون دماء الأبرياء بلا ذنب جنوه؟!
إنّنا إن أعطينا الحق لكل كيان مسلح يرفع راية الجهاد - ولو صدقاً - في أن يُنَصِّب خليفة يطلب له البيعة، ويقسم الأمة بحكمها إلى أهل عدل وأهل بغي؛ فنحن نجهز الأمة لحروب قد تلتهم القرون المديدة وتلتهم معها ملايين الموحدين في أقطار الأرض، إنّها ستكون الفوضى المسلحة التي تأخذ شرعيتها باسم الخلافة الراشدة، وبهذه السخافات نجح أعداء ديننا في غرس ألغام في عقول كثير من الشباب لتتفجر في وجه الجميع وتترك الأمة شذر مدر، باسم الخلافة التي يفترض فيها أنها كيان جامع يوحد الأمة ويجمع شتاتها!
إنّها ليست ألف خلافة وخلافة، إنّما هي خلافة واحدة للأمة الواحدة؛ فلماذا نعطيها للكيانات التي لا تفتأ تتقاتل وتتناحر باسم الجهاد وقتال البغاة؟! إنّ الخلافة ليست صفقة من أيدي مجهولين لمجهول، إنّها باختصار: "رياسة تامة، وزعامة عامة"( )، ودون وقوع ذلك مراحل من التربية والإعداد، ثم من التحالفات بين دول وممالك وإمارات إسلامية، ثم من محاولات دائمة ودائبة لتوحيد الكيانات المتناغمة تلك في جسد واحد، إنّه مشروع الأمة لا مشروع طائفة ولو معتدلة؛ فكيف إذا كانت ضالة ومنحرفة؟!
لقد عانى المشروع الإسلاميّ أشد المعاناة من الافتئات والمزايدة، ولم يعد بالإمكان ترك الأمر لحفنة من الأعراب البوالين على أعقابهم أو الغلمان الذين لا يفرقون بين السياسة و(التياسة)، وإذا كان هناك مسئولية تقع على قوم فإنّها تقع على العلماء الذين خلوا هذه الساحة الخطيرة لفئام من المنغلقين الذين يجري لعابهم لدماء المسلمين حتى إنهم ليتمنون لهم الوقوع فيما يبرر قتلهم ويسوغ تكفيرهم وإخراجهم من الملة وحرمانهم من كل رحمة في الآخرة والأولى!
والمعضلة أنّ هذا الغلو أنشأ بقوة رد الفعل غلوا على الجانب الآخر، تمثل في أولئك الذين يدعون المسلمين إلى أن يدخلوا في النموذج الغربي كافة وألا يتبعوا خطوات الشيطان الذي لا يفتأ يهجم عليهم بأحلام الخلافة، تلك الأحلام الإرهابية السوداوية المتخلفة، حتى صارت الدولة المدنية هي منتهى الآمال التي بشر بها القرآن وأنبأت بها الأحاديث، وحتى اكتشف الخلق - بعد طول غفلة - أن محمداً بن عبد الله كان رئيساً لدولة مدنية!
ومع أنّ هذا كله طيش وخبل! وهبل في عرض الجبل! نراه يلقى رواجاً عند كثيرين؛ لا لأنّه حق أو حتى يشبه الحق، وإنما - فقط - لخلو الساحة من الفكر الرشيد السديد، الذي يُغيّب ويُغيب القائمون عليه بشتى صنوف التغييب، وكأنّ الأمة في أسرها هذا يجوس خلال ديارها قوافل من شياطين الإنس والجن يوحي بعضهم إلى بعض أطراف اللعبة الكبيرة، التي يُقَسَّم بحسبها المفكرون والمنظرون إلى فريقين: هذا يركل الحقيقة أقصى اليمين وذاك يركلها أقصى الشمال.
إنّ ميدان السياسة الشرعية والفقه السياسي الإسلامي من أشد الميادين حساسية؛ لذلك لا يصح تركه لصبيان أغمار أغرار يتركون الماء ويستجمرون بالأحجار، ولا لعواجيز منهزمين راحوا يستدركون شباباً فات بفرنجة على أبواب الفكر الغربي الذي صار عند أهله قطعاً من الخردة ملقاة على قارعة الطريق، إنّنا بحاجة إلى أقلام متجردة نزيهة وعقول سلمت من الأمراض، واستقامت على الرشد والسداد؛ حتى نكتب للأمة مشروعها، وحتى نقودها إلى إقامته بفكر مستنير وقلوب تجميعية يحفها حساسية التقوى.
وما لم يحدث هذا فسوف تبقى الحقيقة ككرة من المطاط يتقاذفها الفريقان المتنافسان في التطرف والانحراف، بين غلو بالإفراط وغلو بالتفريط، والله المستعان.
‏٠٥‏/٠٢‏/٢٠٢٠ ٨:٣٣ م‏
قام ‏مجلة كلمة حق‏ بتحديث حالته.
يصدر العدد الجديد الليلة إن شاء الله.. تابعونا
‏٠١‏/٠٢‏/٢٠٢٠ ٢:٠٤ م‏
أوراق أفغانستانية..التاريخ السري للحرب في حرب مع الحقيقة (1/2)  يقول المسؤولون الأمريكيون باستمرار إنهم يحرزون تقدماً.. إنهم لم يفعلوا، وهم يعلمون ذلك! تحقيق حصري لصحيفة واشنطن بوست ترجمه لمجلة كلمة حق: حامد عبد العظيم كشفت مجموعة سرية من الوثائق الحكومية التي حصلت عليها الواشنطن بوست، أن كبار المسؤولين الأمريكيين فشلوا في قول الحقيقة حول الحرب في أفغانستان طوال فترة الحملة التي استمرت 18 عامًا، إذ أصدروا تصريحات وردية يعلمون أنها كاذبة وأخفوا أدلة لا لبس فيها على أن الحرب أصبحت غير قابلة للفوز بها. أُنشئت الوثائق من خلال مشروع فيدرالي يدرس الإخفاقات الجذرية لأطول نزاع مسلح في تاريخ الولايات المتحدة. وتشمل أكثر من 2000 صفحة من الملاحظات غير المنشورة سابقًا، والمقابلات مع أشخاص لعبوا دورًا مباشرًا في الحرب، من الجنرالات والدبلوماسيين، إلى عمال الإغاثة والمسؤولين الأفغان. حاولت الحكومة الأمريكية حماية هويات الغالبية العظمى من الذين عُقدت معهم المقابلات من أجل المشروع وإخفاء كل ملاحظاتهم تقريبًا. فازت صحيفة واشنطن بوست بالوثائق الصادرة بموجب قانون حرية المعلومات بعد معركة قانونية استمرت ثلاث سنوات. في المقابلات، قدّم أكثر من 400 مُطّلع نقدًا غير محدود لما حدث في أفغانستان، وكيف أصبحت الولايات المتحدة غارقة في وحل الحرب التي استمرت عقدين تقريبًا. ومع البلادة وندرة التعبير عنها علنًا، تكشف المقابلات الشكاوي والإحباطات والاعترافات المكبوتة، إلى جانب سوء الظن والغِيبة. "لم يكن لدينا الفهم الأساسي لأفغانستان، لم نكن نعرف ماذا كنا نفعل". قال ذلك دوجلاس لوت، وهو جنرال في الجيش من فئة ثلاث نجوم، والذي كان بمثابة القائد التابع للبيت الأبيض في حرب أفغانستان أثناء إدارتي بوش وأوباما، وقد صرح بذلك خلال مقابلات مع الحكومة عام 2015. وأضاف: "ما الذي نحاول القيام به هنا؟ لم يكن لدينا الفكرة الأكثر ضبابية حول ما كنا نتعهد به". "لو يعرف الشعب الأمريكي حجم الخلل الوظيفي! 2400 شخص فُقدوا!". قال لوت ذلك وهو يلقي بالمسؤولية على بيروقراطية الكونجرس والبنتاجون ووزارة الخارجية في مقتل الأفراد العسكريين الأمريكيين، وقال: "مَن سيصرح بأن هذا كان عبثاً؟". منذ عام 2001، انتشر أكثر من 775.000 جندي أمريكي في أفغانستان، كثيراً منهم نُشروا مراراً وتكراراً. من بين هؤلاء قُتل 2300، وأُصيب 20586، استناداً إلى إحصاء وزارة الدفاع. هذه المقابلات التي شملت نطاقاً واسعاً من المشاركين، تظهر إلى حد كبير أوجه الضعف الأساسية في الحرب التي لا تزال قائمة حتى يومنا هذا، لقد أكد المشاركون كيف أن ثلاثة رؤساء - جورج دبليو بوش وباراك أوباما ودونالد ترامب - وقادتهم العسكريين لم يتمكنوا من الوفاء بوعودهم بأن ينتصروا في أفغانستان. بعد أن تحدث معظمهم على افتراض أن تصريحاتهم لن تصبح علنية، أقر المسؤولون الأمريكيون بأن استراتيجياتهم القتالية كانت قاتلة، وأن واشنطن أهدرت مبالغ هائلة من المال في محاولة لإعادة تشكيل أفغانستان كدولة حديثة. تسلط المقابلات الضوء أيضًا على محاولات الحكومة الأمريكية الفاشلة للحد من الفساد الجامح، وبناء جيش أفغاني وقوة شرطة مختصة، ووضع حد لتجارة الأفيون المزدهرة في أفغانستان. لم تقدم حكومة الولايات المتحدة بيانًا شاملاً حول ما أنفقته على الحرب في أفغانستان، لكن التكاليف باهظة. منذ عام 2001، أنفقت وزارة الدفاع ووزارة الخارجية والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية أو خصصت ما بين 934 مليار دولار و 978 مليار دولار، وفقًا لتقدير معدل التضخم التي قامت به (نيتا كراوفورد)، أستاذ العلوم السياسية ومدير مشروع تكاليف الحرب في جامعة براون. لا تشمل هذه الأرقام الأموال التي تنفقها وكالات أخرى، مثل وكالة الاستخبارات، وإدارة شؤون المحاربين القدامى، المسؤولة عن الرعاية الطبية لقدامى المحاربين الجرحى. "ماذا جنينا من وراء هذه التريليون دولار؟ هل كان الأمر يستحق تريليون دولار؟". قال ذلك جيفري إيجرز في المقابلات التي عقدتها الحكومة، وهو متقاعد من قوات البحرية وعمل بالبيت الأبيض خلال حقبة بوش وأوباما. وأضاف: "بعد مقتل أسامة بن لادن، قلت إن أسامة ربما كان يضحك في قبره المائي بالنظر إلى ما أنفقناه على أفغانستان". تتناقض الوثائق أيضًا مع سلسلة طويلة من التصريحات العلنية الصادرة عن رؤساء الولايات المتحدة والقادة العسكريين والدبلوماسيين، الذين أكدوا للأميركيين عاماً بعد عام أنهم يحرزون تقدماً في أفغانستان وأن الحرب تستحق القتال. [رابط فيديو وثائقي مرفق مع الاستقصاء: اضغط هنا، من إعداد (جويسي لي) للواشنطن بوست] وصف العديد من الذين جرت مقابلتهم الجهود الواضحة والمستمرة التي بذلتها الحكومة الأمريكية لتضليل الجمهور عمداً. وقالوا إنه من الشائع في المقر العسكري في كابول - وفي البيت الأبيض - تشويه الإحصائيات لجعل الأمر يبدو وكأن الولايات المتحدة تنتصر في الحرب، في حين أن الأمر لم يكن كذلك. "قُلبت كل البيانات لتقديم أفضل صورة ممكنة". قال ذلك بوب كراولي في هذه المقابلات مع الحكومة، وهو عقيد في الجيش عمل في مكافحة التمرد كمستشار كبير للقادة العسكريين الأمريكيين عامي 2013 و2014: "الدراسات الاستقصائية، على سبيل المثال، كانت غير موثوق بها تماماً ولكنها عززت أن كل شيء كنا نفعله كان صحيحًا، فأصبح كل هدفنا الحفاظ على صورتنا". واعترف جون سوبكو رئيس الوكالة الفيدرالية -التي أجرت المقابلات- للواشنطن بوست أن الوثائق تُظهر أن "الشعب الأمريكي قد كُذب عليه باستمرار". المقابلات هي منتج جانبي لمشروع تقوده وكالة سوبكو، مكتب المفتش العام لإعادة إعمار أفغانستان، المعروف باسم SIGAR ، أنشئت الوكالة من قبل الكونجرس عام 2008 للتحقيق في الهدر والاحتيال في منطقة الحرب. في عام 2014، بتوجيه من سوبكو، ابتعدت SIGAR عن مهمتها المعتادة المتمثلة في إجراء عمليات التدقيق، وأطلقت مشروعًا جانبيًا بعنوان "الدروس المستفادة"، المشروع ذو الـ 11 مليون دولار يهدف إلى تشخيص إخفاقات السياسة في أفغانستان، ويضمن عدم تكرار الولايات المتحدة لنفس الأخطاء في المرة التالية التي تغزو فيها بلدًا أو تحاول فيها إعادة بناء بلد محطم. أجرى فريق "الدروس المستفادة" مقابلات مع أكثر من 600 شخص من ذوي الخبرة المباشرة في الحرب. وكان معظمهم من الأمريكيين، لكن محللي SIGAR سافروا أيضًا إلى لندن وبروكسل وبرلين لمقابلة حلفاء الناتو. بالإضافة إلى ذلك، قابلوا نحو 20 مسؤولًا أفغانيًا، وناقشوا برامج إعادة الإعمار والتنمية. بالاعتماد جزئيًا على المقابلات، بالإضافة إلى السجلات والإحصاءات الحكومية الأخرى، نشرت SIGAR سبعة تقارير للدروس المستفادة منذ عام 2016، تُبرز المشاكل في أفغانستان وتوصي بإجراء تغييرات لتحقيق الاستقرار في البلاد. لكن التقارير، التي كُتبت بطريقة بيروقراطية بلهاء، وركزت بطريقة مشوشة على المبادرات الحكومية، تركت أقسى الانتقادات وأشد المقابلات جرأة. "لقد وجدنا أن استراتيجية الاستقرار والبرامج المستخدمة لتحقيقها، لم تكن مصمَمة بما يناسب السياق الأفغاني، ونادراً ما استمرت النجاحات في تحقيق الاستقرار في المناطق الأفغانية لفترة أطول من الوجود المادي لقوات التحالف والمدنيين". اقرأ مقدمة أحد التقارير الصادرة في مايو 2018. حذفت التقارير أيضًا أسماء أكثر من 90 بالمائة من الأشخاص الذين عُقدت المقابلات معهم خلال المشروع. في حين وافق عدد قليل من المسؤولين على تسجيل حديثهم مع SIGAR، قالت الوكالة إنها وعدت بعدم الكشف عن هوية أي شخص قابلته، لتجنب الخلاف حول المسائل الحساسة سياسياً. بموجب قانون حرية المعلومات، بدأت واشنطن بوست في البحث عن سجلات مقابلات "الدروس المستفادة" في أغسطس/ آب 2016. ورفضت SIGAR، بحجة أن الوثائق محصنة وأن الجمهور ليس له الحق في رؤيتها. فكان على واشنطن بوست مقاضاة SIGAR في المحكمة الفدرالية - مرتين - لإجبارها على إصدار الوثائق. كشفت الوكالة في النهاية عن أكثر من 2000 صفحة من الملاحظات والنصوص غير المنشورة من 428 من المقابلات، وكذلك العديد من التسجيلات الصوتية. تحدد الوثائق 62 من الأشخاص الذين جرت المقابلات معهم، لكن SIGAR حجبت أسماء 366 آخرين. في المذكرات القانونية، زعمت الوكالة أنه ينبغي عدّ هؤلاء الأفراد بمثابة مخبرين ورواة، قد يواجهون الإهانة أو المضايقة أو الانتقام أو الأذى الجسدي، إذا أصبحت أسمائهم علنية. من خلال تواريخ الوثائق وتفاصيل أخرى منها، حددت واشنطن بوست 33 شخصًا آخر جرت المقابلات معهم، بمن فيهم العديد من السفراء السابقين والجنرالات ومسؤولي البيت الأبيض. طلبت الصحيفة من قاضٍ فيدرالي إجبار SIGAR على الكشف عن أسماء أي شخص آخر جرت مقابلته، بحجة أن الجمهور لديه الحق في معرفة المسؤولين الذين انتقدوا الحرب وأكدوا أن الحكومة قد ضللت الشعب الأمريكي. جادلت الصحيفة أيضًا بأن المسؤولين لم يكونوا من المخبرين أو الوراة، لأنهم لم يُقابَلوا كجزء من التحقيق. قرار القاضي آمي بيرمان جاكسون من محكمة مقاطعة U.Sفي واشنطن كان معلقًا منذ أواخر سبتمبر. تنشر صحيفة واشنطن بوست الوثائق الآن، بدلاً من انتظار صدور حكم نهائي، لإطلاع الجمهور عليها أثناء مفاوضات إدارة ترامب مع طالبان، وللنظر ما إذا كانت ستنسحب القوات الأمريكية الباقية في أفغانستان والبالغ عددها 13000 جندي. حاولت الواشنطن بوست الاتصال لأخذ تعليق كل شخص تمكنت من التعرف عليه ممن أجروا مقابلات مع SIGAR. (ردودهم مجموعة في مقال منفصل). قال سوبكو، المفتش العام، لصحيفة الواشنطن بوست إنه لم يُخفِ الانتقادات العنيفة والشكوك حول الحرب، التي أثارها المسؤولون في مقابلات "الدروس المستفادة". وقال إن الأمر استغرق من مكتبه ثلاث سنوات لإصدار السجلات؛ لأن لديه عدداً قليلاً من الموظفين، ولأن الوكالات الفيدرالية الأخرى اضطرت إلى مراجعة المستندات لمنع الكشف عن أسرار الحكومة. قال: "لم نحظرها، نحن نؤمن بشدة بالانفتاح والشفافية، لكن يتعين علينا اتباع القانون، أفكر في أي مفتش عام، من المحتمل أنني كنت الأكثر إطلاعاً على المعلومات". سجلات المقابلات أولية وغير محررة ، ولم يدمجها موظفو SIGAR للدروس المستفادة في سرد موحد؛ لكنها مليئة بأحكام صارمة من أشخاص صاغوا أو نفذوا السياسة الأمريكية في أفغانستان. قال جيمس دوبينز، وهو دبلوماسي أمريكي رفيع سابق، خدم كمبعوث خاص إلى أفغانستان في عهد بوش وأوباما: "إننا لا نغزو البلدان الفقيرة لجعلها غنية، أو البلدان الاستبدادية لجعلها ديمقراطية، بل نغزو الدول العنيفة لجعلها سلمية، وفشلنا بوضوح في أفغانستان". ولتعزيز مقابلات "الدروس المستفادة"، حصلت الواشنطن بوست على مئات الصفحات من المذكرات المصنفة مسبقًا حول الحرب الأفغانية، التي أملاها وزير الدفاع دونالد رامسفيلد بين عامي 2001 و 2006. المذكرات التي أطلق عليها رامسفيلد وموظفوه "رقاقات الثلج"، هي تعليمات أو تعليقات موجزة قام رئيس البنتاجون بإملائها على بعض موظفيه، غالبًا عدة مرات في اليوم. أخرج رامسفيلد للعلن عددًا مختارًا من رقاقاته الثلجية عام 2011، ونشرها عبر الإنترنت بالتزامن مع مذكراته "المعروف والمجهول". لكن معظم مجموعته التي تحتوي على رقاقات الثلج - والتي تقدر بنحو 59000 صفحة - ظلت سرية. في عام 2017، واستجابة لدعوى قانون حرية المعلومات المرفوعة من قبل أرشيف الأمن القومي، وهو معهد أبحاث غير ربحي مقره جامعة جورج واشنطن، بدأت وزارة الدفاع في مراجعة وإصدار ما تبقى من رقاقات رامسفيلد الثلجية على نحو مستمر، وشاركهم الأرشيف مع الواشنطن بوست. تشكل مقابلات SIGAR ومذكرات رامسفيلد المتعلقة بأفغانستان تاريخًا سريًا للحرب، وتقييمًا لا يوصف لمدة 18 عامًا من الصراع. وبأسلوب رامسفيلد الفظ تنبأت العديد من رقاقات الثلج بالمشاكل التي لا تزال تلاحق الجيش الأمريكي بعد أكثر من عقد من الزمان. "قد أكون غير صبور، الحقيقة أنا أعلم أني غير صبور بعض الشيء". كتب رامسفيلد في إحدى المذكرات إلى عدد من الجنرالات وكبار المساعدين. "لن نُخرج أبداً الجيش الأمريكي من أفغانستان، ما لم نرَ ما يحقق الاستقرار، والذي سيكون ضرورياً لنا لنغادر البلاد". "المساعدة!". كتب ذلك رامسفلد. المذكرة بتاريخ 17-4- 2002. بعد ستة أشهر من بدء الحرب. ماذا يقولون في العلن "لقد كان تاريخ النزاع العسكري في أفغانستان واحداً من النجاحات الأولية، تبعته سنوات طويلة من التعثر وأقصى درجات الفشل، لن نكرر هذا الخطأ". الرئيس جورج دبليو بوش، في خطاب ألقاه في معهد فرجينيا العسكري من خلال وصفها الصريح لكيفية تعثر الولايات المتحدة في حرب بعيدة، بالإضافة إلى تصميم الحكومة على إخفائها عن الجمهور، تشبه مقابلات "الدروس المستفادة" على نطاق واسع "أوراق البنتاجون"، وهو التاريخ السري للغاية لوزارة الدفاع عن حرب فيتنام. عندما سُربت عام 1971، تسببت أوراق البنتاجون في ضجة كبيرة من خلال الكشف عن أن الحكومة قد ضللت الجمهور منذ فترة طويلة حول كيفية تورط الولايات المتحدة في فيتنام. في 47 مجلداً، استندت الدراسة المكونة من 7000 صفحة بالكامل على الوثائق الحكومية الداخلية، والكابلات الدبلوماسية، ومذكرات صناع القرار، وتقارير المخابرات. وللحفاظ على السرية، أصدر وزير الدفاع روبرت ماكنمارا أمرًا يمنع المؤلفين من مقابلة أي شخص. لم يواجه مشروع "الدروس المستفادة" لـ SIGAR أي قيود من هذا القبيل، لقد أجرى الموظفون المقابلات بين عامي 2014 و 2018 ، معظمها مع مسؤولين خدموا خلال حقبة بوش وأوباما. نحو 30 من سجلات المقابلات نُسخت كلمة بكلمة. والباقي عبارة عن ملخصات مكتوبة للمحادثات: صفحات من الملاحظات والاقتباسات من أشخاص لديهم وجهات نظر مختلفة عن الصراع، من القواعد العسكرية الأمامية البعيدة في أفغانستان إلى أعلى دوائر السلطة. بعض المقابلات قصيرة لسبب غير مفهوم، فيتكون سجل المقابلة مع جون ألين، قائد المارينز الذي قاد قوات الولايات المتحدة وحلف الناتو في أفغانستان من عام 2011 إلى عام 2013، من خمس فقرات. في المقابل، سجلات المقابلات مع شخصيات مؤثرة أخرى أكثر شمولاً، فقد عقد السفير الأمريكي السابق ريان كروكر مقابلتين أسفرتا عن 95 صفحة مكتوبة. على عكس "أوراق البنتاجون"، لم تُصنف أي من وثائق "الدروس المستفادة" في الأصل على أنها سر حكومي، لكن بمجرد ضغط الواشنطن بوست لجعلها علنية، وبعد نشر الحقيقة، تدخلت وكالات اتحادية وحظرت بعض المواد. على سبيل المثال، أكدت وزارة الخارجية أن نشر أجزاء من مقابلات معينة يمكن أن يعرض المفاوضات مع طالبان لإنهاء الحرب للخطر. كما حظرت وزارة الدفاع وإدارة مكافحة المخدرات نشر بعض اقتباسات المقابلات. تحتوي "الدروس المستفادة" على قليل من المفاجآت التي تخص العمليات العسكرية، والتي تفجر سيولاً من الانتقادات التي تدحض الرواية الرسمية للحرب، منذ الأيام الأولى وحتى بداية إدارة ترامب. في البداية، على سبيل المثال، كان للغزو الأمريكي لأفغانستان هدف واضح ومعلن، وهو الانتقام من القاعدة ومنع تكرار هجمات 11 سبتمبر 2001. ولكن تُظهر المقابلات أنه مع استمرار الحرب، استمرت الأهداف والمهمة في التغير، وترسخ انعدام الثقة في الاستراتيجية الأمريكية داخل البنتاجون والبيت الأبيض ووزارة الخارجية. وبقيت الخلافات الأساسية دون حل، فقد أراد بعض المسؤولين الأمريكيين استخدام الحرب لتحويل أفغانستان إلى دولة ديمقراطية، وأراد آخرون تغيير الثقافة الأفغانية وتمكين المرأة، بينما أراد فريق ثالث إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي بين باكستان والهند وإيران وروسيا. "مع إستراتيجية AfPak، كانت هناك هدية تحت شجرة عيد الميلاد للجميع". أخبر مسؤول أمريكي -لم تُحدد هويته- بذلك الجهات التي أجرت المقابلات عام 2015. "مع الوقت، كنتَ منتهياً، كان لديك العديد من الأولويات والتطلعات، كان يبدو أنه لا توجد أي استراتيجية على الإطلاق". تكشف مقابلات “الدروس المستفادة” أيضًا كيف عانى القادة العسكريون الأمريكيون لمعرفة مَن كانوا يقاتلون، ناهيك عن السبب. هل كانت القاعدة العدو أم طالبان؟ هل كانت باكستان صديقة أم عدوة؟ ماذا عن الدولة الإسلامية والمجموعة المحيرة من الجهاديين الأجانب، ناهيك عن أمراء الحرب الذين هم على كشوف رواتب السي آي إيه؟ وفقًا للوثائق لم تستقر الحكومة الأمريكية أبدًا على إجابة. نتيجة لذلك، وفي الميدان، لم تتمكن القوات الأمريكية في كثير من الأحيان من معرفة العدو من الصديق. "لقد ظنوا أنني ذاهب إليهم بخريطة لأريهم أين يعيش الطيبون وأين يعيش الأشرار"، هذا ما قاله مستشار سابق لفريق القوات الخاصة بالجيش لم تُسمِه لمقابلات مع الحكومة عام 2017. وأضاف: "لقد استغرق الأمر عدة محادثات معهم ليفهموا أنني ليس لدي هذه المعلومات، في البداية ظلوا يسألون: لكن من هم الأشرار، أين هم؟". المنظر لم يكن أكثر وضوحًا من البنتاجون: "ليس لدي أي رؤية حول من هم الأشرار" رامسفيلد مشتكياً في 8 سبتمبر 2003، مضيفاً: "نحن نعاني من نقص شديد في الذكاء البشري". [بقية الترجمة العدد القادم من مجلة كلمة حق، إن شاء الله]
أوراق أفغانستانية..التاريخ السري للحرب
في حرب مع الحقيقة (1/2)

 يقول المسؤولون الأمريكيون باستمرار إنهم يحرزون تقدماً.. إنهم لم يفعلوا، وهم يعلمون ذلك!

تحقيق حصري لصحيفة واشنطن بوست

ترجمه لمجلة كلمة حق: حامد عبد العظيم

كشفت مجموعة سرية من الوثائق الحكومية التي حصلت عليها الواشنطن بوست، أن كبار المسؤولين الأمريكيين فشلوا في قول الحقيقة حول الحرب في أفغانستان طوال فترة الحملة التي استمرت 18 عامًا، إذ أصدروا تصريحات وردية يعلمون أنها كاذبة وأخفوا أدلة لا لبس فيها على أن الحرب أصبحت غير قابلة للفوز بها.
أُنشئت الوثائق من خلال مشروع فيدرالي يدرس الإخفاقات الجذرية لأطول نزاع مسلح في تاريخ الولايات المتحدة. وتشمل أكثر من 2000 صفحة من الملاحظات غير المنشورة سابقًا، والمقابلات مع أشخاص لعبوا دورًا مباشرًا في الحرب، من الجنرالات والدبلوماسيين، إلى عمال الإغاثة والمسؤولين الأفغان.
حاولت الحكومة الأمريكية حماية هويات الغالبية العظمى من الذين عُقدت معهم المقابلات من أجل المشروع وإخفاء كل ملاحظاتهم تقريبًا. فازت صحيفة واشنطن بوست بالوثائق الصادرة بموجب قانون حرية المعلومات بعد معركة قانونية استمرت ثلاث سنوات.
في المقابلات، قدّم أكثر من 400 مُطّلع نقدًا غير محدود لما حدث في أفغانستان، وكيف أصبحت الولايات المتحدة غارقة في وحل الحرب التي استمرت عقدين تقريبًا. ومع البلادة وندرة التعبير عنها علنًا، تكشف المقابلات الشكاوي والإحباطات والاعترافات المكبوتة، إلى جانب سوء الظن والغِيبة.
"لم يكن لدينا الفهم الأساسي لأفغانستان، لم نكن نعرف ماذا كنا نفعل".
قال ذلك دوجلاس لوت، وهو جنرال في الجيش من فئة ثلاث نجوم، والذي كان بمثابة القائد التابع للبيت الأبيض في حرب أفغانستان أثناء إدارتي بوش وأوباما، وقد صرح بذلك خلال مقابلات مع الحكومة عام 2015. وأضاف: "ما الذي نحاول القيام به هنا؟ لم يكن لدينا الفكرة الأكثر ضبابية حول ما كنا نتعهد به".
"لو يعرف الشعب الأمريكي حجم الخلل الوظيفي! 2400 شخص فُقدوا!". قال لوت ذلك وهو يلقي بالمسؤولية على بيروقراطية الكونجرس والبنتاجون ووزارة الخارجية في مقتل الأفراد العسكريين الأمريكيين، وقال: "مَن سيصرح بأن هذا كان عبثاً؟".
منذ عام 2001، انتشر أكثر من 775.000 جندي أمريكي في أفغانستان، كثيراً منهم نُشروا مراراً وتكراراً. من بين هؤلاء قُتل 2300، وأُصيب 20586، استناداً إلى إحصاء وزارة الدفاع.
هذه المقابلات التي شملت نطاقاً واسعاً من المشاركين، تظهر إلى حد كبير أوجه الضعف الأساسية في الحرب التي لا تزال قائمة حتى يومنا هذا، لقد أكد المشاركون كيف أن ثلاثة رؤساء - جورج دبليو بوش وباراك أوباما ودونالد ترامب - وقادتهم العسكريين لم يتمكنوا من الوفاء بوعودهم بأن ينتصروا في أفغانستان.
بعد أن تحدث معظمهم على افتراض أن تصريحاتهم لن تصبح علنية، أقر المسؤولون الأمريكيون بأن استراتيجياتهم القتالية كانت قاتلة، وأن واشنطن أهدرت مبالغ هائلة من المال في محاولة لإعادة تشكيل أفغانستان كدولة حديثة.
تسلط المقابلات الضوء أيضًا على محاولات الحكومة الأمريكية الفاشلة للحد من الفساد الجامح، وبناء جيش أفغاني وقوة شرطة مختصة، ووضع حد لتجارة الأفيون المزدهرة في أفغانستان.
لم تقدم حكومة الولايات المتحدة بيانًا شاملاً حول ما أنفقته على الحرب في أفغانستان، لكن التكاليف باهظة. منذ عام 2001، أنفقت وزارة الدفاع ووزارة الخارجية والوكالة الأمريكية للتنمية الدولية أو خصصت ما بين 934 مليار دولار و 978 مليار دولار، وفقًا لتقدير معدل التضخم التي قامت به (نيتا كراوفورد)، أستاذ العلوم السياسية ومدير مشروع تكاليف الحرب في جامعة براون.
لا تشمل هذه الأرقام الأموال التي تنفقها وكالات أخرى، مثل وكالة الاستخبارات، وإدارة شؤون المحاربين القدامى، المسؤولة عن الرعاية الطبية لقدامى المحاربين الجرحى.
"ماذا جنينا من وراء هذه التريليون دولار؟ هل كان الأمر يستحق تريليون دولار؟".
قال ذلك جيفري إيجرز في المقابلات التي عقدتها الحكومة، وهو متقاعد من قوات البحرية وعمل بالبيت الأبيض خلال حقبة بوش وأوباما. وأضاف: "بعد مقتل أسامة بن لادن، قلت إن أسامة ربما كان يضحك في قبره المائي بالنظر إلى ما أنفقناه على أفغانستان".

تتناقض الوثائق أيضًا مع سلسلة طويلة من التصريحات العلنية الصادرة عن رؤساء الولايات المتحدة والقادة العسكريين والدبلوماسيين، الذين أكدوا للأميركيين عاماً بعد عام أنهم يحرزون تقدماً في أفغانستان وأن الحرب تستحق القتال.
[رابط فيديو وثائقي مرفق مع الاستقصاء: اضغط هنا، من إعداد (جويسي لي) للواشنطن بوست]
وصف العديد من الذين جرت مقابلتهم الجهود الواضحة والمستمرة التي بذلتها الحكومة الأمريكية لتضليل الجمهور عمداً. وقالوا إنه من الشائع في المقر العسكري في كابول - وفي البيت الأبيض - تشويه الإحصائيات لجعل الأمر يبدو وكأن الولايات المتحدة تنتصر في الحرب، في حين أن الأمر لم يكن كذلك.
"قُلبت كل البيانات لتقديم أفضل صورة ممكنة". قال ذلك بوب كراولي في هذه المقابلات مع الحكومة، وهو عقيد في الجيش عمل في مكافحة التمرد كمستشار كبير للقادة العسكريين الأمريكيين عامي 2013 و2014: "الدراسات الاستقصائية، على سبيل المثال، كانت غير موثوق بها تماماً ولكنها عززت أن كل شيء كنا نفعله كان صحيحًا، فأصبح كل هدفنا الحفاظ على صورتنا".
واعترف جون سوبكو رئيس الوكالة الفيدرالية -التي أجرت المقابلات- للواشنطن بوست أن الوثائق تُظهر أن "الشعب الأمريكي قد كُذب عليه باستمرار".
المقابلات هي منتج جانبي لمشروع تقوده وكالة سوبكو، مكتب المفتش العام لإعادة إعمار أفغانستان، المعروف باسم SIGAR ، أنشئت الوكالة من قبل الكونجرس عام 2008 للتحقيق في الهدر والاحتيال في منطقة الحرب.
في عام 2014، بتوجيه من سوبكو، ابتعدت SIGAR عن مهمتها المعتادة المتمثلة في إجراء عمليات التدقيق، وأطلقت مشروعًا جانبيًا بعنوان "الدروس المستفادة"، المشروع ذو الـ 11 مليون دولار يهدف إلى تشخيص إخفاقات السياسة في أفغانستان، ويضمن عدم تكرار الولايات المتحدة لنفس الأخطاء في المرة التالية التي تغزو فيها بلدًا أو تحاول فيها إعادة بناء بلد محطم.
أجرى فريق "الدروس المستفادة" مقابلات مع أكثر من 600 شخص من ذوي الخبرة المباشرة في الحرب. وكان معظمهم من الأمريكيين، لكن محللي SIGAR سافروا أيضًا إلى لندن وبروكسل وبرلين لمقابلة حلفاء الناتو. بالإضافة إلى ذلك، قابلوا نحو 20 مسؤولًا أفغانيًا، وناقشوا برامج إعادة الإعمار والتنمية.
بالاعتماد جزئيًا على المقابلات، بالإضافة إلى السجلات والإحصاءات الحكومية الأخرى، نشرت SIGAR سبعة تقارير للدروس المستفادة منذ عام 2016، تُبرز المشاكل في أفغانستان وتوصي بإجراء تغييرات لتحقيق الاستقرار في البلاد.
لكن التقارير، التي كُتبت بطريقة بيروقراطية بلهاء، وركزت بطريقة مشوشة على المبادرات الحكومية، تركت أقسى الانتقادات وأشد المقابلات جرأة.
"لقد وجدنا أن استراتيجية الاستقرار والبرامج المستخدمة لتحقيقها، لم تكن مصمَمة بما يناسب السياق الأفغاني، ونادراً ما استمرت النجاحات في تحقيق الاستقرار في المناطق الأفغانية لفترة أطول من الوجود المادي لقوات التحالف والمدنيين". اقرأ مقدمة أحد التقارير الصادرة في مايو 2018.
حذفت التقارير أيضًا أسماء أكثر من 90 بالمائة من الأشخاص الذين عُقدت المقابلات معهم خلال المشروع. في حين وافق عدد قليل من المسؤولين على تسجيل حديثهم مع SIGAR، قالت الوكالة إنها وعدت بعدم الكشف عن هوية أي شخص قابلته، لتجنب الخلاف حول المسائل الحساسة سياسياً.
بموجب قانون حرية المعلومات، بدأت واشنطن بوست في البحث عن سجلات مقابلات "الدروس المستفادة" في أغسطس/ آب 2016. ورفضت SIGAR، بحجة أن الوثائق محصنة وأن الجمهور ليس له الحق في رؤيتها. فكان على واشنطن بوست مقاضاة SIGAR في المحكمة الفدرالية - مرتين - لإجبارها على إصدار الوثائق.
كشفت الوكالة في النهاية عن أكثر من 2000 صفحة من الملاحظات والنصوص غير المنشورة من 428 من المقابلات، وكذلك العديد من التسجيلات الصوتية. تحدد الوثائق 62 من الأشخاص الذين جرت المقابلات معهم، لكن SIGAR حجبت أسماء 366 آخرين. في المذكرات القانونية، زعمت الوكالة أنه ينبغي عدّ هؤلاء الأفراد بمثابة مخبرين ورواة، قد يواجهون الإهانة أو المضايقة أو الانتقام أو الأذى الجسدي، إذا أصبحت أسمائهم علنية.
من خلال تواريخ الوثائق وتفاصيل أخرى منها، حددت واشنطن بوست 33 شخصًا آخر جرت المقابلات معهم، بمن فيهم العديد من السفراء السابقين والجنرالات ومسؤولي البيت الأبيض.
طلبت الصحيفة من قاضٍ فيدرالي إجبار SIGAR على الكشف عن أسماء أي شخص آخر جرت مقابلته، بحجة أن الجمهور لديه الحق في معرفة المسؤولين الذين انتقدوا الحرب وأكدوا أن الحكومة قد ضللت الشعب الأمريكي. جادلت الصحيفة أيضًا بأن المسؤولين لم يكونوا من المخبرين أو الوراة، لأنهم لم يُقابَلوا كجزء من التحقيق.
قرار القاضي آمي بيرمان جاكسون من محكمة مقاطعة U.Sفي واشنطن كان معلقًا منذ أواخر سبتمبر. تنشر صحيفة واشنطن بوست الوثائق الآن، بدلاً من انتظار صدور حكم نهائي، لإطلاع الجمهور عليها أثناء مفاوضات إدارة ترامب مع طالبان، وللنظر ما إذا كانت ستنسحب القوات الأمريكية الباقية في أفغانستان والبالغ عددها 13000 جندي.
حاولت الواشنطن بوست الاتصال لأخذ تعليق كل شخص تمكنت من التعرف عليه ممن أجروا مقابلات مع SIGAR. (ردودهم مجموعة في مقال منفصل).
قال سوبكو، المفتش العام، لصحيفة الواشنطن بوست إنه لم يُخفِ الانتقادات العنيفة والشكوك حول الحرب، التي أثارها المسؤولون في مقابلات "الدروس المستفادة". وقال إن الأمر استغرق من مكتبه ثلاث سنوات لإصدار السجلات؛ لأن لديه عدداً قليلاً من الموظفين، ولأن الوكالات الفيدرالية الأخرى اضطرت إلى مراجعة المستندات لمنع الكشف عن أسرار الحكومة.
قال: "لم نحظرها، نحن نؤمن بشدة بالانفتاح والشفافية، لكن يتعين علينا اتباع القانون، أفكر في أي مفتش عام، من المحتمل أنني كنت الأكثر إطلاعاً على المعلومات".
سجلات المقابلات أولية وغير محررة ، ولم يدمجها موظفو SIGAR للدروس المستفادة في سرد موحد؛ لكنها مليئة بأحكام صارمة من أشخاص صاغوا أو نفذوا السياسة الأمريكية في أفغانستان.
قال جيمس دوبينز، وهو دبلوماسي أمريكي رفيع سابق، خدم كمبعوث خاص إلى أفغانستان في عهد بوش وأوباما: "إننا لا نغزو البلدان الفقيرة لجعلها غنية، أو البلدان الاستبدادية لجعلها ديمقراطية، بل نغزو الدول العنيفة لجعلها سلمية، وفشلنا بوضوح في أفغانستان".
ولتعزيز مقابلات "الدروس المستفادة"، حصلت الواشنطن بوست على مئات الصفحات من المذكرات المصنفة مسبقًا حول الحرب الأفغانية، التي أملاها وزير الدفاع دونالد رامسفيلد بين عامي 2001 و 2006. المذكرات التي أطلق عليها رامسفيلد وموظفوه "رقاقات الثلج"، هي تعليمات أو تعليقات موجزة قام رئيس البنتاجون بإملائها على بعض موظفيه، غالبًا عدة مرات في اليوم.
أخرج رامسفيلد للعلن عددًا مختارًا من رقاقاته الثلجية عام 2011، ونشرها عبر الإنترنت بالتزامن مع مذكراته "المعروف والمجهول". لكن معظم مجموعته التي تحتوي على رقاقات الثلج - والتي تقدر بنحو 59000 صفحة - ظلت سرية.
في عام 2017، واستجابة لدعوى قانون حرية المعلومات المرفوعة من قبل أرشيف الأمن القومي، وهو معهد أبحاث غير ربحي مقره جامعة جورج واشنطن، بدأت وزارة الدفاع في مراجعة وإصدار ما تبقى من رقاقات رامسفيلد الثلجية على نحو مستمر، وشاركهم الأرشيف مع الواشنطن بوست.
تشكل مقابلات SIGAR ومذكرات رامسفيلد المتعلقة بأفغانستان تاريخًا سريًا للحرب، وتقييمًا لا يوصف لمدة 18 عامًا من الصراع. وبأسلوب رامسفيلد الفظ تنبأت العديد من رقاقات الثلج بالمشاكل التي لا تزال تلاحق الجيش الأمريكي بعد أكثر من عقد من الزمان.
"قد أكون غير صبور، الحقيقة أنا أعلم أني غير صبور بعض الشيء".
كتب رامسفيلد في إحدى المذكرات إلى عدد من الجنرالات وكبار المساعدين.
"لن نُخرج أبداً الجيش الأمريكي من أفغانستان، ما لم نرَ ما يحقق الاستقرار، والذي سيكون ضرورياً لنا لنغادر البلاد".
"المساعدة!". كتب ذلك رامسفلد. المذكرة بتاريخ 17-4- 2002. بعد ستة أشهر من بدء الحرب.

ماذا يقولون في العلن
"لقد كان تاريخ النزاع العسكري في أفغانستان واحداً من النجاحات الأولية، تبعته سنوات طويلة من التعثر وأقصى درجات الفشل، لن نكرر هذا الخطأ".
الرئيس جورج دبليو بوش، في خطاب ألقاه في معهد فرجينيا العسكري

من خلال وصفها الصريح لكيفية تعثر الولايات المتحدة في حرب بعيدة، بالإضافة إلى تصميم الحكومة على إخفائها عن الجمهور، تشبه مقابلات "الدروس المستفادة" على نطاق واسع "أوراق البنتاجون"، وهو التاريخ السري للغاية لوزارة الدفاع عن حرب فيتنام. عندما سُربت عام 1971، تسببت أوراق البنتاجون في ضجة كبيرة من خلال الكشف عن أن الحكومة قد ضللت الجمهور منذ فترة طويلة حول كيفية تورط الولايات المتحدة في فيتنام.
في 47 مجلداً، استندت الدراسة المكونة من 7000 صفحة بالكامل على الوثائق الحكومية الداخلية، والكابلات الدبلوماسية، ومذكرات صناع القرار، وتقارير المخابرات. وللحفاظ على السرية، أصدر وزير الدفاع روبرت ماكنمارا أمرًا يمنع المؤلفين من مقابلة أي شخص.
لم يواجه مشروع "الدروس المستفادة" لـ SIGAR أي قيود من هذا القبيل، لقد أجرى الموظفون المقابلات بين عامي 2014 و 2018 ، معظمها مع مسؤولين خدموا خلال حقبة بوش وأوباما. نحو 30 من سجلات المقابلات نُسخت كلمة بكلمة. والباقي عبارة عن ملخصات مكتوبة للمحادثات: صفحات من الملاحظات والاقتباسات من أشخاص لديهم وجهات نظر مختلفة عن الصراع، من القواعد العسكرية الأمامية البعيدة في أفغانستان إلى أعلى دوائر السلطة.
بعض المقابلات قصيرة لسبب غير مفهوم، فيتكون سجل المقابلة مع جون ألين، قائد المارينز الذي قاد قوات الولايات المتحدة وحلف الناتو في أفغانستان من عام 2011 إلى عام 2013، من خمس فقرات. في المقابل، سجلات المقابلات مع شخصيات مؤثرة أخرى أكثر شمولاً، فقد عقد السفير الأمريكي السابق ريان كروكر مقابلتين أسفرتا عن 95 صفحة مكتوبة.
على عكس "أوراق البنتاجون"، لم تُصنف أي من وثائق "الدروس المستفادة" في الأصل على أنها سر حكومي، لكن بمجرد ضغط الواشنطن بوست لجعلها علنية، وبعد نشر الحقيقة، تدخلت وكالات اتحادية وحظرت بعض المواد.
على سبيل المثال، أكدت وزارة الخارجية أن نشر أجزاء من مقابلات معينة يمكن أن يعرض المفاوضات مع طالبان لإنهاء الحرب للخطر. كما حظرت وزارة الدفاع وإدارة مكافحة المخدرات نشر بعض اقتباسات المقابلات.
تحتوي "الدروس المستفادة" على قليل من المفاجآت التي تخص العمليات العسكرية، والتي تفجر سيولاً من الانتقادات التي تدحض الرواية الرسمية للحرب، منذ الأيام الأولى وحتى بداية إدارة ترامب.
في البداية، على سبيل المثال، كان للغزو الأمريكي لأفغانستان هدف واضح ومعلن، وهو الانتقام من القاعدة ومنع تكرار هجمات 11 سبتمبر 2001. ولكن تُظهر المقابلات أنه مع استمرار الحرب، استمرت الأهداف والمهمة في التغير، وترسخ انعدام الثقة في الاستراتيجية الأمريكية داخل البنتاجون والبيت الأبيض ووزارة الخارجية. وبقيت الخلافات الأساسية دون حل، فقد أراد بعض المسؤولين الأمريكيين استخدام الحرب لتحويل أفغانستان إلى دولة ديمقراطية، وأراد آخرون تغيير الثقافة الأفغانية وتمكين المرأة، بينما أراد فريق ثالث إعادة تشكيل ميزان القوى الإقليمي بين باكستان والهند وإيران وروسيا.
"مع إستراتيجية AfPak، كانت هناك هدية تحت شجرة عيد الميلاد للجميع".
أخبر مسؤول أمريكي -لم تُحدد هويته- بذلك الجهات التي أجرت المقابلات عام 2015.
"مع الوقت، كنتَ منتهياً، كان لديك العديد من الأولويات والتطلعات، كان يبدو أنه لا توجد أي استراتيجية على الإطلاق".
تكشف مقابلات “الدروس المستفادة” أيضًا كيف عانى القادة العسكريون الأمريكيون لمعرفة مَن كانوا يقاتلون، ناهيك عن السبب. هل كانت القاعدة العدو أم طالبان؟ هل كانت باكستان صديقة أم عدوة؟ ماذا عن الدولة الإسلامية والمجموعة المحيرة من الجهاديين الأجانب، ناهيك عن أمراء الحرب الذين هم على كشوف رواتب السي آي إيه؟ وفقًا للوثائق لم تستقر الحكومة الأمريكية أبدًا على إجابة. نتيجة لذلك، وفي الميدان، لم تتمكن القوات الأمريكية في كثير من الأحيان من معرفة العدو من الصديق.
"لقد ظنوا أنني ذاهب إليهم بخريطة لأريهم أين يعيش الطيبون وأين يعيش الأشرار"، هذا ما قاله مستشار سابق لفريق القوات الخاصة بالجيش لم تُسمِه لمقابلات مع الحكومة عام 2017. وأضاف: "لقد استغرق الأمر عدة محادثات معهم ليفهموا أنني ليس لدي هذه المعلومات، في البداية ظلوا يسألون: لكن من هم الأشرار، أين هم؟".
المنظر لم يكن أكثر وضوحًا من البنتاجون: "ليس لدي أي رؤية حول من هم الأشرار"
رامسفيلد مشتكياً في 8 سبتمبر 2003، مضيفاً: "نحن نعاني من نقص شديد في الذكاء البشري".

[بقية الترجمة العدد القادم من مجلة كلمة حق، إن شاء الله]
‏٣٠‏/٠١‏/٢٠٢٠ ٢:٤٦ م‏
أختي (رنا الأسمر).. لقد ماتت فينا الرجولة حامد عبد العظيم حمّل العدد 29 http://bit.ly/2P55Bo6 هدية العدد http://bit.ly/2Y2dbEm الأعداد والهدايا السابقة http://bit.ly/2vvtufk الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على نبينا محمد الذي لا نبي بعده، وبعد: فلا يمر أسبوع أو شهر إلا وتسمع بواقعة جديدة في بلاد غير المسلمين وخاصة البلاد التي يوجد فيها العرق الأبيض، مؤخرًا رأينا حادثة تعدي أحد العلوج البيض الأستراليين على سيدة مسلمة مسالمة (اسمها رنا الأسمر- 31 عامًا) كانت تجلس في مطعم مع صديقاتها المسلمات المحجبات، فإذا بهذا الجبان يتعدى عليها بالصراخ والضرب باللكمات في وجهها والركلات في رأسها وجسدها، حتى أسقطها أرضًا وواصل الضرب بإجرام ولم يرحم كونها حُبلى في شهرها التاسع رابط للفيديو: https://www.youtube.com/watch?v=3SHpJwAYdNk فماذا فعل المسلمون؟ مجرد تنديدات جوفاء، لكن لا شيء على الأرض، رغم أن هذه الحادثة مصورة وكفيلة أن تجعل مسلمي أستراليا (قرابة المليون مسلم ومسلمة) يخرجون في مسيرات لا يرى أولها من آخرها حتى لا تتكرر هذه المأساة مرة أخرى، لكن لم يحدث شيء من ذلك. تُرى ماذا لو حدثت تلك الحادثة ليهودي؟ لكان أمسك بها اليهود واستنفروا جماعات الضغط التابعة لهم على مستوى العالم للتحرك في مسيرات دورية، وللظهور في القنوات الإعلامية واللقاءات الصحفية، وللحديث على مواقع التواصل الاجتماعي بصورة ممنهجة لا تتوقف، ولوصل فيديو الاعتداء إلى كل بيت في العالم. فلماذا لم يفعل ذلك المسلمون؟ هل هانت أرواحنا ودماؤنا وأنفسنا إلى هذا الحد؟ هل أصبح التعدي على أخواتنا ونسائنا أمرًا عاديًا وطبيعيًا؟ هل ماتت فينا النخوة والرجولة والشهامة؟ ثم تسأل لماذا تتكرر حوادث التعدي على المسلمين في أنحاء العالم؟! نحن نتوقف مع هذه الحادثة لأننا لا نريدها أن تتكرر مرة أخرى، هذا العلج الاسترالي ينبغي الترصد له وكسر يده ورجله التي تعدى بهما على أختنا المسلمة، حتى يكون عبرة لمن يعتبر وحتى لا تراوده ولو في أحلامه فكرة التعدي على امرأة مسلمة، وحتى يتعظ به كل كافر نجس يظن أن المسلمات مستباحات لكل حقير. إذا حدث هذا وصُور وانتشر وتداولته وسائل الإعلام، سيلزم كل جبان حده، وتمشي المسلمات شامخات الرأس عزيزات، يخاف كل خسيس أن يتعدى عليهن فيكون مصيره كسر يده أو رجله. كل هذا بالطبع إذا لم تعاقبه السلطات بالعقوبة اللازمة، أما إذا عوقب بعقوبة شافية للصدور فبها ونعمت، لكن إن قضى أيامًا أو دفع غرامة مالية زهيدة وخرج كأن لم يفعل شيئا، فحينها ينبغي أن يذوق من نفس الكأس. عار على كل مسلم لم يتحرك من أجل الاعتداء على أخيه أو أخته المسلمة، ونحن نتكلم هنا ونركز أكثر على النساء، لأنهن ضعيفات، فالرجل يمكن أن يدافع عن نفسه ولكن المرأة لن تتمكن، عار على المسلمين في مكان اعتُدي فيه على مسلمة ولم ينظموا مظاهرات تنديدية أو مسيرات لمقر الحكومة والبرلمان والرئاسة وغيرها من الأماكن المؤثرة باعتبار أن المسؤولين في البلاد هم المنوط بهم إيقاف هذا الأمر، عار على المسلمين في مكان اعتُدي فيه على مسلمة السكوت أو التنديد الضعيف الذي يتوقف بعد أيام قليلة، عار عليهم عدم التحدث عن الأمر بجدية ونشره في كل مكان، عار عليهم عدم تداول صورة الجاني وفضحه في كل مكان ووصفه بالجبان والإرهابي، عار عليهم عدم الهجوم على اليمين المتطرف وأحزابه وحركاته التي تغذي هذا الفكر وتحث معتنقيه على استهداف المسلمين والمسلمات، عار عليهم أن يكونوا دائمًا في خانة المتهم، عار عليهم ألا يكونوا في تحرك دائم ودوري وثابت لمقاومة الإسلاموفوبيا والتذكير بالحوادث التي حدثت في كل بلد وتفعيل ذكراها كل عام عن طريق الندوات والمسيرات والإعلام ومواقع التواصل… إلخ إن المسألة ليست مسألة هذه الأخت فقط، ولكن الحديث هنا عام لكل المسلمين في أوروبا وأستراليا وأمريكا ونيوزلاندا وكل بلاد العالم غير المسلم، أنت غير مطالب بالتحرك على الأرض من أجل مسلمين في بلد آخر، فهذا نموذج أصبح بعيدًا رغم وجوبه، ولكن على الأقل لا يمكن أن يُتعدى على مسلم أو مسلمة بدافع ديني أو عرقي وتسكت أنت على ذلك، لأنك إن لم تتحرك لن يتحرك أحد فأنتم أقلية ولا يمكن لكل فرد أن يعتمد على الآخر، لذلك وجود التنسيقيات المخصصة لرصد حوادث الاعتداء والتفاعل السريع والفوري معها هو أمر ضروري وعاجل، وحدة متخصصة لرصد الحوادث -ولو كانت اعتداء بالكلمة- وتسليط الضوء عليها وبدء التحرك الآني لمواجهتها، أما إذا علم أمثال هؤلاء الأنجاس أن المسلمين يحدث لهم الضرر فيسكتون، فحينها لا تستغرب وقوع هذه الحوادث يوميًا، فمن أمِنَ العقوبة أساء الأدب. تمامًا كما فعل الخنزير الأسترالي الذي قتل 53 مسلماً ومسلمة في مسجدين بنيوزلاندا، فهو يعلم يقينا أنه لن يُقتل ولو قتل مليون إنسان ولذلك أقدم على فعلته. ولكن مع هذه العتمة والقهر يظل النور الإسلامي ساطعًا في النفوس وباقيًا، فيبرز أحد أبطال الإسلام في شمال القارة الأوروبية وبالتحديد في النرويج، عندما أقدم كلب من كلاب اليمين المتطرف على حرق نسخة من القرآن الكريم، فإذا بهذا البطل المسلم يقفز نحوه مسددًا ركلة له، وإذا بهذا الكلب النرويجي يهلع ويظهر على ملامحه الخوف الشديد والارتجاف، وأرى أنه لن يفكر هو أو من شاهده من رفاقه المتعصبين في الإقدام على ذلك مرة أخرى أبدًا في حياتهم. أعلم يقينًا أن قرآننا باقٍ في القلوب والصدور ويحفظه ملايين المسلمين عن ظهر قلب، وأن حرق نسخة منه لن يؤثر عليه أو على مكانته في شيء، فهو ليس كتابًا هزيلًا محرفًا مثل ما يسمى الكتاب المقدس الذي لا يدرون حقيقة شخصيات رواته ولا يوجد له إسناد متصل ولو واحد فقط ولا يحفظه أحد من النصارى تقريبًا، أنا أعلم كل هذا، ولكن على الرغم من ذلك لا يمكن التسامح مع حركة رمزية كهذه، والذي قام به هذا البطل المسلم (أسأل الله تعالى أن يجعله في ميزان حسناته وأن يفرج عنه فقد اعتقلته الشرطة النرويجية) سيجعل الكثير يحجمون عن فعل هذا مرة أخرى خوفًا من هجوم أحد الأشاوس عليهم كما فعل ذلك البطل. رابط للفيديو : https://www.youtube.com/watch?v=bgKb14SHWRA إنه "الردع" يا سادة، الذي يوقف الإنسان المتجبر عند حده، فالإنسان المتجبر لا يتوقف عن تجبره إلا إذا رأى خطرًا على نفسه، فهو جبان جدًا لو أحس بهذا، فتجد هذا الطاغي الجبار الفرعوني قد تحول إلى قط هزيل مبلل بالماء وأصبح كل ما يرجوه هو نجاته. ومن أجل ذلك تحديدًا شرع الله سبحانه وتعالى الجهاد، فالجهاد يحفظ للأمة عزتها ولا يجعل كل من هب ودب يتعدى عليها، مهما كان جبارًا في الأرض، بل يبقيها شامخة يعلم الجميع أنها أمة قوية تسترخص أرواحها في سبيل إبقاء رأسها عالية مستعصية على الانحناء والمذلة لأي أحد، سوى خالقها عز وجل. إن الله تبارك وتعالى هو خالق كل شيء، لذلك هو يعلم جل في علاه ما يردع مخلوقاته، وما يجعل العلاقة بينها متوازنة تقوم على الاحترام المتبادل، خاصة عند انعدام الدين والضمير، فلو كان البشر صالحين ويخضون الله تبارك وتعالى لما شرع الله تعالى الجهاد، ولكن لأن هناك حزب الله وحزب الشيطان، ولأن هناك من لا يردعه الدين أو توقفه عند حده الأخلاق، كان لابد من شرع الجهاد لردع جنود الشيطان في كل مكان وزمان، وإلا سيكون الصالحون وجند الله تعالى أذل الناس وأكثرهم عرضة لانتهاك الأعراض واغتصاب الأموال واستباحة الأرض والخيرات. أختم مقالتي هذه بحديث النبي صلى الله عليه وسلم، والذي أوتي جوامع الكلم، يقول عليه السلام: (إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ). رواه أحمد وأبو داود. وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
أختي (رنا الأسمر).. لقد ماتت فينا الرجولة

حامد عبد العظيم

حمّل العدد 29
http://bit.ly/2P55Bo6
هدية العدد
http://bit.ly/2Y2dbEm
الأعداد والهدايا السابقة
http://bit.ly/2vvtufk

الحمد لله وحده، والصلاة والسلام على نبينا محمد الذي لا نبي بعده، وبعد:

فلا يمر أسبوع أو شهر إلا وتسمع بواقعة جديدة في بلاد غير المسلمين وخاصة البلاد التي يوجد فيها العرق الأبيض، مؤخرًا رأينا حادثة تعدي أحد العلوج البيض الأستراليين على سيدة مسلمة مسالمة (اسمها رنا الأسمر- 31 عامًا) كانت تجلس في مطعم مع صديقاتها المسلمات المحجبات، فإذا بهذا الجبان يتعدى عليها بالصراخ والضرب باللكمات في وجهها والركلات في رأسها وجسدها، حتى أسقطها أرضًا وواصل الضرب بإجرام ولم يرحم كونها حُبلى في شهرها التاسع رابط للفيديو:
https://www.youtube.com/watch?v=3SHpJwAYdNk

فماذا فعل المسلمون؟ مجرد تنديدات جوفاء، لكن لا شيء على الأرض، رغم أن هذه الحادثة مصورة وكفيلة أن تجعل مسلمي أستراليا (قرابة المليون مسلم ومسلمة) يخرجون في مسيرات لا يرى أولها من آخرها حتى لا تتكرر هذه المأساة مرة أخرى، لكن لم يحدث شيء من ذلك.

تُرى ماذا لو حدثت تلك الحادثة ليهودي؟ لكان أمسك بها اليهود واستنفروا جماعات الضغط التابعة لهم على مستوى العالم للتحرك في مسيرات دورية، وللظهور في القنوات الإعلامية واللقاءات الصحفية، وللحديث على مواقع التواصل الاجتماعي بصورة ممنهجة لا تتوقف، ولوصل فيديو الاعتداء إلى كل بيت في العالم.

فلماذا لم يفعل ذلك المسلمون؟ هل هانت أرواحنا ودماؤنا وأنفسنا إلى هذا الحد؟ هل أصبح التعدي على أخواتنا ونسائنا أمرًا عاديًا وطبيعيًا؟ هل ماتت فينا النخوة والرجولة والشهامة؟ ثم تسأل لماذا تتكرر حوادث التعدي على المسلمين في أنحاء العالم؟!

نحن نتوقف مع هذه الحادثة لأننا لا نريدها أن تتكرر مرة أخرى، هذا العلج الاسترالي ينبغي الترصد له وكسر يده ورجله التي تعدى بهما على أختنا المسلمة، حتى يكون عبرة لمن يعتبر وحتى لا تراوده ولو في أحلامه فكرة التعدي على امرأة مسلمة، وحتى يتعظ به كل كافر نجس يظن أن المسلمات مستباحات لكل حقير. إذا حدث هذا وصُور وانتشر وتداولته وسائل الإعلام، سيلزم كل جبان حده، وتمشي المسلمات شامخات الرأس عزيزات، يخاف كل خسيس أن يتعدى عليهن فيكون مصيره كسر يده أو رجله. كل هذا بالطبع إذا لم تعاقبه السلطات بالعقوبة اللازمة، أما إذا عوقب بعقوبة شافية للصدور فبها ونعمت، لكن إن قضى أيامًا أو دفع غرامة مالية زهيدة وخرج كأن لم يفعل شيئا، فحينها ينبغي أن يذوق من نفس الكأس.

عار على كل مسلم لم يتحرك من أجل الاعتداء على أخيه أو أخته المسلمة، ونحن نتكلم هنا ونركز أكثر على النساء، لأنهن ضعيفات، فالرجل يمكن أن يدافع عن نفسه ولكن المرأة لن تتمكن، عار على المسلمين في مكان اعتُدي فيه على مسلمة ولم ينظموا مظاهرات تنديدية أو مسيرات لمقر الحكومة والبرلمان والرئاسة وغيرها من الأماكن المؤثرة باعتبار أن المسؤولين في البلاد هم المنوط بهم إيقاف هذا الأمر، عار على المسلمين في مكان اعتُدي فيه على مسلمة السكوت أو التنديد الضعيف الذي يتوقف بعد أيام قليلة، عار عليهم عدم التحدث عن الأمر بجدية ونشره في كل مكان، عار عليهم عدم تداول صورة الجاني وفضحه في كل مكان ووصفه بالجبان والإرهابي، عار عليهم عدم الهجوم على اليمين المتطرف وأحزابه وحركاته التي تغذي هذا الفكر وتحث معتنقيه على استهداف المسلمين والمسلمات، عار عليهم أن يكونوا دائمًا في خانة المتهم، عار عليهم ألا يكونوا في تحرك دائم ودوري وثابت لمقاومة الإسلاموفوبيا والتذكير بالحوادث التي حدثت في كل بلد وتفعيل ذكراها كل عام عن طريق الندوات والمسيرات والإعلام ومواقع التواصل… إلخ

إن المسألة ليست مسألة هذه الأخت فقط، ولكن الحديث هنا عام لكل المسلمين في أوروبا وأستراليا وأمريكا ونيوزلاندا وكل بلاد العالم غير المسلم، أنت غير مطالب بالتحرك على الأرض من أجل مسلمين في بلد آخر، فهذا نموذج أصبح بعيدًا رغم وجوبه، ولكن على الأقل لا يمكن أن يُتعدى على مسلم أو مسلمة بدافع ديني أو عرقي وتسكت أنت على ذلك، لأنك إن لم تتحرك لن يتحرك أحد فأنتم أقلية ولا يمكن لكل فرد أن يعتمد على الآخر، لذلك وجود التنسيقيات المخصصة لرصد حوادث الاعتداء والتفاعل السريع والفوري معها هو أمر ضروري وعاجل، وحدة متخصصة لرصد الحوادث -ولو كانت اعتداء بالكلمة- وتسليط الضوء عليها وبدء التحرك الآني لمواجهتها، أما إذا علم أمثال هؤلاء الأنجاس أن المسلمين يحدث لهم الضرر فيسكتون، فحينها لا تستغرب وقوع هذه الحوادث يوميًا، فمن أمِنَ العقوبة أساء الأدب. تمامًا كما فعل الخنزير الأسترالي الذي قتل 53 مسلماً ومسلمة في مسجدين بنيوزلاندا، فهو يعلم يقينا أنه لن يُقتل ولو قتل مليون إنسان ولذلك أقدم على فعلته.

ولكن مع هذه العتمة والقهر يظل النور الإسلامي ساطعًا في النفوس وباقيًا، فيبرز أحد أبطال الإسلام في شمال القارة الأوروبية وبالتحديد في النرويج، عندما أقدم كلب من كلاب اليمين المتطرف على حرق نسخة من القرآن الكريم، فإذا بهذا البطل المسلم يقفز نحوه مسددًا ركلة له، وإذا بهذا الكلب النرويجي يهلع ويظهر على ملامحه الخوف الشديد والارتجاف، وأرى أنه لن يفكر هو أو من شاهده من رفاقه المتعصبين في الإقدام على ذلك مرة أخرى أبدًا في حياتهم.

أعلم يقينًا أن قرآننا باقٍ في القلوب والصدور ويحفظه ملايين المسلمين عن ظهر قلب، وأن حرق نسخة منه لن يؤثر عليه أو على مكانته في شيء، فهو ليس كتابًا هزيلًا محرفًا مثل ما يسمى الكتاب المقدس الذي لا يدرون حقيقة شخصيات رواته ولا يوجد له إسناد متصل ولو واحد فقط ولا يحفظه أحد من النصارى تقريبًا، أنا أعلم كل هذا، ولكن على الرغم من ذلك لا يمكن التسامح مع حركة رمزية كهذه، والذي قام به هذا البطل المسلم (أسأل الله تعالى أن يجعله في ميزان حسناته وأن يفرج عنه فقد اعتقلته الشرطة النرويجية) سيجعل الكثير يحجمون عن فعل هذا مرة أخرى خوفًا من هجوم أحد الأشاوس عليهم كما فعل ذلك البطل. رابط للفيديو :
https://www.youtube.com/watch?v=bgKb14SHWRA

إنه "الردع" يا سادة، الذي يوقف الإنسان المتجبر عند حده، فالإنسان المتجبر لا يتوقف عن تجبره إلا إذا رأى خطرًا على نفسه، فهو جبان جدًا لو أحس بهذا، فتجد هذا الطاغي الجبار الفرعوني قد تحول إلى قط هزيل مبلل بالماء وأصبح كل ما يرجوه هو نجاته.

ومن أجل ذلك تحديدًا شرع الله سبحانه وتعالى الجهاد، فالجهاد يحفظ للأمة عزتها ولا يجعل كل من هب ودب يتعدى عليها، مهما كان جبارًا في الأرض، بل يبقيها شامخة يعلم الجميع أنها أمة قوية تسترخص أرواحها في سبيل إبقاء رأسها عالية مستعصية على الانحناء والمذلة لأي أحد، سوى خالقها عز وجل.

إن الله تبارك وتعالى هو خالق كل شيء، لذلك هو يعلم جل في علاه ما يردع مخلوقاته، وما يجعل العلاقة بينها متوازنة تقوم على الاحترام المتبادل، خاصة عند انعدام الدين والضمير، فلو كان البشر صالحين ويخضون الله تبارك وتعالى لما شرع الله تعالى الجهاد، ولكن لأن هناك حزب الله وحزب الشيطان، ولأن هناك من لا يردعه الدين أو توقفه عند حده الأخلاق، كان لابد من شرع الجهاد لردع جنود الشيطان في كل مكان وزمان، وإلا سيكون الصالحون وجند الله تعالى أذل الناس وأكثرهم عرضة لانتهاك الأعراض واغتصاب الأموال واستباحة الأرض والخيرات.

أختم مقالتي هذه بحديث النبي صلى الله عليه وسلم، والذي أوتي جوامع الكلم، يقول عليه السلام: (إِذَا تَبَايَعْتُمْ بِالْعِينَةِ، وَأَخَذْتُمْ أَذْنَابَ الْبَقَرِ، وَرَضِيتُمْ بِالزَّرْعِ، وَتَرَكْتُمْ الْجِهَادَ، سَلَّطَ اللَّهُ عَلَيْكُمْ ذُلًّا لَا يَنْزِعُهُ حَتَّى تَرْجِعُوا إِلَى دِينِكُمْ). رواه أحمد وأبو داود.
وصلى الله وسلم وبارك على سيدنا محمد وآله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا.
‏٣١‏/١٢‏/٢٠١٩ ٧:٤٦ م‏
خطر الأفكار الداعشية على الإسلام والإنسانية د. عطية عدلان [حمّل العدد 29 http://bit.ly/2P55Bo6 هدية العدد http://bit.ly/2Y2dbEm الأعداد والهدايا السابقة http://bit.ly/2vvtufk] الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد .. ليس غريبا الربط بين الإسلام والإنسانية في هذا السياق؛ لأنّ الإسلام دين الإنسانية، فإذا ما كان هناك خطر من جهة ما على الإسلام فإنّه يكون في الوقت ذاته خطراً على الإنسانية، وعلى إنسانية الإنسان، وإذا كانت الكيانات المفرطة في الغلو والتنطع خطرا على الإسلام وعلى الإنسان فإنّ الخطر الأكبر يتمثل في الفكرة التي تنبت كالسرطان في جسد الأمة وفي الجسد الإنسانيّ كله، وتتسربل بالدين - أيِّ دين - وهي تضمر الكراهية لخلق الله أجمعين؛ لذا وجب التصدي للأفكار أكثر من غيرها. ولنبدأ طرحنا بالحديث عمَا يتعلق بالجهاد، وهنا نقول: على الرغم من كوننا متعبدين بالحكم لا بالمقصد فإنّ إدراك المقصد الشرعيّ ضرورة فقهية وعملية؛ لأنّه يضبط البوصلة لدى تنزيل الحكم وسحب دلالته على الوقائع المختلفة، وإنّ لنا في كتاب الله تعالى أسوة، فإنَّ أول آيات نزلت في تشريع القتال هي هذه الآيات من سورة الحج، فتأملوها؛ لتروا كيف قُدِّمت المقاصد واحْتُفِيَ بها قبل نزول الحكم التكليفيّ: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40)) (الحج 39-40). وبهذا الصدد نحن بحاجة إلى أن نرجع إلى الوراء خطوة واحدة؛ فنطرح هذا السؤال الضروريّ: هل الجهاد الإسلاميّ غاية أم وسيلة ؟ وهو سؤال له ما بعده، ولا بد منه قبل الدخول في التفاصيل، ولنترك الآيات القرآنية تجيبنا عن هذا السؤال المهم: يقول الله عزّ وجلّ: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ} [البقرة: 193] ويقول جلّ شأنه: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الأنفال: 39]، فلو تأملنا الآيتين لتبين لنا أنّ الجهاد وسيلة لا غاية، فقد تحدثت الآيات الكريمات عن غايات القتال، وفصلت بينها وبين القتال بحتى الغائية، وحَتَّى هنا حرف غاية وجر، والمراد به التعليل"([1]). فالقتال إذن ليس غاية في ذاته، والقتل لمجرد القتل ليس مقصوداً ولا مراداً؛ لأنَّ الأصل أنَّ الإنسان بنيان الربِّ؛ فلا مسوغ لأحد في هدمه بغير حكم من الله واضح لا لبس فيه، وعندما يتولى القرآن الكريم تحديد الغاية والمقصد فلا مُتَّسَع لغايات ومقاصد تُولد من رحم الهوى أو تَنْبُت في أرض النزوات والنزغات، فليس من مقاصد الجهاد إرغام الخلق على الإسلام، وليس من مقاصده معاقبة الكافرين على كفرهم، ولا حملهم بحد السيف على الدخول في الإسلام، ولا يوجد في كتاب الله ولا في سنة رسوله ولا في كلام العلماء ما يمكن أن يكون دليلا لمن يدعي شيئا من ذلك وينسبه للإسلام. ويترتب على هذا ضرورة التقيُّد بغايات الجهاد ومقاصده؛ بما لا يخرج به عن مقتضيات هذه الغايات والمقاصد التي من أجلها شُرع؛ فلا يصح - بحال - أن يتلبس المجاهد بظلم أو تعدّ - بما أنّه مجاهد - فمنهج الله تعالى لا يحابي أحداً مهما كانت منزلته؛ لذلك وجدنا حِبَّ رسول الله وابنَ حِبِّه يتعرض من رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذا التأنيب الشديد عندما تأَوَّلَ وقتل من نطق بالشهادتين: "يَا أُسَامَةُ، أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟ " قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا مِنَ الْقَتْلِ. فَكَرَّرَهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ إِلَّا يَوْمَئِذٍ"([2])، ونزلت: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء: 94] . واللافت للنظر بشدّة تلك اللفتة القرآنية الرحيمة العادلة: "كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا". أي تذكروا أنكم كنتم من قبل مثل هؤلاء الذين تسارعون إلى قتلهم إذا ظفرتم بهم، فمَنَّ الله عليكم واستنقذكم من الكفر ومن الاستضعاف؛ فتبينوا إذاً ولا تحرموا عباد الله ما منّ به عليكم، قال سعيد بن جبير: معناه كنتم مستخفين من قومكم بإسلامكم، خائفين منهم على أنفسكم، فمنّ الله عليكم بإعزاز دينكم، وإظهار شريعتكم، فهم الآن كذلك، كل واحد منهم خائف من قومه، متربص أن يصل إليكم فلم يصلح إذا وصل أن تقتلوه حتى تتبينوا أمره([3]). لذلك اتفق العلماء على تحريم قتل نساء الكفار وصبيانهم وَخَنَاثَاهُمْ ومجانينهم إذا لم يشاركوا في الحرب، ولم يكونوا مخالطين للمقاتلين، وعلى تحريم قتل الرسل المُوفَدِينَ مِن العدو لتبليغ رسالة أو لتفاوض أو ما شابه ذلك([4])، ومستند الإجماع على عدم جواز قتل النساء والصبيان أحاديث صحاح، منها ما رواه الشيخان عن ابن عمر -رضي الله عنهما- "أنَّ امرأة وُجِدَتْ في بعض مغازي النبي -صلى الله عليه وسلم- مقتولة، فأنكر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قتل النساء والصبيان"([5])، قال النووي: "أجمع العلماء على العمل بهذا الحديث، وتحريم قتل النساء والصبيان إذا لم يقاتلوا"([6])، ومستند إجماعهم على تحريم قتل الرسل ما رواه أبو داود والحاكم عن نعيم بن مسعود -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لابن النواحة وصاحبه، اللذين أوفدهما مسيلمة إليه: "لولا أن الرسل لا تُقْتَل، لضربت أعناقكما"، قال العلماء: "ومضت السنة أن الرسل لا تُقتل"([7]). ويَلحق بالنساء والصبيان والرسل في تحريم قتلهم كلُّ مَن ليسوا محاربين، وهو قول الجمهور؛ من الحنفية، والمالكية، وأحد قولي الإمام أحمد، والشافعية في قول عندهم([8])، وحجة الجمهور غاية في القوة والظهور؛ فقد احتجوا بالقياس على النساء والصبيان، بجامع انتفاء علة المقاتلة، فيبقى مَن لا يتأتى منهم القتال على أصل عصمة الدم، فيدخل فيهم الرهبان والشيوخ والزَّمْنَى والسُّوقَة من تجار وأصحاب صنائع وفلاحين وعسفاء (أُجَرَاء) ووصفاء (مماليك)، ومَن يُعَدُّ مِن المستضعفين؛ لأن مظنة عدم حدوث الضرر تقوم مقام عدم حدوثه حقيقة([9]). والعامّ إذا خُصِّصَ جاز عند الجمهور تخصيصه بعد ذلك بالأقيسة، وقد خُصِّصَ عموم قتل المشركين بالنهي عن قتل الرسل والنساء والصبيان، فجاز التخصيص بعد ذلك بالقياس، وقالوا : ليس من غرض الشارع إفساد العالَم، وإنما إصلاحه، وذلك يحصل بقتل المحاربين، وليس المدنيين؛ لأن ما ثبت بالضرورة يتقدَّر بقدرها([10])؛ ومن هنا يترجح أنّ موجب القتل ليس مجرد الكفر، وإنّما الكفر مع الحرابة، وهو الصحيح الذي يجب المصير إليه، وهو المتفق مع المقاصد العامة لرسالة الإسلام. هذه هي الأحكام الشرعية فأين هم منها، لقد قلبوا القتال من كونه وسيلة إلى كونه غاية في ذاتها، وجعلوا الكفر وحده مبيحًا للقتل، ولكي يتوسعوا في القتل اتخذوا التكفير بابًا إلى القتل الذريع، ولم يرحموا أحداً صغيرًا كان أو كبيرًا، رجلًا كان أو امرأة، محاربًا كان أو مسالماً، بل إنّهم قتلوا المجاهدين لمخالفتهم في الانتساب لتنظيم واحد، كأنّهم تألهوا على الناس يحكمون فيهم وينفذون دون وازع من عقل أو ضمير. لقد تضرر الإسلام والمسلمون من هذا الفكر المنحرف؛ إذ تشوهت صورة الإسلام لدى كثير من أعدائه، بل تشوهت لدى كثير من الخلق الذين نطمع في إسلامهم، وتشوهت كذلك صورة المسلم، ولم يعد بالإمكان تحقق القدوة به في الحياة، وتضررت فريضة الجهاد نفسها بحرفها عن مسارها وجعلها مجرد أداة لتحقيق المغانم وتنفيس الأحقاد، وتضررت الإنسانية إذ حُرمت من رؤية الحقيقة بسبب ما ران عليها من أفعالهم. إنّنا بحاجة إلى إحياء الجهاد النظيف الذي تُراعى في مقاصد الشريعة ومصالح المسلمين وتتحقق به خيرية هذه الأمة، بعيداً عن صور الدعشنة والغلو. وليس انحرافات الفكر الداعشي منحصرة في هذه الزاوية؛ لذلك سيكون لنا مقالة أخرى نتحدث فيها عن الانحرافات في ميدان السياسة الشرعية. ________________________________________ ([1]) إعراب القرآن وبيانه 1/282 ([2]) صحيح البخاري (5/ 144) صحيح مسلم (1/ 97) مسند أحمد ط الرسالة (36/ 73-74)، ([3]) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (تفسير ابن عطية)(2/ 97) ([4]) (الدر المختار ورد المحتار (3/224، 244)، روضة الطالبين (10/24)، منهاج الطالبين وشرحه للمحلي (4/218)، منح الجليل (1/714)، المغني (9/249) تحقيق د. التركي - ط الثانية - القاهرة 1413هجرية-1992م، الإنصاف (4/128-129)، مطالب أولي النهى (2/517)، زاد المعاد (2/75 ،3/32)). ([5]) أخرجه البخاري (3014)، ومسلم (1744). اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان (رقم 1138) ([6]) شرح النووي على صحيح مسلم (12/48) ([7]) عون المعبود (7/242)، المستدرك (3/53)، البداية والنهاية (5/52)، زاد المعاد (2/75 ،3/32). ([8]) (بدائع الصنائع (7/101)، منح الجليل (1/714، 715) و شرح منهاج الطالبين (4/218) ([9]) (تبيين الحقائق (3/345)، بدائع الصنائع (7/107)، فتح القدير (5/202-203)، بداية المجتهد (1/383-385)، جواهر الإكليل (1/253)، حاشية الدسوقي والشرح الكبير (2/176)، منح الجليل (1/714)، اللباب في شرح الكتاب للميداني (4/119)، المغني (13/178-180)، الأم (4/240)، الإنصاف (4/128)، القوانين الفقهية (ص 98). والتعبير بالسوقة في أسنى المطالب (4/190)، وانظر معنى الوصفاء في الأحكام السلطانية للماوردي (ص 41)، المحلى (7/296-297)). ([10]) نصب الراية (3/386-387)، منح الجليل (1/714)، مجموع الفتاوى (28/355)
خطر الأفكار الداعشية على الإسلام والإنسانية
د. عطية عدلان

[حمّل العدد 29
http://bit.ly/2P55Bo6
هدية العدد
http://bit.ly/2Y2dbEm
الأعداد والهدايا السابقة
http://bit.ly/2vvtufk]

الحمد لله .. والصلاة والسلام على رسول الله .. وبعد ..

ليس غريبا الربط بين الإسلام والإنسانية في هذا السياق؛ لأنّ الإسلام دين الإنسانية، فإذا ما كان هناك خطر من جهة ما على الإسلام فإنّه يكون في الوقت ذاته خطراً على الإنسانية، وعلى إنسانية الإنسان، وإذا كانت الكيانات المفرطة في الغلو والتنطع خطرا على الإسلام وعلى الإنسان فإنّ الخطر الأكبر يتمثل في الفكرة التي تنبت كالسرطان في جسد الأمة وفي الجسد الإنسانيّ كله، وتتسربل بالدين - أيِّ دين - وهي تضمر الكراهية لخلق الله أجمعين؛ لذا وجب التصدي للأفكار أكثر من غيرها.

ولنبدأ طرحنا بالحديث عمَا يتعلق بالجهاد، وهنا نقول: على الرغم من كوننا متعبدين بالحكم لا بالمقصد فإنّ إدراك المقصد الشرعيّ ضرورة فقهية وعملية؛ لأنّه يضبط البوصلة لدى تنزيل الحكم وسحب دلالته على الوقائع المختلفة، وإنّ لنا في كتاب الله تعالى أسوة، فإنَّ أول آيات نزلت في تشريع القتال هي هذه الآيات من سورة الحج، فتأملوها؛ لتروا كيف قُدِّمت المقاصد واحْتُفِيَ بها قبل نزول الحكم التكليفيّ: (أُذِنَ لِلَّذِينَ يُقَاتَلُونَ بِأَنَّهُمْ ظُلِمُوا وَإِنَّ اللَّهَ عَلَى نَصْرِهِمْ لَقَدِيرٌ (39) الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ بِغَيْرِ حَقٍّ إِلَّا أَنْ يَقُولُوا رَبُّنَا اللَّهُ وَلَوْلَا دَفْعُ اللَّهِ النَّاسَ بَعْضَهُمْ بِبَعْضٍ لَهُدِّمَتْ صَوَامِعُ وَبِيَعٌ وَصَلَوَاتٌ وَمَسَاجِدُ يُذْكَرُ فِيهَا اسْمُ اللَّهِ كَثِيرًا وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ (40)) (الحج 39-40).

وبهذا الصدد نحن بحاجة إلى أن نرجع إلى الوراء خطوة واحدة؛ فنطرح هذا السؤال الضروريّ: هل الجهاد الإسلاميّ غاية أم وسيلة ؟ وهو سؤال له ما بعده، ولا بد منه قبل الدخول في التفاصيل، ولنترك الآيات القرآنية تجيبنا عن هذا السؤال المهم: يقول الله عزّ وجلّ: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلَا عُدْوَانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ} [البقرة: 193] ويقول جلّ شأنه: {وَقَاتِلُوهُمْ حَتَّى لَا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ كُلُّهُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَإِنَّ اللَّهَ بِمَا يَعْمَلُونَ بَصِيرٌ} [الأنفال: 39]، فلو تأملنا الآيتين لتبين لنا أنّ الجهاد وسيلة لا غاية، فقد تحدثت الآيات الكريمات عن غايات القتال، وفصلت بينها وبين القتال بحتى الغائية، وحَتَّى هنا حرف غاية وجر، والمراد به التعليل"([1]).

فالقتال إذن ليس غاية في ذاته، والقتل لمجرد القتل ليس مقصوداً ولا مراداً؛ لأنَّ الأصل أنَّ الإنسان بنيان الربِّ؛ فلا مسوغ لأحد في هدمه بغير حكم من الله واضح لا لبس فيه، وعندما يتولى القرآن الكريم تحديد الغاية والمقصد فلا مُتَّسَع لغايات ومقاصد تُولد من رحم الهوى أو تَنْبُت في أرض النزوات والنزغات، فليس من مقاصد الجهاد إرغام الخلق على الإسلام، وليس من مقاصده معاقبة الكافرين على كفرهم، ولا حملهم بحد السيف على الدخول في الإسلام، ولا يوجد في كتاب الله ولا في سنة رسوله ولا في كلام العلماء ما يمكن أن يكون دليلا لمن يدعي شيئا من ذلك وينسبه للإسلام.

ويترتب على هذا ضرورة التقيُّد بغايات الجهاد ومقاصده؛ بما لا يخرج به عن مقتضيات هذه الغايات والمقاصد التي من أجلها شُرع؛ فلا يصح - بحال - أن يتلبس المجاهد بظلم أو تعدّ - بما أنّه مجاهد - فمنهج الله تعالى لا يحابي أحداً مهما كانت منزلته؛ لذلك وجدنا حِبَّ رسول الله وابنَ حِبِّه يتعرض من رسول الله صلى الله عليه وسلم لهذا التأنيب الشديد عندما تأَوَّلَ وقتل من نطق بالشهادتين: "يَا أُسَامَةُ، أَقَتَلْتَهُ بَعْدَ مَا قَالَ: لَا إِلَهَ إِلَّا اللهُ؟ " قَالَ: قُلْتُ: يَا رَسُولَ اللهِ، إِنَّمَا كَانَ مُتَعَوِّذًا مِنَ الْقَتْلِ. فَكَرَّرَهَا عَلَيَّ حَتَّى تَمَنَّيْتُ أَنِّي لَمْ أَكُنْ أَسْلَمْتُ إِلَّا يَوْمَئِذٍ"([2])، ونزلت: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا ضَرَبْتُمْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ فَتَبَيَّنُوا وَلَا تَقُولُوا لِمَنْ أَلْقَى إِلَيْكُمُ السَّلَامَ لَسْتَ مُؤْمِنًا تَبْتَغُونَ عَرَضَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا فَعِنْدَ اللَّهِ مَغَانِمُ كَثِيرَةٌ كَذَلِكَ كُنْتُمْ مِنْ قَبْلُ فَمَنَّ اللَّهُ عَلَيْكُمْ فَتَبَيَّنُوا إِنَّ اللَّهَ كَانَ بِمَا تَعْمَلُونَ خَبِيرًا} [النساء: 94] .

واللافت للنظر بشدّة تلك اللفتة القرآنية الرحيمة العادلة: "كذلك كنتم من قبل فمن الله عليكم فتبينوا". أي تذكروا أنكم كنتم من قبل مثل هؤلاء الذين تسارعون إلى قتلهم إذا ظفرتم بهم، فمَنَّ الله عليكم واستنقذكم من الكفر ومن الاستضعاف؛ فتبينوا إذاً ولا تحرموا عباد الله ما منّ به عليكم، قال سعيد بن جبير: معناه كنتم مستخفين من قومكم بإسلامكم، خائفين منهم على أنفسكم، فمنّ الله عليكم بإعزاز دينكم، وإظهار شريعتكم، فهم الآن كذلك، كل واحد منهم خائف من قومه، متربص أن يصل إليكم فلم يصلح إذا وصل أن تقتلوه حتى تتبينوا أمره([3]).

لذلك اتفق العلماء على تحريم قتل نساء الكفار وصبيانهم وَخَنَاثَاهُمْ ومجانينهم إذا لم يشاركوا في الحرب، ولم يكونوا مخالطين للمقاتلين، وعلى تحريم قتل الرسل المُوفَدِينَ مِن العدو لتبليغ رسالة أو لتفاوض أو ما شابه ذلك([4])، ومستند الإجماع على عدم جواز قتل النساء والصبيان أحاديث صحاح، منها ما رواه الشيخان عن ابن عمر -رضي الله عنهما- "أنَّ امرأة وُجِدَتْ في بعض مغازي النبي -صلى الله عليه وسلم- مقتولة، فأنكر رسول الله -صلى الله عليه وسلم- قتل النساء والصبيان"([5])، قال النووي: "أجمع العلماء على العمل بهذا الحديث، وتحريم قتل النساء والصبيان إذا لم يقاتلوا"([6])، ومستند إجماعهم على تحريم قتل الرسل ما رواه أبو داود والحاكم عن نعيم بن مسعود -رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال لابن النواحة وصاحبه، اللذين أوفدهما مسيلمة إليه: "لولا أن الرسل لا تُقْتَل، لضربت أعناقكما"، قال العلماء: "ومضت السنة أن الرسل لا تُقتل"([7]).

ويَلحق بالنساء والصبيان والرسل في تحريم قتلهم كلُّ مَن ليسوا محاربين، وهو قول الجمهور؛ من الحنفية، والمالكية، وأحد قولي الإمام أحمد، والشافعية في قول عندهم([8])، وحجة الجمهور غاية في القوة والظهور؛ فقد احتجوا بالقياس على النساء والصبيان، بجامع انتفاء علة المقاتلة، فيبقى مَن لا يتأتى منهم القتال على أصل عصمة الدم، فيدخل فيهم الرهبان والشيوخ والزَّمْنَى والسُّوقَة من تجار وأصحاب صنائع وفلاحين وعسفاء (أُجَرَاء) ووصفاء (مماليك)، ومَن يُعَدُّ مِن المستضعفين؛ لأن مظنة عدم حدوث الضرر تقوم مقام عدم حدوثه حقيقة([9]).

والعامّ إذا خُصِّصَ جاز عند الجمهور تخصيصه بعد ذلك بالأقيسة، وقد خُصِّصَ عموم قتل المشركين بالنهي عن قتل الرسل والنساء والصبيان، فجاز التخصيص بعد ذلك بالقياس، وقالوا : ليس من غرض الشارع إفساد العالَم، وإنما إصلاحه، وذلك يحصل بقتل المحاربين، وليس المدنيين؛ لأن ما ثبت بالضرورة يتقدَّر بقدرها([10])؛ ومن هنا يترجح أنّ موجب القتل ليس مجرد الكفر، وإنّما الكفر مع الحرابة، وهو الصحيح الذي يجب المصير إليه، وهو المتفق مع المقاصد العامة لرسالة الإسلام.
هذه هي الأحكام الشرعية فأين هم منها، لقد قلبوا القتال من كونه وسيلة إلى كونه غاية في ذاتها، وجعلوا الكفر وحده مبيحًا للقتل، ولكي يتوسعوا في القتل اتخذوا التكفير بابًا إلى القتل الذريع، ولم يرحموا أحداً صغيرًا كان أو كبيرًا، رجلًا كان أو امرأة، محاربًا كان أو مسالماً، بل إنّهم قتلوا المجاهدين لمخالفتهم في الانتساب لتنظيم واحد، كأنّهم تألهوا على الناس يحكمون فيهم وينفذون دون وازع من عقل أو ضمير.

لقد تضرر الإسلام والمسلمون من هذا الفكر المنحرف؛ إذ تشوهت صورة الإسلام لدى كثير من أعدائه، بل تشوهت لدى كثير من الخلق الذين نطمع في إسلامهم، وتشوهت كذلك صورة المسلم، ولم يعد بالإمكان تحقق القدوة به في الحياة، وتضررت فريضة الجهاد نفسها بحرفها عن مسارها وجعلها مجرد أداة لتحقيق المغانم وتنفيس الأحقاد، وتضررت الإنسانية إذ حُرمت من رؤية الحقيقة بسبب ما ران عليها من أفعالهم.
إنّنا بحاجة إلى إحياء الجهاد النظيف الذي تُراعى في مقاصد الشريعة ومصالح المسلمين وتتحقق به خيرية هذه الأمة، بعيداً عن صور الدعشنة والغلو.
وليس انحرافات الفكر الداعشي منحصرة في هذه الزاوية؛ لذلك سيكون لنا مقالة أخرى نتحدث فيها عن الانحرافات في ميدان السياسة الشرعية.

________________________________________
([1]) إعراب القرآن وبيانه 1/282
([2]) صحيح البخاري (5/ 144) صحيح مسلم (1/ 97) مسند أحمد ط الرسالة (36/ 73-74)،
([3]) المحرر الوجيز في تفسير الكتاب العزيز (تفسير ابن عطية)(2/ 97)
([4]) (الدر المختار ورد المحتار (3/224، 244)، روضة الطالبين (10/24)، منهاج الطالبين وشرحه للمحلي (4/218)، منح الجليل (1/714)، المغني (9/249) تحقيق د. التركي - ط الثانية - القاهرة 1413هجرية-1992م، الإنصاف (4/128-129)، مطالب أولي النهى (2/517)، زاد المعاد (2/75 ،3/32)).
([5]) أخرجه البخاري (3014)، ومسلم (1744). اللؤلؤ والمرجان فيما اتفق عليه الشيخان (رقم 1138)
([6]) شرح النووي على صحيح مسلم (12/48)
([7]) عون المعبود (7/242)، المستدرك (3/53)، البداية والنهاية (5/52)، زاد المعاد (2/75 ،3/32).
([8]) (بدائع الصنائع (7/101)، منح الجليل (1/714، 715) و شرح منهاج الطالبين (4/218)
([9]) (تبيين الحقائق (3/345)، بدائع الصنائع (7/107)، فتح القدير (5/202-203)، بداية المجتهد (1/383-385)، جواهر الإكليل (1/253)، حاشية الدسوقي والشرح الكبير (2/176)، منح الجليل (1/714)، اللباب في شرح الكتاب للميداني (4/119)، المغني (13/178-180)، الأم (4/240)، الإنصاف (4/128)، القوانين الفقهية (ص 98). والتعبير بالسوقة في أسنى المطالب (4/190)، وانظر معنى الوصفاء في الأحكام السلطانية للماوردي (ص 41)، المحلى (7/296-297)).
([10]) نصب الراية (3/386-387)، منح الجليل (1/714)، مجموع الفتاوى (28/355)
‏٢٥‏/١٢‏/٢٠١٩ ٩:٣٩ م‏
التصوف بين ارتباطه بالجهاد والاجتهاد وبين فرض "دين" جديد د. وصفي عاشور أبو زيد [حمّل العدد 29 http://bit.ly/2P55Bo6 هدية العدد http://bit.ly/2Y2dbEm الأعداد والهدايا السابقة http://bit.ly/2vvtufk] التصوف باعتباره مصطلحا لم يظهر في الصدر الأول إلا في أواخر القرن الثاني الهجري وبدايات الثالث الهجري، وقد سماه القرآن (التزكية)، والسنة (الإحسان)، والبعض أطلق عليه علم الباطن في مقابل علم الظاهر، ولا مشاحة في الاصطلاح متى اتضحت المفاهيم وانكشفت المضامين. حقيقة التصوف ولو أننا مررنا مروراً سريعاً على تعريفات التصوف عند العلماء في ذلك الوقت المبكر نسبياً لوجدنا أنها تدور حول الارتقاء من البشرية إلى الإنسانية، ثم من الإنسانية إلى كمال الإنسانية، ألا وهو الإحسان، وهذه التعريفات أشهر من أن توثق وهي موجودة في كل الكتب التي تناولت التصوف. فالإمام معروف الكرخي 200 هـ مثلاً يقول: "التصوف هو الأخذ بالحقائق واليأس مما في يد الخلائق"، وبشر الحافي 227 ه يقول: "الصوفي من صفا قلبه لله"، وسحنون المحب 297 ه كان يقول: "التصوف ألا تملك شيئاً ولا يملكك شيءٌ"، وأما الإمام الجنيد رحمه الله فقد كان علامة فارقة في تاريخ التصوف، فقد أصل أصوله، وقعد قواعده، ورسم طريقه منضبطاً بالكتاب والسنة، وقد عرّف التصوف قائلاً: "أن تكون مع الله بلا علاقة، ذكر مع اجتماع، ووجد مع استماع، وعمل مع اتباع"، وقال: "الصوفي كالأرض؛ يرزح عليها كل قبيح، ولا يخرج منها إلا كل مليح"، وقال: "التصوف أن يختصك الله بالصفاء ..فمن صفّي من كل ما سوى الله فهو صوفي"، وهو صاحب المقولة المشهورة: "لو رأيتم الرجل يطير في السماء ويمشي على الماء فلا تعبؤوا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة". والتزكية – كما قرر القرآن الكريم - من وظائف النبوة ومهماتها، قال تعالى: ﴿كَمَاۤ أَرۡسَلۡنَا فِیكُمۡ رَسُولࣰا مِّنكُمۡ یَتۡلُوا۟ عَلَیۡكُمۡ ءَایَـٰتِنَا وَیُزَكِّیكُمۡ وَیُعَلِّمُكُمُ ٱلۡكِتَـٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَیُعَلِّمُكُم مَّا لَمۡ تَكُونُوا۟ تَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٥١]. قال العلامة عبد الرحمن السعدي في تفسيرها: (يقول تعالى: إن إنعامنا عليكم باستقبال الكعبة وإتمامها بالشرائع والنعم المتممة، ليس ذلك ببدع من إحساننا، ولا بأوله، بل أنعمنا عليكم بأصول النعم ومتمماتها، فأبلغها إرسالنا إليكم هذا الرسول الكريم منكم، تعرفون نسبه وصدقه، وأمانته وكماله ونصحه). ثم قال عن كلمة (ويزكيكم): ﴿وَيُزَكِّيكُمْ﴾ أي: يطهر أخلاقكم ونفوسكم، بتربيتها على الأخلاق الجميلة، وتنزيهها عن الأخلاق الرذيلة، وذلك كتزكيتكم من الشرك، إلى التوحيد ومن الرياء إلى الإخلاص، ومن الكذب إلى الصدق، ومن الخيانة إلى الأمانة، ومن الكبر إلى التواضع، ومن سوء الخلق إلى حسن الخلق، ومن التباغض والتهاجر والتقاطع، إلى التحاب والتواصل والتوادد، وغير ذلك من أنواع التزكية). ا.هـ. والتزكية هي ثالث ثلاثة لمقاصد عليا قررها ورفع سقفَها الفقيه المعروف د. طه جابر العلواني في كتابه: (التوحيد والتزكية والعمران)؛ حيث جعل الشريعة كله تتغيا إقامة عدد من القيم الكبرى أو المقاصد العليا الحاكمة، هي التوحيد والتزكية والعمران، وهي كليات مطلقة قطعية، فالتوحيد حق الله تعالى، والتزكية مؤهِّل الإنسان للاستخلاف والعمران، والعمران هو حق الكون المسخَّر وميدان فعل الإنسان ونشاطه، وتنحصر مصادر هذه المقاصد القرآنية العليا في القرآن المجيد، فهو المصدر الأوحد لها في كليته وإطلاقه وقطعيته وكونيته وإنشائه للأحكام. الرغبة العالمية في إقامة "دين" جديد واليوم نلاحظ أن هناك رغبةً عالمية لفرض "دين" جديد على أمتنا الإسلامية، من ملامحه أن يكون قرآنًا بلا سنة، ومصحفًا بلا سيف، وروحانية دون عمل، وعقيدة بلا عبادة، وسماحة دون قوة .. إنه "دين" مُسْتَسْلِمٌ لما يريده أعداء هذه الأمة؛ حيث يضربون الآن بكل قوة في ثوابت هذه العقيدة، ومعاقد هذه الشريعة، ومحكمات هذا الدين، بعد أن فشلوا في محاولاتهم المتواصلة الحثيثة في حصر الإسلام في المساجد والطقوس والشعائر، وإبعاده عن مجالات الحياة وقيادة حركتها .. ها هم اليوم ينفقون أموالهم بالمليارات ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجًا، ولكي يفرضوا "دينًا" لم يأتِ به محمد صلى الله عليه وسلم، ولا عرفه الصحابةُ والتابعون لهم بإحسان، ولكنهم – ما دمنا قائمين على ديننا حارسين لحقائقه وتعاليمه - كما وعد الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ یُنفِقُونَ أَمۡوَ ٰ⁠لَهُمۡ لِیَصُدُّوا۟ عَن سَبِیلِ ٱللَّهِۚ فَسَیُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَیۡهِمۡ حَسۡرَةࣰ ثُمَّ یُغۡلَبُونَۗ وَٱلَّذِینَ كَفَرُوۤا۟ إِلَىٰ جَهَنَّمَ یُحۡشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦]. وقد تجلت هذه الرغبةُ "المدروسة" في صور متعددة، منها: الضرب في ثوابت الشريعة والمعلوم من الدين بالضرورة مرةً، ومرةً أخرى بالتشكيك في السنة وأكابر رواتها ومحققيها، ومرة ثالثة بالترويج لدعاة ينسبون أنفسهم للعلم لا يعلمون من القرآن الكريم إلا رسمه، ولا من الإسلام إلا وسمه؛ يلبِّسون على الناس دينهم ويقذفون بالشبهات المزيَّنة في عقولهم، ومرة رابعةً بالدعوة لتصوف ينزع من الإسلام حيويته وتربيته ودعوته وجهاده؛ ليكون إسلامًا روحانيًّا مستأنسًا لا حراك له ولا جهاد فيه. ملامح "الدين" الجديد ولا أدل على ذلك من التقرير الذي أصدرته مؤسسة "راند" RAND البحثية التابعة للقوات الجوية الأمريكية - التي تبلغ ميزانيتها السنوية قرابة 150 مليون دولار – والذي صدر في 26 آذار (مارس) 2007، ويقع في 217 صفحة مكونًا من عشرة فصول، بشأن التعامل مع "المسلمين"، وليس "الإسلاميين" فقط مستقبلاً!([1]). وهذا التقرير لا تنبع خطورته من جراءته في طرح أفكار جديدة للتعامل مع "المسلمين" وتغيير معتقداتهم وثقافتهم من الداخل فقط تحت دعاوى "الاعتدال" بالمفهوم الأمريكي، وإنما يطرح الخبرات السابقة في التعامل مع الشيوعية للاستفادة منها في محاربة الإسلام والمسلمين وإنشاء مسلمين معتدلين !. ولهذا "الاعتدال الأمريكي"، محددات وشروط معينة من تنطبق عليه فهو "معتدل" - وفقًا للمفهوم الأمريكي للاعتدال، ومن لا تنطبق عليه فهو متطرف. ووفقًا لما يذكره التقرير، فالتيار (الإسلامي) المعتدل المقصود هو ذلك التيار الذي : 1 - يرى عدم تطبيق الشريعة الإسلامية. 2 - يؤمن بحرية المرأة في اختيار "الرفيق"، وليس الزوج. 3 - يؤمن بحق الأقليات الدينية في تولي المناصب العليا في الدول ذات الغالبية المسلمة. 4 - يدعم التيارات الليبرالية. 5 - يؤمن بتيارين دينيين إسلاميين فقط هما: "التيار الديني التقليدي" أي تيار رجل الشارع الذي يصلي بصورة عادية وليست له اهتمامات أخرى، و"التيار الديني الصوفي" - يصفونه بأنه التيار الذي يقبل الصلاة في القبور!. والطريف هنا أن الدراسة تضع 11 سؤالاً لمعرفة ما هو تعريف (المعتدل) - من وجهة النظر الأمريكية - وتكون بمثابة اختبار يعطي للشخص المعرفة إذا كان معتدلاً أم لا؟. وهذه المعايير هي: 1 - أن الديمقراطية هي المضمون الغربي للديمقراطية. 2 - أنها تعني معارضة "مبادئ دولة إسلامية". 3 - أن الخط الفاصل بين المسلم المعتدل والمسلم المتطرف هو تطبيق الشريعة. 4 - أن المعتدل هو من يفسر واقع المرأة على أنه الواقع المعاصر، وليس ما كان عليه وضعها في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم. 5 - هل تدعم وتوافق على العنف؟ وهل دعمته في حياتك من قبل أو وافقت عليه؟. 6 - هل توافق على الديمقراطية بمعناها الواسع.. أي حقوق الإنسان الغربية (بما فيها الشذوذ وغيره)؟. 7 - هل لديك أي استثناءات على هذه الديمقراطية (مثل حرية الفرد في تغيير دينه)؟ 8 - هل تؤمن بحق الإنسان في تغيير دينه؟. 9 - هل تعتقد أن الدولة يجب أن تطبق الجانب الجنائي من الشريعة؟ وهل توافق على تطبيق الشريعة في جانبها المدني فقط (الأخلاق وغيره)؟، هل توافق على أن الشريعة يمكن أن تقبل تحت غطاء علماني (أي القبول بتشريعات أخرى من غير الشريعة)؟. 10- هل تعتقد أنه يمكن للأقليات أن تتولى المناصب العليا ؟ وهل يمكن لغير المسلم أن يبني بحرية معابده في الدول الإسلامية ؟. وبحسب الإجابة على هذه الأسئلة سوف يتم تصنيفه هل هو معتدل ( أمريكيًّا ) أم متطرف ؟! ويذكر التقرير ثلاثة أنواع ممن يسميهم (المعتدلين) في العالم الإسلامي، وهم : (أولاً) : العلماني الليبرالي الذي لا يؤمن بدور للدين. (ثانيًا) : "أعداء المشايخ".. ويقصد بهم هنا من يسميهم التقرير " الأتاتوركيين " - أنصار العلمانية التركية - وبعض " التونسيين " . (ثالثًا) : الإسلاميون الذين لا يرون مشكلة في تعارض الديمقراطية الغربية مع الإسلام. ثم يقول بوضوح إن التيار المعتدل هم من : يزورون الأضرحة، والمتصوفون ومن لا يجتهدون . وينفق التقرير جزءًا كبيرًا منه (فصلان من عشرة فصول) في التركيز على ضرورة أن يتم التركيز على "أطراف" العالم الإسلامي وتجاهل "المركز" -يقصد به المنطقة العربية- بغرض دعم ما يسمونه " الاعتدال في أطراف العالم الإسلامي " خصوصًا في آسيا وأوروبا وغيرها. "انتهى ما يتعلق بالتقرير". ارتباط التصوف في تاريخنا بالجهاد والاجتهاد والناظر في تاريخ تزكية النفس، أو ما عرف لاحقًا في القرن الثالث الهجري بـ "التصوف" يجد رواد الفكر، وزعماء الإصلاح، ورموز التجديد، وقادة لواء الجهاد في هذه الأمة عبر تاريخها هم من هذه الفئة التي جعلت من تزكية النفس والزهد قرينًا بل وقودًا لحركتها الدعوية والإصلاحية والتجديدية والجهادية. إننا يجب أن نعيد الأمر إلى نصابه، ونقرر بكل وضوح وجلاء: أن حركة التصوف الحقيقي في تاريخنا المجيد لم تكن لإقامة "دين" جديد، ممسوخ الشكل والمضمون، وإنما كانت مُعبرةً عن الدين الحق الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، مقترنةً دائمًا بكبار علمائنا من المجددين والمصلحين والمجاهدين، مُعزِّزةً لبناء الإنسان الرسالي، ومحفزةً على فاعلية الإنسان والبناء الحضاري للإنسانية، وهذه هي مقاصد التزكية التي تحققها في الأمة والإنسانية بعد تحقيقها هي باعتبارها مقصدا عاليًا حاكمًا. إننا يجب أن نرفض هذا السعي المأزور الأثيم غير المشكور؛ ويقوم كل عالم غيور على هذا الثغر؛ متناولاً رؤى كليةً ونقديةً حول هذه القضية المهمة، ومحررًا إشكاليات في المصطلح والمفهوم وبعض المسائل، ومبينًا ما للتزكية من أثر في تكوين العلماء المجددين والزعماء المصلحين والقادة المجاهدين، قديمًا وحديثًا، ومُعَرِّجًا على كيفية ممارسة هذه التزكية في الواقع المعاصر بمعوقاته وتحدياته، وناظرًا بعين الإنصاف للجهود المعاصرة المبذولة في هذا السياق وبيان وجوه الإفادة منها، كما أن للغة والأدب أثرًا وتأثيراتٍ في تهذيب النفس وتزكيتها وربطها بعقيدة الإسلام وشريعته الغراء. إن العلماء يجب أن يظلوا مرابطين على ثغور الإسلام عقيدةً وأخلاقًا وشريعة حتى لا يُؤْتَى من قِبَلهم، ولكي يظل محفوظًا في العقول والصدور كما هو موجود في السطور، وتلك هي رسالة العلماء في هذه الحياة بوصفهم وارثي النبوة وحارسيها؛ ترسيخًا للثوابت، وتوضيحا للإشكالات والمفاهيم، وتجديدًا للفهم، وتحفيزًا على الحركة والدعوة والتربية والجهاد المحفوف بتزكية النفس تخليةً وتحليةً وتجليةً. ________________________________________ ([1]) أفدت ما يتعلق بتقرير مؤسسة راند من مقالة بعنوان: "لماذا تبني أمريكا شبكات مسلمة معتدلة " علمانية؟". للكاتب المعروف محمد جمال عرفة، منشور على شبكة صيد الفوائد، ومعه مقالات أخرى حول الموضوع نفسه.
التصوف بين ارتباطه بالجهاد والاجتهاد وبين فرض "دين" جديد
د. وصفي عاشور أبو زيد

[حمّل العدد 29
http://bit.ly/2P55Bo6
هدية العدد
http://bit.ly/2Y2dbEm
الأعداد والهدايا السابقة
http://bit.ly/2vvtufk]

التصوف باعتباره مصطلحا لم يظهر في الصدر الأول إلا في أواخر القرن الثاني الهجري وبدايات الثالث الهجري، وقد سماه القرآن (التزكية)، والسنة (الإحسان)، والبعض أطلق عليه علم الباطن في مقابل علم الظاهر، ولا مشاحة في الاصطلاح متى اتضحت المفاهيم وانكشفت المضامين.

حقيقة التصوف
ولو أننا مررنا مروراً سريعاً على تعريفات التصوف عند العلماء في ذلك الوقت المبكر نسبياً لوجدنا أنها تدور حول الارتقاء من البشرية إلى الإنسانية، ثم من الإنسانية إلى كمال الإنسانية، ألا وهو الإحسان، وهذه التعريفات أشهر من أن توثق وهي موجودة في كل الكتب التي تناولت التصوف.

فالإمام معروف الكرخي 200 هـ مثلاً يقول: "التصوف هو الأخذ بالحقائق واليأس مما في يد الخلائق"، وبشر الحافي 227 ه يقول: "الصوفي من صفا قلبه لله"، وسحنون المحب 297 ه كان يقول: "التصوف ألا تملك شيئاً ولا يملكك شيءٌ"، وأما الإمام الجنيد رحمه الله فقد كان علامة فارقة في تاريخ التصوف، فقد أصل أصوله، وقعد قواعده، ورسم طريقه منضبطاً بالكتاب والسنة، وقد عرّف التصوف قائلاً: "أن تكون مع الله بلا علاقة، ذكر مع اجتماع، ووجد مع استماع، وعمل مع اتباع"، وقال: "الصوفي كالأرض؛ يرزح عليها كل قبيح، ولا يخرج منها إلا كل مليح"، وقال: "التصوف أن يختصك الله بالصفاء ..فمن صفّي من كل ما سوى الله فهو صوفي"، وهو صاحب المقولة المشهورة: "لو رأيتم الرجل يطير في السماء ويمشي على الماء فلا تعبؤوا به حتى تعرضوا أمره على الكتاب والسنة".

والتزكية – كما قرر القرآن الكريم - من وظائف النبوة ومهماتها، قال تعالى: ﴿كَمَاۤ أَرۡسَلۡنَا فِیكُمۡ رَسُولࣰا مِّنكُمۡ یَتۡلُوا۟ عَلَیۡكُمۡ ءَایَـٰتِنَا وَیُزَكِّیكُمۡ وَیُعَلِّمُكُمُ ٱلۡكِتَـٰبَ وَٱلۡحِكۡمَةَ وَیُعَلِّمُكُم مَّا لَمۡ تَكُونُوا۟ تَعۡلَمُونَ﴾ [البقرة: ١٥١].

قال العلامة عبد الرحمن السعدي في تفسيرها: (يقول تعالى: إن إنعامنا عليكم باستقبال الكعبة وإتمامها بالشرائع والنعم المتممة، ليس ذلك ببدع من إحساننا، ولا بأوله، بل أنعمنا عليكم بأصول النعم ومتمماتها، فأبلغها إرسالنا إليكم هذا الرسول الكريم منكم، تعرفون نسبه وصدقه، وأمانته وكماله ونصحه). ثم قال عن كلمة (ويزكيكم): ﴿وَيُزَكِّيكُمْ﴾ أي: يطهر أخلاقكم ونفوسكم، بتربيتها على الأخلاق الجميلة، وتنزيهها عن الأخلاق الرذيلة، وذلك كتزكيتكم من الشرك، إلى التوحيد ومن الرياء إلى الإخلاص، ومن الكذب إلى الصدق، ومن الخيانة إلى الأمانة، ومن الكبر إلى التواضع، ومن سوء الخلق إلى حسن الخلق، ومن التباغض والتهاجر والتقاطع، إلى التحاب والتواصل والتوادد، وغير ذلك من أنواع التزكية). ا.هـ.

والتزكية هي ثالث ثلاثة لمقاصد عليا قررها ورفع سقفَها الفقيه المعروف د. طه جابر العلواني في كتابه: (التوحيد والتزكية والعمران)؛ حيث جعل الشريعة كله تتغيا إقامة عدد من القيم الكبرى أو المقاصد العليا الحاكمة، هي التوحيد والتزكية والعمران، وهي كليات مطلقة قطعية، فالتوحيد حق الله تعالى، والتزكية مؤهِّل الإنسان للاستخلاف والعمران، والعمران هو حق الكون المسخَّر وميدان فعل الإنسان ونشاطه، وتنحصر مصادر هذه المقاصد القرآنية العليا في القرآن المجيد، فهو المصدر الأوحد لها في كليته وإطلاقه وقطعيته وكونيته وإنشائه للأحكام.

الرغبة العالمية في إقامة "دين" جديد

واليوم نلاحظ أن هناك رغبةً عالمية لفرض "دين" جديد على أمتنا الإسلامية، من ملامحه أن يكون قرآنًا بلا سنة، ومصحفًا بلا سيف، وروحانية دون عمل، وعقيدة بلا عبادة، وسماحة دون قوة .. إنه "دين" مُسْتَسْلِمٌ لما يريده أعداء هذه الأمة؛ حيث يضربون الآن بكل قوة في ثوابت هذه العقيدة، ومعاقد هذه الشريعة، ومحكمات هذا الدين، بعد أن فشلوا في محاولاتهم المتواصلة الحثيثة في حصر الإسلام في المساجد والطقوس والشعائر، وإبعاده عن مجالات الحياة وقيادة حركتها .. ها هم اليوم ينفقون أموالهم بالمليارات ويصدون عن سبيل الله ويبغونها عوجًا، ولكي يفرضوا "دينًا" لم يأتِ به محمد صلى الله عليه وسلم، ولا عرفه الصحابةُ والتابعون لهم بإحسان، ولكنهم – ما دمنا قائمين على ديننا حارسين لحقائقه وتعاليمه - كما وعد الله تعالى: ﴿إِنَّ ٱلَّذِینَ كَفَرُوا۟ یُنفِقُونَ أَمۡوَ ٰ⁠لَهُمۡ لِیَصُدُّوا۟ عَن سَبِیلِ ٱللَّهِۚ فَسَیُنفِقُونَهَا ثُمَّ تَكُونُ عَلَیۡهِمۡ حَسۡرَةࣰ ثُمَّ یُغۡلَبُونَۗ وَٱلَّذِینَ كَفَرُوۤا۟ إِلَىٰ جَهَنَّمَ یُحۡشَرُونَ﴾ [الأنفال: ٣٦].

وقد تجلت هذه الرغبةُ "المدروسة" في صور متعددة، منها: الضرب في ثوابت الشريعة والمعلوم من الدين بالضرورة مرةً، ومرةً أخرى بالتشكيك في السنة وأكابر رواتها ومحققيها، ومرة ثالثة بالترويج لدعاة ينسبون أنفسهم للعلم لا يعلمون من القرآن الكريم إلا رسمه، ولا من الإسلام إلا وسمه؛ يلبِّسون على الناس دينهم ويقذفون بالشبهات المزيَّنة في عقولهم، ومرة رابعةً بالدعوة لتصوف ينزع من الإسلام حيويته وتربيته ودعوته وجهاده؛ ليكون إسلامًا روحانيًّا مستأنسًا لا حراك له ولا جهاد فيه.

ملامح "الدين" الجديد

ولا أدل على ذلك من التقرير الذي أصدرته مؤسسة "راند" RAND البحثية التابعة للقوات الجوية الأمريكية - التي تبلغ ميزانيتها السنوية قرابة 150 مليون دولار – والذي صدر في 26 آذار (مارس) 2007، ويقع في 217 صفحة مكونًا من عشرة فصول، بشأن التعامل مع "المسلمين"، وليس "الإسلاميين" فقط مستقبلاً!([1]).

وهذا التقرير لا تنبع خطورته من جراءته في طرح أفكار جديدة للتعامل مع "المسلمين" وتغيير معتقداتهم وثقافتهم من الداخل فقط تحت دعاوى "الاعتدال" بالمفهوم الأمريكي، وإنما يطرح الخبرات السابقة في التعامل مع الشيوعية للاستفادة منها في محاربة الإسلام والمسلمين وإنشاء مسلمين معتدلين !. ولهذا "الاعتدال الأمريكي"، محددات وشروط معينة من تنطبق عليه فهو "معتدل" - وفقًا للمفهوم الأمريكي للاعتدال، ومن لا تنطبق عليه فهو متطرف.

ووفقًا لما يذكره التقرير، فالتيار (الإسلامي) المعتدل المقصود هو ذلك التيار الذي :
1 - يرى عدم تطبيق الشريعة الإسلامية.
2 - يؤمن بحرية المرأة في اختيار "الرفيق"، وليس الزوج.
3 - يؤمن بحق الأقليات الدينية في تولي المناصب العليا في الدول ذات الغالبية المسلمة.
4 - يدعم التيارات الليبرالية.
5 - يؤمن بتيارين دينيين إسلاميين فقط هما: "التيار الديني التقليدي" أي تيار رجل الشارع الذي يصلي بصورة عادية وليست له اهتمامات أخرى، و"التيار الديني الصوفي" - يصفونه بأنه التيار الذي يقبل الصلاة في القبور!.

والطريف هنا أن الدراسة تضع 11 سؤالاً لمعرفة ما هو تعريف (المعتدل) - من وجهة النظر الأمريكية - وتكون بمثابة اختبار يعطي للشخص المعرفة إذا كان معتدلاً أم لا؟. وهذه المعايير هي:

1 - أن الديمقراطية هي المضمون الغربي للديمقراطية.
2 - أنها تعني معارضة "مبادئ دولة إسلامية".
3 - أن الخط الفاصل بين المسلم المعتدل والمسلم المتطرف هو تطبيق الشريعة.
4 - أن المعتدل هو من يفسر واقع المرأة على أنه الواقع المعاصر، وليس ما كان عليه وضعها في عهد الرسول صلى الله عليه وسلم.
5 - هل تدعم وتوافق على العنف؟ وهل دعمته في حياتك من قبل أو وافقت عليه؟.
6 - هل توافق على الديمقراطية بمعناها الواسع.. أي حقوق الإنسان الغربية (بما فيها الشذوذ وغيره)؟.
7 - هل لديك أي استثناءات على هذه الديمقراطية (مثل حرية الفرد في تغيير دينه)؟
8 - هل تؤمن بحق الإنسان في تغيير دينه؟.
9 - هل تعتقد أن الدولة يجب أن تطبق الجانب الجنائي من الشريعة؟ وهل توافق على تطبيق الشريعة في جانبها المدني فقط (الأخلاق وغيره)؟، هل توافق على أن الشريعة يمكن أن تقبل تحت غطاء علماني (أي القبول بتشريعات أخرى من غير الشريعة)؟.
10- هل تعتقد أنه يمكن للأقليات أن تتولى المناصب العليا ؟ وهل يمكن لغير المسلم أن يبني بحرية معابده في الدول الإسلامية ؟.

وبحسب الإجابة على هذه الأسئلة سوف يتم تصنيفه هل هو معتدل ( أمريكيًّا ) أم متطرف ؟!

ويذكر التقرير ثلاثة أنواع ممن يسميهم (المعتدلين) في العالم الإسلامي، وهم :

(أولاً) : العلماني الليبرالي الذي لا يؤمن بدور للدين.

(ثانيًا) : "أعداء المشايخ".. ويقصد بهم هنا من يسميهم التقرير " الأتاتوركيين " - أنصار العلمانية التركية - وبعض " التونسيين " .

(ثالثًا) : الإسلاميون الذين لا يرون مشكلة في تعارض الديمقراطية الغربية مع الإسلام.
ثم يقول بوضوح إن التيار المعتدل هم من : يزورون الأضرحة، والمتصوفون ومن لا يجتهدون .

وينفق التقرير جزءًا كبيرًا منه (فصلان من عشرة فصول) في التركيز على ضرورة أن يتم التركيز على "أطراف" العالم الإسلامي وتجاهل "المركز" -يقصد به المنطقة العربية- بغرض دعم ما يسمونه " الاعتدال في أطراف العالم الإسلامي " خصوصًا في آسيا وأوروبا وغيرها. "انتهى ما يتعلق بالتقرير".


ارتباط التصوف في تاريخنا بالجهاد والاجتهاد

والناظر في تاريخ تزكية النفس، أو ما عرف لاحقًا في القرن الثالث الهجري بـ "التصوف" يجد رواد الفكر، وزعماء الإصلاح، ورموز التجديد، وقادة لواء الجهاد في هذه الأمة عبر تاريخها هم من هذه الفئة التي جعلت من تزكية النفس والزهد قرينًا بل وقودًا لحركتها الدعوية والإصلاحية والتجديدية والجهادية.

إننا يجب أن نعيد الأمر إلى نصابه، ونقرر بكل وضوح وجلاء: أن حركة التصوف الحقيقي في تاريخنا المجيد لم تكن لإقامة "دين" جديد، ممسوخ الشكل والمضمون، وإنما كانت مُعبرةً عن الدين الحق الذي جاء به محمد صلى الله عليه وسلم، مقترنةً دائمًا بكبار علمائنا من المجددين والمصلحين والمجاهدين، مُعزِّزةً لبناء الإنسان الرسالي، ومحفزةً على فاعلية الإنسان والبناء الحضاري للإنسانية، وهذه هي مقاصد التزكية التي تحققها في الأمة والإنسانية بعد تحقيقها هي باعتبارها مقصدا عاليًا حاكمًا.

إننا يجب أن نرفض هذا السعي المأزور الأثيم غير المشكور؛ ويقوم كل عالم غيور على هذا الثغر؛ متناولاً رؤى كليةً ونقديةً حول هذه القضية المهمة، ومحررًا إشكاليات في المصطلح والمفهوم وبعض المسائل، ومبينًا ما للتزكية من أثر في تكوين العلماء المجددين والزعماء المصلحين والقادة المجاهدين، قديمًا وحديثًا، ومُعَرِّجًا على كيفية ممارسة هذه التزكية في الواقع المعاصر بمعوقاته وتحدياته، وناظرًا بعين الإنصاف للجهود المعاصرة المبذولة في هذا السياق وبيان وجوه الإفادة منها، كما أن للغة والأدب أثرًا وتأثيراتٍ في تهذيب النفس وتزكيتها وربطها بعقيدة الإسلام وشريعته الغراء.

إن العلماء يجب أن يظلوا مرابطين على ثغور الإسلام عقيدةً وأخلاقًا وشريعة حتى لا يُؤْتَى من قِبَلهم، ولكي يظل محفوظًا في العقول والصدور كما هو موجود في السطور، وتلك هي رسالة العلماء في هذه الحياة بوصفهم وارثي النبوة وحارسيها؛ ترسيخًا للثوابت، وتوضيحا للإشكالات والمفاهيم، وتجديدًا للفهم، وتحفيزًا على الحركة والدعوة والتربية والجهاد المحفوف بتزكية النفس تخليةً وتحليةً وتجليةً.


________________________________________
([1]) أفدت ما يتعلق بتقرير مؤسسة راند من مقالة بعنوان: "لماذا تبني أمريكا شبكات مسلمة معتدلة " علمانية؟". للكاتب المعروف محمد جمال عرفة، منشور على شبكة صيد الفوائد، ومعه مقالات أخرى حول الموضوع نفسه.
‏٢٢‏/١٢‏/٢٠١٩ ٨:٠٧ م‏
مذكرات الشيخ رفاعي طه (21) من مؤسسي الجماعة الإسلامية المصرية نظرة من الداخل على التيار الإسلامي في الجامعات المصرية • لأول مرة شعر الطلاب بأن أموالهم رُدَّت إليهم لما فاز الإسلاميون باتحاد الطلاب • كنا حريصين على مكافحة التحرش والاختلاط بين الشباب والفتيات في الجامعة! • لم يكن الخلاف بيننا وبين الإخوان حقيقيا، لكنهم كانوا يتحاشون الصدام مع النظام سجلها عنه وحررها: محمد إلهامي [حمّل العدد 29 bit.ly/2P55Bo6 هدية العدد bit.ly/2Y2dbEm الأعداد والهدايا السابقة bit.ly/2vvtufk كانت فرصة اتحاد الطلاب عظيمة، أعطت التيار الإسلامي قفزة كبرى لم تكن متوقعة، في تلك الفترة كانت ميزانية الاتحاد الطلابي قوية، وكانت هذه الميزانية تُنفَق من قبل على الفساد والإفساد، وتغير الحال لما جاء التيار الإسلامي فأنفقها في مصالح الطلاب: مساعدات للفقراء، أزياء إسلامية للأخوات اللاتي يرتدين الحجاب، إعانات للطلاب في دفع إيجار مساكنهم أو في شراء الكتب لهم، وسائر ما يقع في هذه المنافع التي شعر بها الطلاب بالفائدة الكبرى العائدة عليهم بوجود الإسلاميين في اتحاد الطلاب، لأول مرة ربما يرى الطلاب أن أموالهم التي تأخذها منهم الدولة قد رُدَّت إليهم، وقد كان هذا نفسه من دواعي ودوافع تحول الكثير منهم إلى الالتزام دينيا. وتحولت هذه القوة الطلابية إلى قوة سياسية حين تبنى اتحاد الطلاب معارضة سياسة السادات في الذهاب لمفاوضات كامب ديفيد وتوقيع معاهدة السلام، ومثَّلت الحركة الطلابية ضغطا قويا حتى ارتكب السادات جريمته الجديدة بحل اتحادات الطلاب على مستوى الجامعات المصرية! لكن قبل أن نتحدث عن حل الاتحادات الطلابية سيكون حسنا لو ألقينا نظرة على الشكل الداخلي لتنوعات التيار الإسلامي، والتي لم تكن ظاهرة ولا منظورة لمن كان خارج هذه البيئة الإسلامية. لقد كانت الصورة من الخارج يمثلها تيار إسلامي عريض منتشر في سائر الجامعات، لكن لم يكن هذا هو الواقع إذا نظرنا إلى الصورة من الداخل. لقد أسلفت أن الصحوة الشبابية الإسلامية في الجامعات سبقت وجود جماعة الإخوان التي كانت في السجون الناصرية ولم تزل قياداتها مسجونة حتى أن البعض منهم لم يفرج عنه إلا عام 1974م، وحين خرجت هذه القيادات سعت في احتواء القيادات الشبابية التي كانت قد تزعمت حالة الصحوة الإسلامية في الجامعات، وقد نجحت بالفعل في اجتذاب قيادات جامعة القاهرة، بينما تفاوت نجاحها في بقية الجامعات! لكن كان لها وجودٌ وحضور قوي في سائر الجامعات! أما بقية الحالة الشبابية التي لم تنجح جماعة الإخوان في احتوائهم، فقد كان حضورهم ظاهرا في الجامعات لكن لا حضور لهم خارجها، لأنه لا امتداد لهم في الخارج، إذ لا جماعة غير الإخوان في هذا الوقت، على الأقل ليس ثمة جماعة كبرى أخرى غيرها. وانتهت الحالة إلى أن تحتوي الإخوان الحالة الإسلامية في جامعة القاهرة بالأساس، ثم في جامعة الأزهر وجامعة عين شمس، بينما كنا نحن أصحاب الحضور الأقوى في جامعات الصعيد (المنيا وأسيوط)، وكلمة "نحن" هنا تعود على "الجماعة الإسلامية" التي احتفظت بهذا الاسم كما بدأت به، ثم صارت فيما بعد حالة تنظيمية يقودها الشيخ عمر عبد الرحمن والتي نفذت فيما بعد أحداث 1981 واغتيال السادات. وأما جامعة الإسكندرية فقد غلب عليها الاتجاه السلفي الذي صار فيما بعد جماعة "الدعوة السلفية" ذات الرموز المعروفة: محمد إسماعيل المقدم وياسر برهامي وأبو إدريس وغيرهم. وإذا قلنا بأن جماعة الإخوان أخفقت في احتواء الشباب الإسلامي في الصعيد وفي الإسكندرية فليس معنى هذا أنهم توقفوا عن المحاولة، ولا معناه أيضا أنه لم يكن لهم حضور في هذه الأنحاء، بل لقد سبق وذكرت أن ما حصل عندنا في أسيوط سبَّب انشقاقا وبقي شباب الإخوان خطا مستمرا تحت قيادة الأخ الدكتور أسامة السيد، كما بقي شباب الإخوان في جامعة الإسكندرية تحت قيادة خالد الزعفراني وإبراهيم الزعفراني. وبالرغم من وحدة الصورة للتيار الإسلامي كما تبدو لمن يراها بالخارج، فإن الصورة من الداخل ذهبت في سياق التنافس والتنازع، لا التنسيق ولا الوحدة، وكان الخلاف بين هذه الأطياف الرئيسية الثلاث خلافا شديدا، كان الإخوان يرون أنهم الجماعة الأكبر ويجب أن يكونوا أصحاب اليد العليا في سائر الجامعات، وأولئك الذين لم تسعهم عباءة الإخوان كانوا يقاومون هذا بشراسة، وكانوا شبابا لم ينضجوا بعد ولم يطرأ على بالهم اقتراح: تعالوا نجلس مع الإخوان المسلمين وننسق معهم. وقد زاد في الخلاف بين الطرفين اختيارات الإخوان السياسية في تلك المرحلة، فلم يكن الإخوان قادرين على أن يدخلوا إلى احتواء الشباب من باب: تعالوا معنا، وستجدون عندنا ما ترجونه من دعوة وجهاد وحسبة وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر.. لا، لا يستطيعون احتواء الشباب من هذا المدخل الذي هو ساعتها يمثل أصلا أصيلا في اتجاههم وحركتهم. لقد كان الشباب وقتها عالي السقف عظيم الطموح مستعدا للفداء والتضحية ولا تردد عنده لو قاده أحد حتى لمواجهة الدولة، كانوا يسيرون عمليا نحو الصدام مع النظام.. نظام السادات. وكان الإخوان يتحاشون هذا أشد المحاشاة ويتجنبونه غاية التجنب، ومن ثم كانوا يبذلون غاية جهدهم في كفكفة الشباب الإسلامي عن قضايا إسلامية كثيرة كانوا يرون وجوب خوضها. من ذلك مثلا: مواجهة الانحلال الأخلاقي! وهذه تفردنا بها –نحن الجماعة الإسلامية- داخل جامعة أسيوط، فلقد كنا حريصين على صبغ الجامعة بالهَدْيِ الظاهر، نريد للشباب أن يلتحي، وللفتيات أن تتحجَّب، نرفض حصول الاختلاط بين الشباب والفتيات، ولا نعني بالاختلاط مجرد الكلام الذي يقع بين طالب وزميلته أو مجرد ما قد يجمعهما من أمور الدراسة فقد كان موجودا ولم نكن نستنكره، بل أعني بالاختلاط ما يكون من الاختلاط الفاحش كالذي يحدث في الحفلات من الرقص، وقد كان هذا موجودا في الجامعات آنذاك، أو ما يحدث من المزاحمة بينهما عند الدخول إلى المحاضرات والخروج منها، وكان يقع في أثناء ذلك تحرش وإسفاف كبير. كان الإخوان يرون أن نغض الطرف عن هذه الأمور كي لا تكون إثارتها سببا في الاشتباك مع أمن الجامعة أو إدارتها، وأن نصبر ولا نتعجل إصلاح هذه الأمور. وكان لنا على الإخوان مطعن آخر، لقد كنا نرى أن الإخوان حركة لا تهتم بالعقيدة، ولا تعتني بالأساس العقدي للمنتسبين إليها، ويوجد في الإخوان من هو صوفي، وكان رأينا أن النزعة الصوفية تحتاج إلى الكثير من التخفف ومن التخلص من البدع والأهواء التي شابتها، لتعود إلى نقاء أهل السنة والجماعة. بينما كان الإخوان ينظرون إليها نظرة أخرى، فإذا ناقشناهم قالوا: نحن مدرسة للتربية، يدخل إليها الجميع، فيدخل إلينا الصوفي فيعيش بيننا ثم بعد فترة يقلع عن هذه البدع التي تعترضون عليها. وكنا نقول: أنتم لا تمارسون حتى التوجيه إلى نقد هذه البدع.. وهكذا! في الواقع لم يكن الخلاف بيننا وبين الإخوان حقيقيا، أقصد كحركة في الجامعة، كانت حقيقة الخلاف في طريقة الأداء والسلوك، لم يكن اختلافا جوهريا، لم يكن اختلافا عقديا، إلا أنه كان اختلافا مصبوغا بفارق الأجيال، الفارق الذي يجعل الاتصال عسيرا بين حماسة الشباب وطاقتهم، وبين تعقل الشيوخ وتريثهم! لقد كان يأتي لزيارتنا إخوة كبار مشاهير، مثل الأستاذ عمر التلمساني رحمه الله رحمة واسعة، أو الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، أو السيدة زينب الغزالي رحمها الله، فكانوا رغم مكانتهم وقدرهم لا يراعون سن الشباب في لهجة خطابهم، يقول لنا الأستاذ التلمساني: أنتم تستعجلون الجهاد وكذا وكذا، وفي الواقع لم نكن نستعجل الجهاد بل ولا كنا نفكر فيه ساعتها، ولا كانت فكرة الجهاد نفسها موجودة ومطروقة، وغاية ما نفكر فيه كانت هذه المظاهرات الصاخبة المعارضة للسادات في كامب ديفيد أو في استقباله لشاه إيران، يعني مسائل بسيطة لا تستوجب هذه الحملة الشديدة التي يتصدى لها الأستاذ التلمساني نفسه، يرحمه الله! وعن نفسي، كنت أقول: يمكن للإخوان أن يستوعبونا، ويمكن أن نكون من رجالهم، فقط لو أنهم قدَّروا سن الشباب واجتهدوا في احتوائه، بدل أن ينظروا إلى تصرفاتهم بعين النقد وبدل أن يعالجوها بما يُنَفِّر منهم! لهذا أقول، لقد كان الخلاف بيننا وبين الإخوان في الأساس خلافا في الأداء والسلوك، لا في الرؤية، بل من الإنصاف أن أقول: لم يكن لدينا في هذه المرحلة رؤية أصلا! لم يكن لدينا رؤية لأننا بالأساس لم نلتقِ أولا على رؤية، كانت لا تزال فكرة الانقلاب العسكري في ذهني، نعم، لكن كل ذهن كان يحمل فكرته الخاصة، وإذا كنا تعارفنا أجسادا وأرواحا فلم نتعارف بعدُ رؤىً وأفكارا، بل وقد كان فينا من لم تكن لديه فكرة مطلقا، إنما هو ينظر إلى الجماعة كمحضن أو كبيئة ينفق فيها طاقته وبذله لخدمة الدين. إنما كانت لقاءاتنا لقاءات الشباب المتدين الملتزم، وفيما بعد نشأت بينهم الألفة والمودة، ثم فيما بعد جاء دور التعرف على الأفكار وتمحيصها! لهذا أقول، لو كان الإخوان المسلمون استهدفونا بشكل منظم، وخاطبوا كل واحد فينا بما يناسبه، لكان محتملا جدا أن يؤثروا علينا، ربما ليس الجميع، لكن الأغلب، ولو أنهم نجحوا لصاروا القوة الأولى في جامعة أسيوط لا القوة الثانية. ولكن يجب أن أثبت هنا للتاريخ أنهم كانوا القوة الثانية رغم كل شيء. وحين أسترجع الأيام في ذهني، أقول وبأمانة، ربما يكون الخلاف أقل حتى من أن يكون خلافا في السلوك والأداء، لقد كنت أشهد شباب الإخوان وفيهم من يقيم الليل ويغض البصر، وسائر هذه الأمور التي هي سمت الشباب المسلم المتدين. وبالعموم يمكن القول بأن فترة السبعينات بقدر ما شهدت ازدهار الصحوة الإسلامية، بقدر ما شهدت بذور الخلافات الأساسية بين التيارات الإسلامية المصرية، وهي الخلافات التي ستستمر نصف قرن آخر فيما بعد!
مذكرات الشيخ رفاعي طه (21)
من مؤسسي الجماعة الإسلامية المصرية

نظرة من الداخل على التيار الإسلامي في الجامعات المصرية

• لأول مرة شعر الطلاب بأن أموالهم رُدَّت إليهم لما فاز الإسلاميون باتحاد الطلاب
• كنا حريصين على مكافحة التحرش والاختلاط بين الشباب والفتيات في الجامعة!
• لم يكن الخلاف بيننا وبين الإخوان حقيقيا، لكنهم كانوا يتحاشون الصدام مع النظام

سجلها عنه وحررها: محمد إلهامي

[حمّل العدد 29
bit.ly/2P55Bo6
هدية العدد
bit.ly/2Y2dbEm
الأعداد والهدايا السابقة
bit.ly/2vvtufk

كانت فرصة اتحاد الطلاب عظيمة، أعطت التيار الإسلامي قفزة كبرى لم تكن متوقعة، في تلك الفترة كانت ميزانية الاتحاد الطلابي قوية، وكانت هذه الميزانية تُنفَق من قبل على الفساد والإفساد، وتغير الحال لما جاء التيار الإسلامي فأنفقها في مصالح الطلاب: مساعدات للفقراء، أزياء إسلامية للأخوات اللاتي يرتدين الحجاب، إعانات للطلاب في دفع إيجار مساكنهم أو في شراء الكتب لهم، وسائر ما يقع في هذه المنافع التي شعر بها الطلاب بالفائدة الكبرى العائدة عليهم بوجود الإسلاميين في اتحاد الطلاب، لأول مرة ربما يرى الطلاب أن أموالهم التي تأخذها منهم الدولة قد رُدَّت إليهم، وقد كان هذا نفسه من دواعي ودوافع تحول الكثير منهم إلى الالتزام دينيا.

وتحولت هذه القوة الطلابية إلى قوة سياسية حين تبنى اتحاد الطلاب معارضة سياسة السادات في الذهاب لمفاوضات كامب ديفيد وتوقيع معاهدة السلام، ومثَّلت الحركة الطلابية ضغطا قويا حتى ارتكب السادات جريمته الجديدة بحل اتحادات الطلاب على مستوى الجامعات المصرية!

لكن قبل أن نتحدث عن حل الاتحادات الطلابية سيكون حسنا لو ألقينا نظرة على الشكل الداخلي لتنوعات التيار الإسلامي، والتي لم تكن ظاهرة ولا منظورة لمن كان خارج هذه البيئة الإسلامية. لقد كانت الصورة من الخارج يمثلها تيار إسلامي عريض منتشر في سائر الجامعات، لكن لم يكن هذا هو الواقع إذا نظرنا إلى الصورة من الداخل.

لقد أسلفت أن الصحوة الشبابية الإسلامية في الجامعات سبقت وجود جماعة الإخوان التي كانت في السجون الناصرية ولم تزل قياداتها مسجونة حتى أن البعض منهم لم يفرج عنه إلا عام 1974م، وحين خرجت هذه القيادات سعت في احتواء القيادات الشبابية التي كانت قد تزعمت حالة الصحوة الإسلامية في الجامعات، وقد نجحت بالفعل في اجتذاب قيادات جامعة القاهرة، بينما تفاوت نجاحها في بقية الجامعات! لكن كان لها وجودٌ وحضور قوي في سائر الجامعات!

أما بقية الحالة الشبابية التي لم تنجح جماعة الإخوان في احتوائهم، فقد كان حضورهم ظاهرا في الجامعات لكن لا حضور لهم خارجها، لأنه لا امتداد لهم في الخارج، إذ لا جماعة غير الإخوان في هذا الوقت، على الأقل ليس ثمة جماعة كبرى أخرى غيرها.

وانتهت الحالة إلى أن تحتوي الإخوان الحالة الإسلامية في جامعة القاهرة بالأساس، ثم في جامعة الأزهر وجامعة عين شمس، بينما كنا نحن أصحاب الحضور الأقوى في جامعات الصعيد (المنيا وأسيوط)، وكلمة "نحن" هنا تعود على "الجماعة الإسلامية" التي احتفظت بهذا الاسم كما بدأت به، ثم صارت فيما بعد حالة تنظيمية يقودها الشيخ عمر عبد الرحمن والتي نفذت فيما بعد أحداث 1981 واغتيال السادات. وأما جامعة الإسكندرية فقد غلب عليها الاتجاه السلفي الذي صار فيما بعد جماعة "الدعوة السلفية" ذات الرموز المعروفة: محمد إسماعيل المقدم وياسر برهامي وأبو إدريس وغيرهم.

وإذا قلنا بأن جماعة الإخوان أخفقت في احتواء الشباب الإسلامي في الصعيد وفي الإسكندرية فليس معنى هذا أنهم توقفوا عن المحاولة، ولا معناه أيضا أنه لم يكن لهم حضور في هذه الأنحاء، بل لقد سبق وذكرت أن ما حصل عندنا في أسيوط سبَّب انشقاقا وبقي شباب الإخوان خطا مستمرا تحت قيادة الأخ الدكتور أسامة السيد، كما بقي شباب الإخوان في جامعة الإسكندرية تحت قيادة خالد الزعفراني وإبراهيم الزعفراني.

وبالرغم من وحدة الصورة للتيار الإسلامي كما تبدو لمن يراها بالخارج، فإن الصورة من الداخل ذهبت في سياق التنافس والتنازع، لا التنسيق ولا الوحدة، وكان الخلاف بين هذه الأطياف الرئيسية الثلاث خلافا شديدا، كان الإخوان يرون أنهم الجماعة الأكبر ويجب أن يكونوا أصحاب اليد العليا في سائر الجامعات، وأولئك الذين لم تسعهم عباءة الإخوان كانوا يقاومون هذا بشراسة، وكانوا شبابا لم ينضجوا بعد ولم يطرأ على بالهم اقتراح: تعالوا نجلس مع الإخوان المسلمين وننسق معهم.

وقد زاد في الخلاف بين الطرفين اختيارات الإخوان السياسية في تلك المرحلة، فلم يكن الإخوان قادرين على أن يدخلوا إلى احتواء الشباب من باب: تعالوا معنا، وستجدون عندنا ما ترجونه من دعوة وجهاد وحسبة وأمر بالمعروف ونهي عن المنكر.. لا، لا يستطيعون احتواء الشباب من هذا المدخل الذي هو ساعتها يمثل أصلا أصيلا في اتجاههم وحركتهم.

لقد كان الشباب وقتها عالي السقف عظيم الطموح مستعدا للفداء والتضحية ولا تردد عنده لو قاده أحد حتى لمواجهة الدولة، كانوا يسيرون عمليا نحو الصدام مع النظام.. نظام السادات. وكان الإخوان يتحاشون هذا أشد المحاشاة ويتجنبونه غاية التجنب، ومن ثم كانوا يبذلون غاية جهدهم في كفكفة الشباب الإسلامي عن قضايا إسلامية كثيرة كانوا يرون وجوب خوضها.

من ذلك مثلا: مواجهة الانحلال الأخلاقي! وهذه تفردنا بها –نحن الجماعة الإسلامية- داخل جامعة أسيوط، فلقد كنا حريصين على صبغ الجامعة بالهَدْيِ الظاهر، نريد للشباب أن يلتحي، وللفتيات أن تتحجَّب، نرفض حصول الاختلاط بين الشباب والفتيات، ولا نعني بالاختلاط مجرد الكلام الذي يقع بين طالب وزميلته أو مجرد ما قد يجمعهما من أمور الدراسة فقد كان موجودا ولم نكن نستنكره، بل أعني بالاختلاط ما يكون من الاختلاط الفاحش كالذي يحدث في الحفلات من الرقص، وقد كان هذا موجودا في الجامعات آنذاك، أو ما يحدث من المزاحمة بينهما عند الدخول إلى المحاضرات والخروج منها، وكان يقع في أثناء ذلك تحرش وإسفاف كبير. كان الإخوان يرون أن نغض الطرف عن هذه الأمور كي لا تكون إثارتها سببا في الاشتباك مع أمن الجامعة أو إدارتها، وأن نصبر ولا نتعجل إصلاح هذه الأمور.

وكان لنا على الإخوان مطعن آخر، لقد كنا نرى أن الإخوان حركة لا تهتم بالعقيدة، ولا تعتني بالأساس العقدي للمنتسبين إليها، ويوجد في الإخوان من هو صوفي، وكان رأينا أن النزعة الصوفية تحتاج إلى الكثير من التخفف ومن التخلص من البدع والأهواء التي شابتها، لتعود إلى نقاء أهل السنة والجماعة. بينما كان الإخوان ينظرون إليها نظرة أخرى، فإذا ناقشناهم قالوا: نحن مدرسة للتربية، يدخل إليها الجميع، فيدخل إلينا الصوفي فيعيش بيننا ثم بعد فترة يقلع عن هذه البدع التي تعترضون عليها. وكنا نقول: أنتم لا تمارسون حتى التوجيه إلى نقد هذه البدع.. وهكذا!

في الواقع لم يكن الخلاف بيننا وبين الإخوان حقيقيا، أقصد كحركة في الجامعة، كانت حقيقة الخلاف في طريقة الأداء والسلوك، لم يكن اختلافا جوهريا، لم يكن اختلافا عقديا، إلا أنه كان اختلافا مصبوغا بفارق الأجيال، الفارق الذي يجعل الاتصال عسيرا بين حماسة الشباب وطاقتهم، وبين تعقل الشيوخ وتريثهم!

لقد كان يأتي لزيارتنا إخوة كبار مشاهير، مثل الأستاذ عمر التلمساني رحمه الله رحمة واسعة، أو الشيخ محمد الغزالي رحمه الله، أو السيدة زينب الغزالي رحمها الله، فكانوا رغم مكانتهم وقدرهم لا يراعون سن الشباب في لهجة خطابهم، يقول لنا الأستاذ التلمساني: أنتم تستعجلون الجهاد وكذا وكذا، وفي الواقع لم نكن نستعجل الجهاد بل ولا كنا نفكر فيه ساعتها، ولا كانت فكرة الجهاد نفسها موجودة ومطروقة، وغاية ما نفكر فيه كانت هذه المظاهرات الصاخبة المعارضة للسادات في كامب ديفيد أو في استقباله لشاه إيران، يعني مسائل بسيطة لا تستوجب هذه الحملة الشديدة التي يتصدى لها الأستاذ التلمساني نفسه، يرحمه الله!

وعن نفسي، كنت أقول: يمكن للإخوان أن يستوعبونا، ويمكن أن نكون من رجالهم، فقط لو أنهم قدَّروا سن الشباب واجتهدوا في احتوائه، بدل أن ينظروا إلى تصرفاتهم بعين النقد وبدل أن يعالجوها بما يُنَفِّر منهم!

لهذا أقول، لقد كان الخلاف بيننا وبين الإخوان في الأساس خلافا في الأداء والسلوك، لا في الرؤية، بل من الإنصاف أن أقول: لم يكن لدينا في هذه المرحلة رؤية أصلا!

لم يكن لدينا رؤية لأننا بالأساس لم نلتقِ أولا على رؤية، كانت لا تزال فكرة الانقلاب العسكري في ذهني، نعم، لكن كل ذهن كان يحمل فكرته الخاصة، وإذا كنا تعارفنا أجسادا وأرواحا فلم نتعارف بعدُ رؤىً وأفكارا، بل وقد كان فينا من لم تكن لديه فكرة مطلقا، إنما هو ينظر إلى الجماعة كمحضن أو كبيئة ينفق فيها طاقته وبذله لخدمة الدين. إنما كانت لقاءاتنا لقاءات الشباب المتدين الملتزم، وفيما بعد نشأت بينهم الألفة والمودة، ثم فيما بعد جاء دور التعرف على الأفكار وتمحيصها!

لهذا أقول، لو كان الإخوان المسلمون استهدفونا بشكل منظم، وخاطبوا كل واحد فينا بما يناسبه، لكان محتملا جدا أن يؤثروا علينا، ربما ليس الجميع، لكن الأغلب، ولو أنهم نجحوا لصاروا القوة الأولى في جامعة أسيوط لا القوة الثانية. ولكن يجب أن أثبت هنا للتاريخ أنهم كانوا القوة الثانية رغم كل شيء.

وحين أسترجع الأيام في ذهني، أقول وبأمانة، ربما يكون الخلاف أقل حتى من أن يكون خلافا في السلوك والأداء، لقد كنت أشهد شباب الإخوان وفيهم من يقيم الليل ويغض البصر، وسائر هذه الأمور التي هي سمت الشباب المسلم المتدين.

وبالعموم يمكن القول بأن فترة السبعينات بقدر ما شهدت ازدهار الصحوة الإسلامية، بقدر ما شهدت بذور الخلافات الأساسية بين التيارات الإسلامية المصرية، وهي الخلافات التي ستستمر نصف قرن آخر فيما بعد!
‏٢٠‏/١٢‏/٢٠١٩ ٨:١٥ م‏
حماس والجهاد الإسلامي إدارة الخلافات.. سر تجاوز الأزمات أحمد قنيطة [حمّل العدد الجديد http://bit.ly/2P55Bo6 هدية العدد http://bit.ly/2Y2dbEm الأعداد والهدايا السابقة http://bit.ly/2vvtufk] شهدت العلاقة بين حركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي" في فلسطين خلال العقود الماضية فتراتٍ من المد والجزر، بناءً على تباين الرؤى واختلاف الاجتهادات في عدد من الملفات الداخلية والخارجية، فقد شهدت العلاقة بين الحركتين حالة من الجمود والتراجع بعد أحداث "الحسم العسكري لغزة" عام 2006م، بعد ما سيطرت حركة حماس على القطاع، وطردت عصابات التخابر مع العدو وفرق الموت التابعة لفتح والأجهزة الأمنية البائدة التي حاولت تنفيذ انقلاب عسكري على حركة حماس بغزة، بعدما رفضت حركة "فتح" الاعتراف بنتائج الانتخابات التشريعية وتسليم السلطة لحماس. حينها اتخذت حركة الجهاد الإسلامي موقفاً حيادياً، رافضةً دعم وتأييد موقف حركة حماس في غزة، بدعوى الوقوف على مسافة واحدة بين طرفي النزاع، برغم ما تتعرض له قيادة حركة الجهاد وكوادرها - شأنها شأن حماس - من ملاحقة وتضييق وإذلال من قبل أجهزة "فتح" الأمنية في الضفة المحتلة. وعلى النقيض تماماً؛ فقد وصل التنسيق بين الحركتين خلال السنوات القليلة الماضية إلى مستوًى كبير وغير مسبوق من التعاون والتفاهم والانسجام في كثير من القضايا، خاصةً بعد وصول القضية الفلسطينية إلى مأزقٍ خطير إثر فشل ما يُسمى بالحلول السلمية المجحفة، وإعلان الإدارة الأمريكية ما يُسمى بـ "صفقة القرن"، وتنّصل الاحتلال من كافة التزاماته في اتفاق أوسلو المشؤوم، في ظل استمرار العدو بسياسة ابتلاع الأراضي الفلسطينية في الضفة المحتلة، وتشديد الحصار على قطاع غزة. وقد بلغت ذروة هذا التنسيق والتعاون بين "حماس والجهاد" بعد انطلاق مسيرات العودة وكسر الحصار قبل عامين، والتي شجّعت فصائل المقاومة على تدشين جبهة سياسية موحدة مع قوى اليسار الفلسطيني لرفض العقوبات التي يفرضها رئيس السلطة "محمود عباس" على غزة، والاعتراض على استفراده بالقرار الفلسطيني، ومواجهةً صفقة القرن والسياسات الانهزامية التي ينتهجها "عباس" الذي ما زال يلهث خلف وهم المفاوضات والحلول السلمية. فما الذي دفع بالحركتين لتجاوز الخلافات والبحث عن أرضية مشتركة للالتقاء والتفاهم وتنسيق المواقف في ظل وجود نزعات التنافس وخصومة الأقران وأحلام القيادة والتصدر للمشروع الفلسطيني؟؟! إن من أهم الحقائق التي يجب أن نعلمها بدايةً؛ هي أن ما يَجمَع قوى الثورة والجهاد في بلادنا أكثر بكثير مما يفرقها، لكنها لن تصل إلى ذلك "الاجتماع" إلا إن أسقطت عن عيونها غشاوة المصلحية الضيقة، والتنافسية المذمومة على حساب القضايا الكبرى، إذ إن بعض الخلافات التي تطرأ على العمل العسكري أو السياسي هي خلافات طبيعية ناتجة عن الاختلاف في طرق التفكير ومعالجة القضايا وتقييم الأحداث، فالصحابة رضوان الله عليهم - وهم خير القرون - اختلفوا في العديد من القضايا الفقهية، والتكتيكات العسكرية، والنوازل السياسية. بناءً على ما سبق يجب أن ندرك جيداً واقع الاختلاف وحقيقته، وأنه سنة الله في عباده الذين خلقهم مختلفين في أشكالهم وألوانهم وعقولهم وطرق تفكيرهم ومستويات فهمهم "وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ"، وأن الخلاف الذي ينتج عن الاختلاف في وجهات النظر وقراءة الأحداث، إنْ أحسنّا إدارته جيداً وتعاملنا معه بحكمةٍ ورويّةٍ، مع تقديم المصلحة العامة للقضية على المصلحة الخاصة الحزبية؛ فلا شك أننا سنجني منه نتائج مبهرة وأفكاراً عظيمة، وسيفتح أمامنا آفاقاً رحبة ننطلق من خلالها لتحقيق أهدافنا في التحرر والاستقلال، وطرد الغزاة المحتلين بأقصر الطرق وأقل التكاليف، فانتهاج منهج الحوار البنّاء والنقاش المثمر لتجاوز الخلافات وتذليل العقبات هو السبيل الوحيد للخروج برأيٍ جماعي تسير عليه الأمة، أما التنافر والتناحر فهو وصفة سحرية للفشل والهزيمة ستجني الشعوب آثاره الكارثية ذلاً وهواناً وقتلاً وتشريدا. رأي الجماعة لا تشقى البلاد به **** رغم الخلاف ورأي الفرد يشقيها من هنا أدركت حركتا حماس والجهاد الإسلامي خطورة الفشل في إدارة الخلافات البينية، وما سينتج عنه من آثار كارثية توشك أن تقضي على بؤرة النور الوحيدة في فلسطين وخط الدفاع الأخير عن القضية الفلسطينية ألا وهي "غزة"، وفي ظل استمرار الأزمة الداخلية الفلسطينية المتمثلة بالانقسام بين "غزة والضفة"، ومع تضييق الخناق على رقاب الغزيين بمشنقة الحصار، وبعد انتهاج حركة فتح ورئيسها "عباس" لسياسة الحرب الاقتصادية القذرة على غزة، تداعت الحركتان بالإضافة لفصائل اليسار الفلسطيني بعد أن رموا خلف ظهورهم الخلافات الفكرية والخصومات الحزبية والمصالح الفصائلية، لمواجهة هذه الكارثة مجتمعين بتشكيل موقف سياسي وعسكري وجماهيري موحّد لمواجهة للعدوان الصهيوني من جهة، والتصدي لإجراءات (فتح – عباس) المتمثلة بقطع الرواتب عن عشرات الآلاف من الموظفين وعائلات الشهداء والجرحى، والأسرى المحررين وغيرها من العقوبات من جهةٍ أخرى. نجحت الحركتان وفصائل اليسار بالفعل بتشكيل جبهة سياسية عسكرية موحدة لقيادة مشروع المقاومة والتحرر والخروج به من أعمق وأقسى أزمة مرّت في تاريخ الجهاد والمقاومة الفلسطينية، حين وضع عباس الشعب الغزيّ المحاصر مرغماً في مواجهة أبنائه المجاهدين في فصائل المقاومة؛ تحت ضغط الحاجة للرواتب والدواء والغذاء والحاجات الأساسية الماسة، فكان التوجيه النفسي والمعنوي من عباس للشعب الفلسطيني: إما أن تثوروا على المجاهدين وتُسقطوا مشروع المقاومة وتدوسوا على تضحياتكم كي تحصلوا على راتبكم ودوائكم وقوت عيالكم وحليب أطفالكم، وإما أن تنتظروا مزيداً من الإجراءات العقابية التي ستطال الجوانب الأكثر حيوية إن واصلتم دعم المقاومة واحتضان المجاهدين، ما سيجعل غزة جحيماً لا يُطاق، وبقعةً لا تصلح للحياة الآدمية. وقد كانت مسيرات العودة وكسر الحصار التي انطلقت بقرار وطني جامع، هي السبيل الوحيد لتوجيه الغضب الشعبي العارم الذي كان مخططاً له أن ينفجر في وجه فصائل المقاومة، إلى الانفجار في وجه الاحتلال الذي هو السبب الأساسي في حالة الحصار التي تعيشه غزة، إذ ترتب على تلك المسيرات الشعبية نتائج مبهرة شكّلت رافعة للقضية الفلسطينية، أهمها تشكيل جبهة سياسية موحدة لمواجهة صفقة القرن ومحاولات تصفية القضية الفلسطينية، وتشكيل غرفة العمليات المشتركة لفصائل المقاومة للتشاور وتنسيق المواقف بين القوى العسكرية المختلفة. وعلى الرغم من وجود بعض الخلافات التي ما زالت تطفو على السطح بين الفينة والأخرى بين حركتي "حماس والجهاد" كما رأينا في الخلاف الذي وقع على جولة التصعيد الأخيرة على غزة، والتي حاول الاحتلال استغلالها لزرع بذور الشقاق والفتنة بين الحركتين؛ إلا أن الحركتين سرعان ما تجاوزتا هذا الخلاف واستطاعتا تطويقه من خلال التفاهم والتنسيق والحوار الجاد، وهذا ما دعا الجنرال الصهيوني يستحاق بريك للقول إنه: "من الصعب التصديق أن "إسرائيل" قادرة على تطبيق سياسة "فرق تسد" في غزة، والتفريق بين حركتي حماس والجهاد الإسلامي". إن الإدارة السليمة للخلافات بين القوى والفصائل المجاهدة من خلال تفعيل منهج الشورى وإعلاء قيمة الحوار، واليقين أن التعاون أفضل من التنافس، وأن الآراء المختلفة مع وجود عامل الثقة ستؤدي إلى التبصّر والإبداع، ما من شأنه أن يحقق لكل طرفٍ أهدافه ومصالحه من خلال التعاون والتفاهم مع الطرف الآخر، وهذا ما يسمونه في علم الإدارة والعلاقات الدولية بسياسة "الأطراف الرابحة"، وهذا هو الضامن الوحيد لاستمرارية مشاريعنا الجهادية وثوراتنا التحررية، لتفويت الفرصة على الأعداء الذين لا يألون جهداً في إثارة الفتن والقلاقل بين شركاء الثورة والجهاد، لصرفهم عن معركتهم الكبرى بقتال عدوهم المحتل، إلى الانشغال بمعارك داخلية من شأنها أن تأكل الأخضر واليابس وتقضي على أحلام الشعوب في الحرية والاستقلال.
حماس والجهاد الإسلامي
إدارة الخلافات.. سر تجاوز الأزمات

أحمد قنيطة

[حمّل العدد الجديد
http://bit.ly/2P55Bo6
هدية العدد
http://bit.ly/2Y2dbEm
الأعداد والهدايا السابقة
http://bit.ly/2vvtufk]

شهدت العلاقة بين حركتي "حماس" و"الجهاد الإسلامي" في فلسطين خلال العقود الماضية فتراتٍ من المد والجزر، بناءً على تباين الرؤى واختلاف الاجتهادات في عدد من الملفات الداخلية والخارجية، فقد شهدت العلاقة بين الحركتين حالة من الجمود والتراجع بعد أحداث "الحسم العسكري لغزة" عام 2006م، بعد ما سيطرت حركة حماس على القطاع، وطردت عصابات التخابر مع العدو وفرق الموت التابعة لفتح والأجهزة الأمنية البائدة التي حاولت تنفيذ انقلاب عسكري على حركة حماس بغزة، بعدما رفضت حركة "فتح" الاعتراف بنتائج الانتخابات التشريعية وتسليم السلطة لحماس.

حينها اتخذت حركة الجهاد الإسلامي موقفاً حيادياً، رافضةً دعم وتأييد موقف حركة حماس في غزة، بدعوى الوقوف على مسافة واحدة بين طرفي النزاع، برغم ما تتعرض له قيادة حركة الجهاد وكوادرها - شأنها شأن حماس - من ملاحقة وتضييق وإذلال من قبل أجهزة "فتح" الأمنية في الضفة المحتلة.

وعلى النقيض تماماً؛ فقد وصل التنسيق بين الحركتين خلال السنوات القليلة الماضية إلى مستوًى كبير وغير مسبوق من التعاون والتفاهم والانسجام في كثير من القضايا، خاصةً بعد وصول القضية الفلسطينية إلى مأزقٍ خطير إثر فشل ما يُسمى بالحلول السلمية المجحفة، وإعلان الإدارة الأمريكية ما يُسمى بـ "صفقة القرن"، وتنّصل الاحتلال من كافة التزاماته في اتفاق أوسلو المشؤوم، في ظل استمرار العدو بسياسة ابتلاع الأراضي الفلسطينية في الضفة المحتلة، وتشديد الحصار على قطاع غزة.

وقد بلغت ذروة هذا التنسيق والتعاون بين "حماس والجهاد" بعد انطلاق مسيرات العودة وكسر الحصار قبل عامين، والتي شجّعت فصائل المقاومة على تدشين جبهة سياسية موحدة مع قوى اليسار الفلسطيني لرفض العقوبات التي يفرضها رئيس السلطة "محمود عباس" على غزة، والاعتراض على استفراده بالقرار الفلسطيني، ومواجهةً صفقة القرن والسياسات الانهزامية التي ينتهجها "عباس" الذي ما زال يلهث خلف وهم المفاوضات والحلول السلمية.

فما الذي دفع بالحركتين لتجاوز الخلافات والبحث عن أرضية مشتركة للالتقاء والتفاهم وتنسيق المواقف في ظل وجود نزعات التنافس وخصومة الأقران وأحلام القيادة والتصدر للمشروع الفلسطيني؟؟!
إن من أهم الحقائق التي يجب أن نعلمها بدايةً؛ هي أن ما يَجمَع قوى الثورة والجهاد في بلادنا أكثر بكثير مما يفرقها، لكنها لن تصل إلى ذلك "الاجتماع" إلا إن أسقطت عن عيونها غشاوة المصلحية الضيقة، والتنافسية المذمومة على حساب القضايا الكبرى، إذ إن بعض الخلافات التي تطرأ على العمل العسكري أو السياسي هي خلافات طبيعية ناتجة عن الاختلاف في طرق التفكير ومعالجة القضايا وتقييم الأحداث، فالصحابة رضوان الله عليهم - وهم خير القرون - اختلفوا في العديد من القضايا الفقهية، والتكتيكات العسكرية، والنوازل السياسية.
بناءً على ما سبق يجب أن ندرك جيداً واقع الاختلاف وحقيقته، وأنه سنة الله في عباده الذين خلقهم مختلفين في أشكالهم وألوانهم وعقولهم وطرق تفكيرهم ومستويات فهمهم "وَلَا يَزَالُونَ مُخْتَلِفِينَ، إِلَّا مَن رَّحِمَ رَبُّكَ ۚ وَلِذَٰلِكَ خَلَقَهُمْ"، وأن الخلاف الذي ينتج عن الاختلاف في وجهات النظر وقراءة الأحداث، إنْ أحسنّا إدارته جيداً وتعاملنا معه بحكمةٍ ورويّةٍ، مع تقديم المصلحة العامة للقضية على المصلحة الخاصة الحزبية؛ فلا شك أننا سنجني منه نتائج مبهرة وأفكاراً عظيمة، وسيفتح أمامنا آفاقاً رحبة ننطلق من خلالها لتحقيق أهدافنا في التحرر والاستقلال، وطرد الغزاة المحتلين بأقصر الطرق وأقل التكاليف، فانتهاج منهج الحوار البنّاء والنقاش المثمر لتجاوز الخلافات وتذليل العقبات هو السبيل الوحيد للخروج برأيٍ جماعي تسير عليه الأمة، أما التنافر والتناحر فهو وصفة سحرية للفشل والهزيمة ستجني الشعوب آثاره الكارثية ذلاً وهواناً وقتلاً وتشريدا.

رأي الجماعة لا تشقى البلاد به **** رغم الخلاف ورأي الفرد يشقيها

من هنا أدركت حركتا حماس والجهاد الإسلامي خطورة الفشل في إدارة الخلافات البينية، وما سينتج عنه من آثار كارثية توشك أن تقضي على بؤرة النور الوحيدة في فلسطين وخط الدفاع الأخير عن القضية الفلسطينية ألا وهي "غزة"، وفي ظل استمرار الأزمة الداخلية الفلسطينية المتمثلة بالانقسام بين "غزة والضفة"، ومع تضييق الخناق على رقاب الغزيين بمشنقة الحصار، وبعد انتهاج حركة فتح ورئيسها "عباس" لسياسة الحرب الاقتصادية القذرة على غزة، تداعت الحركتان بالإضافة لفصائل اليسار الفلسطيني بعد أن رموا خلف ظهورهم الخلافات الفكرية والخصومات الحزبية والمصالح الفصائلية، لمواجهة هذه الكارثة مجتمعين بتشكيل موقف سياسي وعسكري وجماهيري موحّد لمواجهة للعدوان الصهيوني من جهة، والتصدي لإجراءات (فتح – عباس) المتمثلة بقطع الرواتب عن عشرات الآلاف من الموظفين وعائلات الشهداء والجرحى، والأسرى المحررين وغيرها من العقوبات من جهةٍ أخرى.

نجحت الحركتان وفصائل اليسار بالفعل بتشكيل جبهة سياسية عسكرية موحدة لقيادة مشروع المقاومة والتحرر والخروج به من أعمق وأقسى أزمة مرّت في تاريخ الجهاد والمقاومة الفلسطينية، حين وضع عباس الشعب الغزيّ المحاصر مرغماً في مواجهة أبنائه المجاهدين في فصائل المقاومة؛ تحت ضغط الحاجة للرواتب والدواء والغذاء والحاجات الأساسية الماسة، فكان التوجيه النفسي والمعنوي من عباس للشعب الفلسطيني: إما أن تثوروا على المجاهدين وتُسقطوا مشروع المقاومة وتدوسوا على تضحياتكم كي تحصلوا على راتبكم ودوائكم وقوت عيالكم وحليب أطفالكم، وإما أن تنتظروا مزيداً من الإجراءات العقابية التي ستطال الجوانب الأكثر حيوية إن واصلتم دعم المقاومة واحتضان المجاهدين، ما سيجعل غزة جحيماً لا يُطاق، وبقعةً لا تصلح للحياة الآدمية.

وقد كانت مسيرات العودة وكسر الحصار التي انطلقت بقرار وطني جامع، هي السبيل الوحيد لتوجيه الغضب الشعبي العارم الذي كان مخططاً له أن ينفجر في وجه فصائل المقاومة، إلى الانفجار في وجه الاحتلال الذي هو السبب الأساسي في حالة الحصار التي تعيشه غزة، إذ ترتب على تلك المسيرات الشعبية نتائج مبهرة شكّلت رافعة للقضية الفلسطينية، أهمها تشكيل جبهة سياسية موحدة لمواجهة صفقة القرن ومحاولات تصفية القضية الفلسطينية، وتشكيل غرفة العمليات المشتركة لفصائل المقاومة للتشاور وتنسيق المواقف بين القوى العسكرية المختلفة.

وعلى الرغم من وجود بعض الخلافات التي ما زالت تطفو على السطح بين الفينة والأخرى بين حركتي "حماس والجهاد" كما رأينا في الخلاف الذي وقع على جولة التصعيد الأخيرة على غزة، والتي حاول الاحتلال استغلالها لزرع بذور الشقاق والفتنة بين الحركتين؛ إلا أن الحركتين سرعان ما تجاوزتا هذا الخلاف واستطاعتا تطويقه من خلال التفاهم والتنسيق والحوار الجاد، وهذا ما دعا الجنرال الصهيوني يستحاق بريك للقول إنه: "من الصعب التصديق أن "إسرائيل" قادرة على تطبيق سياسة "فرق تسد" في غزة، والتفريق بين حركتي حماس والجهاد الإسلامي".

إن الإدارة السليمة للخلافات بين القوى والفصائل المجاهدة من خلال تفعيل منهج الشورى وإعلاء قيمة الحوار، واليقين أن التعاون أفضل من التنافس، وأن الآراء المختلفة مع وجود عامل الثقة ستؤدي إلى التبصّر والإبداع، ما من شأنه أن يحقق لكل طرفٍ أهدافه ومصالحه من خلال التعاون والتفاهم مع الطرف الآخر، وهذا ما يسمونه في علم الإدارة والعلاقات الدولية بسياسة "الأطراف الرابحة"، وهذا هو الضامن الوحيد لاستمرارية مشاريعنا الجهادية وثوراتنا التحررية، لتفويت الفرصة على الأعداء الذين لا يألون جهداً في إثارة الفتن والقلاقل بين شركاء الثورة والجهاد، لصرفهم عن معركتهم الكبرى بقتال عدوهم المحتل، إلى الانشغال بمعارك داخلية من شأنها أن تأكل الأخضر واليابس وتقضي على أحلام الشعوب في الحرية والاستقلال.
‏١٨‏/١٢‏/٢٠١٩ ٥:٤٥ م‏
د. عبد الله النفيسي بين سيرتين أحمد الحمدان [حمّل العدد 29 bit.ly/2P55Bo6 هدية العدد bit.ly/2Y2dbEm الأعداد والهدايا السابقة bit.ly/2vvtufk] في الفترة الأخيرة، كثر سؤال (هل شاهدت لقاءات النفيسي في برنامج الصندوق الأسود؟) تكرر هذا السؤال من كذا طرف ومن أشخاص ربما لا اهتمام لهم بالسياسة، أثار لدي الفضول، وتحتم علي تحت هذا الإلحاح المتصاعد أن أمهد لمشاهدته، واضرب عصفورين بحجر. فقرأت كتاب (من أيام العمر الماضي) كمدخل لهذه المقابلات، خصوصاً أن الكتاب يقف عند فترة زمنية معينة ولا يتجاوزها وهي (بدايات الغزو العراقي للكويت)، فقلت من الجيد أن أقرأ هذا الكتاب لمقصدين، وهي أن أجعله مقدمة لمشاهدة اللقاء، وأكمل ما وقف عنده الكتاب، وأن أقارن ما بين أسلوب (الكتابة) و(الإلقاء) في التدوين. وبعد أن أنهيت الكتاب، تصفحت في وجوه مكتبتي، لأختار الكتاب القادم، فظهر لي كتاب آخر عن سيرة النفيسي وهو للصحفي السعودي علي العميم (النفيسي رجل الفكرة والتقلبات.. سيرة غير تبجيليّة). فقلت في نفسي إن لم أقرأ هذا الكتاب الآن فلن أقرأه في قادم الأيام، هذه فرصة أن أضرب الحديد وهو ساخن. وبعد أن أنهيت كتاب العميم، أتت في ذهني عبارتان، الأولى (لم أرَ منك خيراً قط) ورأيت أن هذا اللفظ يصلح عنواناً للكتاب، فالكتاب باختصار هو تجميع لسقطات الرجل وإن لم توجد سقطات اختلقها لك اختلاقاً، ولا يقف عند ما هو منصوص بل يستنطق ما لم يدل عليه النص! ويخرجه عن مداه وحده ومدلوله ليقول لك في النهاية: هذا هو تاريخ النفيسي! وزد على ذلك الجزم فيما يتعلق بواطن النيات (النفيسي يقصد كذا والنفيسي فعل كذا لأجل كذا). فرأيت أن هذا الكتاب حتى وإن أتى بنقدٍ موضوعي في بعض الجزئيات، إلا أن ما يعكره عموماً هو النفسية الناقمة التي تجعل من القارئ متعاطفاً مع الشخص المنقود أكثر من أن يتقبل هذا النقد وإن كان صحيحًا، ومن تصفح خانة المراجعات على موقع (goodreads) ورأى تعليقات القرّاء خلصَ الى نفس النتيجة. أما العبارة الأخرى فهي: (إن لم تكتب تاريخك كتبه غيرك). وأحياناً تلك الكتابة قد تكون المصدر الوحيد المتوفر عنك، ومع شح المصادر قد يضطر الباحث اضطراراً أن يعتمد عليها في تقريب الصورة. وهذا الخطأ غالبًا ما يقع فيه المؤثرون وأصحاب التجارب، فالبعض يقع في ورع بارد وسخيف، ليقول لك: من أنا حتى أكتب مذكراتي؟! مظهراً شيئاً من ورعه وتواضعه في غير موضعه. فالمتردية والنطيحة قد كتبوا مذكراتهم وحتى من لا تأثير له ومن لا قيمة له، فلماذا يسترخص الشخص نفسه ويجعلها في مقام أقل من مقام هؤلاء؟! ثم إن لم تكتبها لهذا السبب، اكتبها بدافع حب الخير للآخرين على الأقل! فالشخص الذي مر بتجارب وسقطات وأخطاء من الجيد أن ينبه الناس عليها، فاكتب هذه المذكرات وما فيها محاولًا استنقاذ كل من يمكن استنقاذه! وأن تقي من كان بإمكانه أن يقع في نفس المطب الذي وقعت به. الآن، بعدما كتب النفيسي مذكراته، بالله عليك من يريد أن يقتني كتاب علي العميم؟ فالماء يغني عن التيمم، فكتاب النفيسي هو بالضرورة إزاحة للكتاب الآخر. حسناً، هل أصاب علي العميم في "بعض" انتقاداته للنفيسي؟ الجواب: نعم. كنا نقول ولا زلنا نقول، أن (العقيدة والفقه والحديث إلخ ...) مقدمة على الفكر الإسلامي، لأنها تحدد المسار وتضبطه، فحينئذ الشخص يضبط الفكر بناءً على النص ومخرجاته، ولكن إذا لم يكن يعرف النصوص كيف يمكن أن يضبط الفكر؟ ولا يلزم أن يتخصص الشخص في كل العلوم بل يكفي الإلمام بالأساسيات. النفيسي لم تتهيأ له الفرصة لأن يؤسس نفسه شرعياً، ودخل المعترك الإسلامي من البوابة الحزبية والعمل الطلابي ابتداءً. وهذا له أثره في اضطراب النفيسي، وهذا الاضطراب أوضحه العميم في عرضه لكتابين صدرا بنفس العام (عندما يحكم الإسلام) و(مجلس التعاون الخليجي .. الإطار السياسي والاستراتيجي) ببيان أوجه التعارض وعدم التزام النفيسي بكلامه الأوّل. وأظن أن ما يمكن أن يُضاف هو تغيّر آليات التغيير المحبذة لدى النفيسي عبر امتداد الوقت، وهذا لا يجزم به ولكن يلتمس من مدحه للتنظيمات، فأولًا مارس السياسة عبر البرلمان ثم آمن أنها طريق غير سوي لتطبيق الإسلام وأن من يظن ذلك هو واهم، ثم نصحه لحماس عدم دخول السياسة والاستمرار بالقتال والجهاد (سنة 2005)، ثم في وقت لاحق قال الحل هي القاعدة وليست حماس (سنة 2009)، ثم في نهاية المطاف خلص أن النموذج الأقرب هو نموذج حزب العدالة والتنمية في تركيا (سنة 2017). التغير في تبني آليات التغيير قد لا يتم عن إيمان جازم بها أو قناعة تامة، وهذا سبب التغير من عمل سياسي ثم ثوري أو جهادي ثم سياسي بوجهٍ آخر. ولكن نحن نتكلم عن كتاب (من أيام العمر الماضي) الذي ربما يكون من أواخر كتبه التي تمثل خلاصة فكره، وقد ذكر فيه أن التغيير يجب أن يكون من الأسفل، وأن إيمان الناس بأفكار معينة هو ما يفرض على من هم في الأعلى تطبيق توجهات من هم بالأسفل. وهذا قول مثالي لا واقعي، والسبب أنه لا توجد دولة سوف تتركك تبث أفكارك ومبادئك في الناس حتى تكون لك قاعدة جماهيرية كبيرة تضغط عليها وتؤثر عليها وتجعلها تطبق الإسلام وتحكم الشريعة وتبث العدل وتقضي على المحسوبية والفساد، فالحكومات مستعدة أن تبذل الغالي والنفيس من أجل أن تعزلك عن الجمهور وأن تجعل أثرك محدوداً أو أن تشوه صورتك وتغتالك إعلامياً إن أبيت الانصياع أو تعتقلك، فالخلاصة أن الدولة لها أدوات وأساليب تُلغي أي محاولة تأثير وضغط وتركيع لها. وجميع الحركات الإسلامية التي حاولت التغيير من الأسفل لابد أن تسأل نفسها ماذا كانت النتيجة بعد مرور عقود من هذا التصور؟! لم يزدَدِ الناس إلا بُعداً، فأنت تبني والدولة بسياستها تهدم فكأنك تحرث في الماء. وكتاب علي العميم عن النفيسي نشر عام 2012، وهو مستل من كتابه الضخم الآخر (شيء من النقد شيء من التاريخ: آراء في الحداثة والصحوة وفي الليبرالية واليسار)، وجزئية النفيسي هذه كتبها عبر حلقات في مجلة (المجلة) من أكتوبر/2004 عبر ثلاث حلقات، أي أنها بعد ظهور عبد الله النفيسي المتكرر على قناة الجزيرة في فترة الأحداث في السعودية سنة 2003-2004 وانتقاده المتكرر للسعودية. ربما هذا الكتاب هو ردة فعل على هذه اللقاءات؛ فالكتاب لم يصدر حديثًا وهذا واضح من المقدمة من أجل ذلك تراه لم يضمن العديد من المواقف والتصريحات التي قالها النفيسي بعد 2004 والتي قد تصب في خانة انتقادات المؤلف. حسناً، علي العميم كما يظهر أنه شخص مُطّلع، وناقد، ولكنه متكلف، ولا يكتفي بالظاهر أحياناً للحكم بل ينبش عن الباطن ولا يكتفي بالظن بل يجزم أن مقصده كذا! ولكن كتابه سلط الضوء على أمور ربما النفيسي لم يفصّل فيها في مذكراته لاحقاً، وهي العلاقة مع جماعة جهيمان. وهذه الجزئية على وجه الخصوص شطحَ فيها بعيداً عن النفيسي؛ إذ هي زاوية نقد مشترك ما بين النفيسي واليسار المتمثل بدار الطليعة ومن يدعمها، فاستطرد هنا بنقد اليسار والازدواجية في أحكامه وأفعاله. أما كتاب الدكتور عبد الله النفيسي (من أيام العمر الماضي) ويقع في (184) صفحة من طبعة مكتبة آفاق الكويتية التي طبعت الكثير من كتب النفيسي، وهي للأسف مكتبة سيئة الإخراج، لا تُكلِف نفسها تدقيق النص بل تطبعه بأخطائهِ كما أرسله المؤلف. وهي الجزء الأول من مذكراته وانتهت تقريباً مع حل مجلس "الأمة" وبداية الغزو العراقي، فلم يذكر النفيسي مشاهدته في الغزو العراقي بقدر ما أجاب على سؤال وهو عنوان الفصل الأخير (الغزو العراقي للكويت: هل كان مفاجأة)؟ والذي برهن فيه أن الغزو لم يكن مفاجئًا بل هنالك شواهد حسية حقيقة لاستعداد العراق لغزو الكويت، وقد تجاهلتها الحكومة الكويتية وأدت في النهاية الى هذه الكارثة. هذه المذكرات لم يبدأ فيها النفيسي منذ النشأة والجذور العائلية وتاريخ العائلة، بل أول ما بدأ بهِ هو رحلته في (مدرسة فكتوريا) الإنجليزية في مصر منذ 1951 الى 1961 (أنهي المراحل التعليمية الثلاث فيها). يقول النفيسي إن مستوى التعليم في هذه المدرسة ليس بالجودة المطلوبة ولم يكن هو الهدف الرئيس من هذه المدرسة، بل الهدف من تأسيس مدارس كهذه هو إنشاء جيل موالٍ للثقافة الغربية ولكن بأسماء عربية، فكانت هذه المدرسة حريصة على أن يكون التعلّم كله بالإنجليزي وأن تُدرّس الثقافة الغربية في الأدب والفن، وتُعاقِب بصرامة من ضُبِطَ وهو يتكلم بالعربية مع زميله وتلزم الطالب كعقاب له أن يكتب (I must not speak Arabic) مئة أو مئتي مرة، مما يجعل يد الطالب تخدر من كثرة التكرار فيحرّم الكلام بالعربية. وهذا ما جعل النفيسي ينشأ نشأة جاهلة جهلاً مركباً في الدين واللغة العربية، فسنوات التأسيس الأولى قضاها في جو بعيد عن الدين وعن الثقافة، وهذا ما جعله يجاوز العاشرة وهو لا يعرف الوضوء ولا يحفظ شيئًا من القرآن، ولا يعرف أساسيات اللغة العربية، مما أبعد عنه فرصة الدخول إلى الأزهر أو كلية الشريعة في دمشق في وقت لاحق. ويستفيد الشخص من هذه التجارب، أن قذف الطالب في مدارس خاصة ذات توجه غربي محض، دون حتى رعاية ولا مراقبة ولا توجيه، غالباً لن يخرج الشخص إلا غربياً أكثر من الغربيين أنفسهم، جاهلًا بثقافته محتقراً لها، لا يعرف أساسيات دينه ولا لغته ولا يربطه بهذه الأمة رابط طالما فقد الشخص أدوات التواصل معها. والخط العريض لهذه المذكرات هي السيرة التعليمية والسياسية على وجهٍ خاص، لذلك لا تجد ذكراً للعائلة وأفرادها ولا قصة الزواج ولا طريقة تنشئة الأبناء (كما هو الحال في رحلة الدكتور عبد الوهاب المسيري)، فكان خط المذكرات للنفيسي يبدأ من الدراسة في مصر ثم إنجلترا (مانشستر) ثم قفل راجعاً الى الكويت، ثم الدراسة في لبنان ثم الدكتوراة في إنجلترا، ثم التدريس في الكويت وفي أحد المعاهد البريطانية، ثم جامعة العين الإماراتية ثم الدخول في البرلمان ثم الغزو العراقي. أسلوب النفيسي في الطرح "أسلوب شعبوي"، فهو يتكلم في مسائل معقدة باللهجة العامية، لذا تجد جمهورًا عريضًا له، لأنه يتكلم في أمور معقدة بأسلوب يفهمه الكثير. وبالأخص الأفراد غير المتخصصين في هذا المجال وهم جمهور الناس. (وحبذا لو تراجع كلام أحمد سمير في كتابه "معركة الأحرار" عن نجاعة هذا الأسلوب). وهذا الأسلوب الشعوبي لا يخلو من طرافة، ولا يخلو من الكلام بالعامية وعدم الالتزام بالنص الفصيح وهذا ما يجعل غير الكويتي أو الخليجي لا يفهم ما المقصود من بعض الحوارت مثل ما هو موجود في ملحق الصور، استغرب النفيسي من نشاط أحد كبار السن العمانيين، فسأله عن سر ذلك فقال له (وخر عن الأچل الدسم والنسا) فرد عليه النفيسي: (هذه چايدة) فالرجل الكبير يقول له ابتعد عن الأكل الدسم والنساء فالنفيسي يقول هذه صعبة وعلى هذا قس. ويظهر لي أن هذه المذكرات هي من كتابة النفيسي شخصياً، أي أنها ليست نتائج سلسلة لقاءات صوتية ثم تفريغها على شكل كتاب. وعادةً من سلك هذا المسلك تضعف لياقته مع طول الأحداث وتفاصيلها. فتجد في بداية الكتاب تفاصيل كثيرة وفي نهايته اختصارًا وقفزًا على المراحل. تستطيع أن تقارن مثلًا مواضيع الطرح في هذا الكتاب وسلسلة لقاءات في (الصندوق الأسود) تجد أن النفيسي في اللقاءات المرئية أكثر انبساطا وتفصيلاً من الكتاب. حسناً، في فترة مانشستر، تخصص النفيسي في دراسة الطب وأبلى بلاءً حسناً، ولكن أقدار الله شاءت أن يترك هذا كلياً بقصة حصلت له، وهي مروره على محل لبيع الكتب المستعملة ورؤيته كتاباً مستعملاً اسمه (لماذا لستُ مسيحياً) للفليسوف برتراند راسل، فكان يُنظّر لفكرة الإلحاد من هذا الكتاب في نقد الأديان والمسيحية على وجه الخصوص. أدى هذا إلى زرع بذرة الشك لدى النفيسي، الذي لم يجد بُداً من الرجوع إلى الكويت وترك الدراسة وخسران البعثة، من أجل القراءة عن الإسلام. ومن هنا يعرف الشخص أهمية برامج (صناعة المحاور) التي تقي الشخص مثل هذه المزالق وتختصر عليه الطريق والوقت والجهد. وفي فترة بيروت عندما التحق النفيسي ببعثة لدراسة العلوم السياسية في الجامعة الأمريكية، كانت تلك الحقبة تموج بالحراك السياسي والطلابي، ويذكر النفيسي هنا مفارقة بين بيروت ومانشستر فيقول: (وفجأة ارتفع صوت الأذان من مسجد قريب في بيروت.. فاغرورقت عيني من الفرح، وتذكرت مانشستر حيث لا يسمع هذا الصوت). تكرار الأذان وحضوره الدائم يجعلك لا تعرف قيمته إلا إذا سكنت في مكان تبقى فيه بالشهور والسنوات لا تسمعه. فالأذان نعمة لا يُقدّر البعض قيمتها إلا بفقدانها. وفي تلك الحقبة احتك النفيسي بجهابذة القومية العربية واليسار في هيئة التدريس بالجامعة الأمريكية في بيروت، من بينهم مؤرخ الحزب الشيوعي للعراق حنا بطاطو وفايز الصائغ وصادق جلال العظم وغيرهم، وكل هؤلاء وقعت له معهم قصة، ولعل أبرزها في نظري التي مع فايز الصائغ، والذي كلفه بجمع قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بإسرائيل منذ 1948 حتى 1965، هذه التجربة أفادت النفيسي كثيراً فتراه يقول: (كانت مهمة مفيدة لي شخصيًا لأنها أطلعتني على سُخف مقولة "الشرعية الدولية" و"القانون الدولي" و"المنظمة الدولية" وتفاهة القرارات الصادرة عنها، وأقنعتني هذه المهمة بأن سياسات القوة هي السائدة في العالم وأن اللهاث وراء سراب ميثاق الأمم المتحدة أو غيره من المواثيق ما هو إلا إطالة عمر الظلم الفادح الذي تتحمله الشعوب المستضعفة). البعض لا يريد أن يتعلم من تجارب من سبقوهُ للوصول إلى هذه النتيجة، لابد أن يمر بمرحلة تعليق الأمل بهم ثم يكتشف مع الوقت أنهم متواطئون أو في أحسن الأحوال سراب، رأس ماله الإنكار والشجب، الذي لا يغير من المعادلة شيئًا على الأرض. حقاً كما قال أحدهم "منطق السياسة في أيامنا لا يحترم إلا أصحاب الأقدام الثقيلة". وحبذا لو ترجع إلى كتاب (تحت وابل النيران في سراييفو) للصحفي أحمد منصور، ورؤية موقف الساسة البوسنيين من دور الأمم المتحدة في الأزمة البوسنية. في سوريا البعض احتاج سنوات ودماء وفاتورة كبيرة حتى يعلم أن ما يسمى بـ(أصدقاء سوريا) لا قيمة لهم ولا تأثير ولا نفع! وأن منظمة الأمم المتحدة لم تستطع أن تنقذ الناس من الحصار ولا أن تمنع القصف، ولم تستطع أن تفرض حصاراً حقيقياً على النظام حتى يسقط. ولا تجيد إلا التنديد والوعود الفارغة، وفي أي تجربة قادمة في المستقبل من يعلّق الأمل على هؤلاء فهو كمن اتكل ولم يتوكل. إن تحرير فلسطين لن يتم إلا بعد التوصيف الحقيقي للدول الغربية، وأنهم في خندق العدو وليسوا وسطاء، فهؤلاء لم ولن يؤيدوك في تحرير فلسطين، بل أقصى أمانيهم هو التنديد ببعض ممارسات إسرائيل، ومن ظن غير ذلك فهو واهم. وتكلم أيضًا النفيسي أنه بعدما أصدر كتابه (الكويت: الرأي الآخر) وسحب جوازه ومنعه من العمل، وبعد أحداث مطولة استطاع الذهاب إلى الإمارات، ومن خلال سرد النفيسي تستطيع أن تقارن بين الحريات السياسية الموجودة في الإمارات آنذاك وحالها الآن! فقد أصبح أستاذاً جامعياً في مدينة العين الإماراتية، وقد طلبت منه وزارة الخارجية الإماراتية أن يشارك في ندوة عن منظمة مجلس التعاون الخليجي التي تأسست للتو، فرفض أن يشارك لأن رأيه نوعاً ما شديد حول هذه القضية، وقد أخبر الخارجية الإماراتية بذلك فرد عليه المندوب (الخارجية الإماراتية لا تُمانع أن تصدع برأيك ولو كان مخالفاً للرواية الرسمية). وتكلم في هذه الندوة "وجلد هذه المنظمة جلدًا"، وأنها ليست إلا نزولاً على الرغبة الغربية في تأسيسها، ويكمل النفيسي قائلًا: (من الغد وفي الصباح الباكر اتصل بي السيد أحمد السويدي المستشار المقرب للشيخ زايد، وطلب مني تأجيل عودتي للعين إذ إنه يرغب في دعوتي إلى الغداء في منزله لتبليغي رسالة من الشيخ زايد: (فقال لي: الشيخ زايد يسلم عليك ومسرور جداً من المحاضرة ويقول زين سوّيت فيهم وأنت في ديرتك وبين أهلك). بل قال له وزير الخارجية الإماراتي د.سيف غباش [انتبه لهذا الاسم جيداً]: (يا أخي تعال عندنا واترك الكويت فنحن أحوج لأمثالك!). الغريب أن في الندوة تكلم النفيسي عن مشكلة الندرة السكانية في دول الخليج (الإمارات على وجه التحديد) وعن استيراد عمالة أجنبية بكثرة، مما رجح الكفّة لصالح الوافدين الأجانب وجعلهم أغلبية كبيرة (large majority) فسأله د.سيف غباش ما الحل لمعالجة هذه المشكلة؟ فقال النفيسي: (الحل في اليمن، فاليمن فيه كثافة بشرية وفي الوقت نفسه اليمن قريب جغرافياً. لماذا لا تعمل الإمارات على استيراد العمالة اليمنية وهي عمالة أثبتت نجاحها في ميتشيجان "ديترويت" في الولايات المتحدة، وفي شيفيلد في إنجلترا، وثقافة اليمني وعاداته وأخلاقه ودينه ولغته قريبة جداً من المجتمع الخليجي، والبديل اليمني قطعًا أفضل من الكم الهائل من الفلبينيين والهنود والكوريين وغيرهم إلخ ...). طيب ماذا كان الرد على المُقترح؟ يكمل النفيسي: (انشرح الدكتور سيف للفكرة وتحمس لها، ووعد بتفعيلها وطرحها على الشيخ زايد، وأظن أنه فعل، وأن الشيخ زايد وافق على هذا الحل كما علمت لاحقاً). فأظن أن توطين الجالية اليمانية –الذي حصل في وقتٍ لاحق في الإمارات- كان على ضوء اقتراح النفيسي هذا. وأيضًا كما يظهر من خلال الكتاب، أن من ينهمك في السياسة قد يزهد بشكلٍ أو بآخر في الأدب، أنا أرى ذلك ماثلًا في نفسي، كلما أكثرت القراءة في الفكر أو السياسة ابتعدتُ تدريجيًا عن الأدب الروائي، وقد رأيت أن هذا الزهد في ظل الحرارة السياسية قد يكون حاضرًا لدى غيري كذلك، مثل كلام النفيسي هذا: (تداولت مع د. سيف عدة مواضيع من ضمنها إعادة النظر كليًا في هيكل جامعة العين وتخصصاتها وكلياتها، فلسنا في الخليج –كل الخليج- بحاجة لدراسة شعر الغزل في العصر العباسي حتى نستورد المختصين بالغزل أو حتى الأدب والفن. هذه ميادين لا تهتم بها المجتمعات والدول إلا إذا استكملت بنيتها التحتية والفوقية). الأولولية غالبًا ما تبعد الأدب وتجعله على ضفاف الاهتمامات. ويُلاحظ تغير أحكام النفيسي على الرموز والشخصيات مع تقدّم الزمن، ففي كتابه القديم (عندما يحكم الإسلام) تراه ينقل الإجماع على كفر الحكام، وأنهم نصبوا بدعم القوى الكافرة المتربصة بالإسلام، وفي نفس الكتاب تراه يقول عن جهيمان العتيبي (جهيمان بن محمد بن سيف العتيبي ولإخوانه الأطهار الأبرار رحمهم الله وغفر لهم). ولكن في كتاب (من أيام العمر الماضي) ترى الآية انقلبت، فهو يترحم على الحكام "الذين كفروا" (كالسادات وغيره) ويقول عن جيهمان (له عند الله ما يستحق)، وزد على ذلك حذف الكلام عن جهيمان في طبعة الكتابة الثالثة سنة 2011 فيما يبدو لي. وهنا لابد أن نفصل الشخصية عن مراحلها المتقدمة، فالنتاج الكلي هو ما استقرت عليه في ختام الأمر، وهو ينسخ ما سبق إن كان مخالفًا له. فالتغيّر قد لا يكون عيباً بحد ذاته، وإنما العيب قد يكون في كثرته. وتكلم النفيسي أيضًا عن دخوله انتخابات مجلس الأمة (البرلمان الكويتي) وفوزه ودخوله برلمان عام 1985 الذي حُل، وكان الحل بسبب ضغوطات خارجية على الكويت واشتداد المعركة بين إيران والعراق، فلم تكن الكويت -حسب وصف النفيسي- تنقصها مشاكل داخلية، فكان الحل "غير الدستوري" محاولة منها لسد جهة ضغط داخلية للتفرغ لبقية الجبهات، والنفيسي في هذا الوقت تكلّم عن نقد ذاتي وقال إنه لم يكن هنالك داعٍ للضغط على الحكومة أكثر، وإن هذا الضغط حصل بسبب عدم وجود قنوات تواصل ومكاشفة حقيقية بين الحكومة والبرلمان، وأما التراجع الثاني قوله عن مرحلة البرلمان: (قراران في حياتي ندمت عليهما أيما ندم. الأول تركي دراسة الطب في مانشستر سنة 1962 والثاني: دخولي مجلس الأمة سنة 1985). ثم طفق ينتقد أسلوب الحركات الإسلامية وأداءها السياسي، وهذا قد تطرق إليه بالتفصيل في كتابه (الحركة الإسلامية ثغرات في الطريق)، وكذا في برنامج (المقابلة) مع قناة الجزيرة سنة 2017. اللفتة الأبرز هو كلامه عن دواوين الإثنين، والديوان مجلس شعبي يجتمع فيه الناس للحوار والنقاش، وهو أشبه بالملتقى العام في بعض الدول الخليجية. أصبحت هذه الدواوين في الكويت بعد حل البرلمان سنة 1985 هي الملتقى لتوجيه رسائل السخط على قرار الحكومة، وأصبحت مكاناً لمعارضة قرار الحكومة. فعقدت الندوات واللقاءات ضد هذا الحل. اللافت للانتباه الحادثة التي حسب وصف النفيسي جعلته يغسل يده من الجماهير، يقول: (فبدأت الحديث بالقول إن الأمير لا يحق له حل المجلس بالطريقة التي تمت؛ لأن ذلك الحل هو حل غير دستوري ولأنه لم يحدد موعداً للانتخابات -ستين يوماً- كما ينص الدستور، وهذا أمرٌ مرفوض ولا ينبغي أن نقبل به). ماذا حدث بعد أن قال النفيسي كلامه هذا؟ يقول: (فجأة ظهر صوت في الخلف عند مدخل الديوان قائلًا: أنا النقيب هزاع الصلال من أمن الدولة أطلب منك دكتور عبد الله أن تكف الكلام. فقلت له: أنا ضيف عند جاسم القطامي وهذا ديوانه ولست ضيفاً عندك، وإذا طلب جاسم القطامي مني أن أكف عن الكلام فلا أمانع. فقال مندوب أمن الدولة لجاسم القطامي: أطلب من الدكتور عبد الله أن يكف عن الكلام. فقال لي جاسم القطامي: أكمل أبا مهند. فأكملت الحديث مواصلاً. فما كان من الصلال ومعه شرطيان إلا أن اخترقا الصفوف متوجهاً إلينا وعندما وصل إلينا طلب منّا مرافقته. الغريب في الأمر أن الجمهور كان متعاوناً مع الشرطة ومندوب أمن الدولة بطريقة وكأنها (تواطؤ)؛ لأنهم كانوا يفسحون الطريق لهم. ولم أسمع كلمة -مجرد كلمة!- احتجاج من هذا الجمهور الكثيف الذي قدّره جاسم القطامي فيما بعد بمفخر شويخ الصناعي بـ700 مواطن كويتي.. لا أخفي القارئ أن موقف الجمهور في ديوان القطامي وهو موقف سلبي للغاية اتجاه القضية واتجاه صاحب الديوانية الذي استضافهم لنصف قرن ولم يعترضوا حتى لفظاً على اعتقاله، دفعني للتفكير العميق في طبيعة الكويتيين وخلصت إلى قناعة: ليسعك بيتك!). هذا الموقف يصلح كمقياس لشعوب الخليج كافة، فالشعب الكويتي هو الأوعى سياسياً والذي مارس السياسة عبر أحزاب وتكتلات، وكانت هنالك هوامش من الحرية غير موجودة في بقية الدول الخليجية. مما جعله الشعب الأوعى سياسياً، ومع ذلك خذلت الجموع النخبة في قضية هم يتفقون معها في مشروعيتها. فالشعوب الخليجية من هذا النص ومن خلال مشاهدة عينية تتفق معك في المبدأ، ولكنها لا تمشي معك إلى نهاية الطريق. لياقتها ضعيفة، وهذا ما جعل جملة من النخب تشعر بالخذلان مما جعلهم ينكفئون على ذواتهم، ولا يطالبون بحقوق شعوب هي أول من يتخلى عنهم عند أول امتحان. فشخّص كل التجارب السياسية في الدول الخليجية التي تحصل حدة الخصام بين الحكومة والمعارضة إلى ذروتها، وفتش عن الجمهور تجد النتيجة ماثلة أمام عينيك وهي أنهم انتقلوا من مرحلة التأييد إلى مرحلة التفرج، ربما الطائفة الوحيدة التي تُحامي عن نخبها هم الشيعة، وهذا مشاهد. حسناً، الآن نرجع إلى اسم ذكره النفيسي وهو (الدكتور سيف غباش) وزير الخارجية الإماراتي. النفيسي يتكلم عن مرحلة تأسيس مجلس التعاون الذي أُنشى عام 1981 بينما الدكتور سيف غباش اغتيل سنة 1977! فلا يعقل أن يشارك النفيسي في ندوة عن مجلس التعاون في سنة 1983 ويلتقيه فيها الدكتور سيف بينما الدكتور سيف من المفترض أنه ميت قبلها بـ6 سنوات! أيضًا لو رجعت إلى سلسلة (الصندوق الأسود) تجد شيئاً من هذا القبيل، فمثلًا تكلم عن لقائه مع الملا عمر في أفغانستان أواخر السبعينيات، ولكن الأرجح أنها حصلت في التسعينات، بدليل أنه في ندوة في سنة 2009 بعنوان (العرب قبل وبعد الحرب على غزة) ذكر تفاصيل متشابهة لهذا اللقاء، ولكن في الندوة تكملة وهي قوله: (أنا قابلت الملا عمر شخصياً وشرفت بذلك، وهو رجل ليس من هذا العصر، كان لا يستقبل الوفود الغربية يقول لهم اذهبوا إلى كابل قابلوا وزير الخارجية بينما أنا جالس هنا في قندهار)، فدلت هذه التكملة أن الملا عمر كان آنذاك أمير دولة ولديه وزير خارجية، وهذا لم يتحصل له إلا في مرحلة التسعينيات لا في أواخر السبعينيات التي كان فيها مجرد قائد عسكري عادي غير بارز، وهذا تجده في كتاب (حياتي مع الطالبان) للملا عبد السلام ضعيف سفير الطالبان في باكستان، وهو كتاب متوفر بالعربية بالمناسبة. هذه النماذج تدل على أن الدكتور عبد الله مع تقدم العمر وكثرة الأحداث قد يخلط بين التواريخ والشخصيات أحياناً. وهذا أمر لا يسقط الشخص بالكلية؛ لأنه يحصل مع فطاحلة الحفّاظ، قد يقع لهم مثل هذا، فيحصل لديهم شيء من الاختلاط والوهم في الرواية، والمحدثون في تشخيصهم يقولون إن هذا مترادف مع الكبَر والتقدم في العمر في بعض الأحيان. وأنا شخصياً قد جالست بعض كبار السن وسجلت لهم وهم يَروون شهاداتهم لبعض الأحداث والشخصيات التي مضت منذ وقتٍ بعيد، وقد رأيت أنهم يتذكرون الحدث ولكن يقع الوهم في تسمية المكان أو الشخص أو السنة، فمن خلال قراءات سابقة مؤرخة لا تلغي هذه الشهادة بل تعمل مقاربة لها من خلال ما هو مؤرشف في الوثائق والكتب التاريخية المعتمدة، فمن خلال أسلوب المقاربة بين الروايات تُثري الرواية التاريخية بدلًا من إلغائها جملة واحدة بحجة أن صاحبها يخلط أو يَهم في الأسماء أو السنوات. وهذا يختلف جذريًا –بلا شك- عمن يكذب متعمداً أو يُدلّس متعمداً، فمثل هذا لا تؤخذ روايته ولا تقبل شهادته إلا اذا وافقت رواية غيره مثلما صنع سيد قطب في محاكمته لما استُدل عليه بأقوال أحد القياديين معه في التنظيم وهو علي عشماوي؛ فقال لا تقبل روايته إلا اذا وافقت رواية بقية القادة كما ذكر ذلك سامي جوهر في كتابه (الموتى يتكلمون). * النقطة الأخيرة من خلال الرحلة في سيرة الدكتور عبد الله النفيسي، هل غطى برنامج (الصندوق الأسود) أغلب ما في كتاب (من أيام العمر الماضي؟) الجواب: نعم بل زاد عليه الكثير من التفاصيل المهمة، فأسلوب السرد أكثر نجاعة وفاعلية في التوثيق من أسلوب الكتابة، لأن توجيه السؤال يقدح بالذاكرة في الرأس فيسترسل المجيب في الإجابة ويُطنب. وهذا أسلوب متّبع في الغرب في كتابة المذكرات، يقول الشيخ عمر بن محمود في نص طويل: (كثير من الإخوة ممن يملكون معاناة أو تجربة مهمّة ولكن تمنعهم قدراتهم من الكتابة؛ فالطريقة المعاصرة هي طريقة جيّدة من أجل تجاوز هذا العجز، وتخليد هذه الذكريات لتاريخ وللأجيال، وهي كالتالي: يحضر صاحب القضيّة التي يُراد كتابة مذكّراته أو ذكرياته أو الأحداث التي يريد أن يتكلّم بها، فيحضّر عند جلوسه من عندهم قدرة على كتابة الأسئلة، ويجلسون معه ويسألونه؛ مثلًا تبدأ بالتعريف بالشخصية: من أنت وما هي عائلتك وأين وُلدت، وهو يجيب ويتكلّم. هو لا يعرف الكتابة، هو يتكلّم كما نتكلّم نحن، وكأنه في جلسة انبساط، جلسة حديث عادية، فيتكلّم ويُسجّل له وهم يسمعون. ثم هذه الأجوبة تنتج أسئلة؛ أنت سُجنت في أي يوم؟ من سجنك؟ هم يعرفون هذا، هو ليس في ذهنه قدرة على صياغة قصة. قد لا يكون قصّاصًا جيّدًا، وبعضهم عنده القدرة على القصّ يعني أن يتكلّم، فتُسجل له الساعات؛ مائة ساعة، مائتي ساعة، وبعد ذلك يأخذون هذه الأشرطة ويفرغونها على الورق. ويبدأ بعد ذلك الترتيب؛ هذه توضع هنا، هذه تُزال، هذه تُرتّب، هذه نقطة غير بيّنة ارجع اسأله السؤال، فيحضّرون هذا السؤال مرة أخرى، وبعد ذلك يكوّنون هذا الكتاب. فالكتاب يخرج باسمه أنه ذكريات فلان. وهو لم يكتب، وإنما كتبه هؤلاء الصحفيون. عادةً هناك أناس في الغرب مختصون لهذا، وما أحد هناك من المشاهير سواء سياسي أو لاعب كرة قدم أو ممثّل إلا ويكتب مذكّراته بهذه الطريقة. لا يوجد عندهم أحد يأتي بمثل ما عندنا ويضع الكمبيوتر ويكتب مذكّراته ثم ينشرها، هذا لا وجود له، هذا انتهى عندهم) أهـ. وكذا المذكرات فهي مهمة من حيث قراءتها ومهمة من حيث كتابتها لأهل التجربة، يقول عمر عبد الحكيم في شرحه لكتاب حرب المستضعفين: (فأنا أشجع الإخوة الذين يلمسون في أنفسهم هذه المبادرة، أن يبادروا للكتابة لأننا محتاجون إلى قوّاد يكتبون ويقرأون، من أحب الكتب إلي مذكرات الزعماء، مذكرات تشرشل، مذكرات ديجول، مذكرات الإسلاميين، مذكرات العلمانيين، مذكرات الملوك: مذكرات الملك حسين، مذكرات الملك الحسن، لأنها عصارة التاريخ، وعصارة التجارب) اهـ. ثم هنالك نقاط وجدت في الكتاب لم يتطرق إليها في برنامج (الصندوق الأسود)، ولكن بعضها هامشي جداً ولا يؤثر، باستثناء نقطة مهمة جداً وأعدها من السقط، وهي لقاء النفيسي في لبنان لما كان طالباً مع المصري الغامض الذي كان يبيع الكرفتات (ربطات العنق)، والذي استضافه لاحقاً في منزله المتواضع جداً، ثم اتضح أن هذا الشخص ليس سوى قائد السرب في سلاح الجو المصري سابقاً اللواء عبد المنعم عبد الرؤوف الذي كان له الدور الرئيس في انقلاب 23 يوليو 1952، وكان عضواً في مجلس قيادة الثورة وهو الذي قام بقيادة الفرقة التي حاصرت قصر رأس التين في الإسكندرية، ونجحت في إرغام الملك السابق فاروق على التنازل عن العرش. ولما بدأ هذا الأخير يسرد ذكرياته يقول النفيسي: (في حضرته كانت سياستي "دعه يتكلم" فهذا رجل مخزون بالخبرة والقوة والفروسية. ولو تركني على حريتي لأحضرت معي آله تسجيل لأستعيد ما كان يقوله عن انقلاب 23 يوليو 1952 وعن زملائه في مجلس قيادة الثورة إلخ ...). ربما لم يتطرق إلى هذه النقطة رغم أهميتها أن عبد المنعم عبد الرؤوف قد كتب مذكراته في وقت لاحق بعنوان (أرغمت فاروق على التنازل عن العرش)، وقد نشرتها دار الزهراء للإعلام العربي. ولكن أحياناً يكون في الحوار ما هو غير موجود في الكتاب ويستفاد منه في تكميل المشهد، ومع ذلك لم تُذكر هذه الحادثة في البرنامج وأعدها هي السقط الوحيد. تكلم النفيسي في خاتمة الكتاب عن غزو الكويت، وأن ما بعد التحرير، كُوّنت لجنة لتقصي الحقائق حول الغزو، وخلصوا إلى وجود مؤشرات متكررة نقلها بعض السفراء وغيرهم إلى القيادة الكويتية تحذرهم جدياً من حصول الغزو وأن هذا الغزو لم يحدث فجأة، الأمر الذي استغربه النفيسي هو ما قاله (لم يقص أحد من المسؤولين عن منصبه ولم يحاسب ولم يحاكم؛ بل عاد الجميع إلى ما كانوا عليه، لو حدث هذا في بلد غير الكويت لكان ما كان بعده؛ لكن ماذا نقول غير: الله المستعان على هذا الهوان). وهذا مفارقة، فقد تجد في الدول الغربية لو ارتكب الوزير أو المسؤول خطئًا قد يستقيل أو يُحال الى الاستجواب والتحقيق، رغم أن هذا الخطأ قد يكون محدود الضرر، ولكن في الدول الخليجية أو العربية عموماً، قد تجد أن بعض المسؤولين قد تسبب إهمالهم في عدم الاستعداد والتحصن مما جعل الاحتلال يدخل بسهولة ويسقط الحكومة في ساعات، فخطأهم تسبب في احتلال بلد كامل، وما تلا ذلك من قتل واعتقال وتعذيب وانتهاك للأعراض ومآسٍ تجدها مؤرخة في مجموعة كبيرة من كتب التأريخ التي كتبها الكويتيون ولعل من أبرزها في نظري (الكويت وأيام الاحتلال) للمؤرخ محمد عبد الهادي جمال. فمر حدث الغزو كمرور الكرام، فلا مساءلة –رغم تشكل لجنة أثبتت حصول الأخطاء- ولا استقالة ولا محاسبة؛ بل كما قال النفيسي (لم يُقصَ أحد من المسؤولين عن منصبه). فهذه هي عقلية الحكومات العربية، والآن البعض يريد من وزير النقل أن يستقيل لأن قطارين تصادما، أو لحدوث حريق في أحد القطارات، فهذه دولة بأكملها احتلت ولم يُساءل أحد، وهؤلاء يريدون أن يُقيلوا الوزير من أجل حريق قطار! ثم لم تكن هناك أصوات تحذر من دخول العراق فقط، بل كانت هنالك أصوات علنية لا تحتاج إلى رجل استخبارات بقدر ما تحتاج إلى باحث أو راصد، تقول إن أمريكا تسعى بقوة للدخول إلى جزيرة العرب، وأن هذا ضمن خطة استراتيجية أتى صدام حسين وطبقها على طبق من ذهب، وقد جمعها الدكتور سفر الحوالي –فرج الله عنه- في كتابه الشهير (وعد كسينجر) أو يعرف أحياناً بـ(كشف الغمة عن علماء الأمة). هذا والله أعلم وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
د. عبد الله النفيسي بين سيرتين

أحمد الحمدان

[حمّل العدد 29
bit.ly/2P55Bo6
هدية العدد
bit.ly/2Y2dbEm
الأعداد والهدايا السابقة
bit.ly/2vvtufk]


في الفترة الأخيرة، كثر سؤال (هل شاهدت لقاءات النفيسي في برنامج الصندوق الأسود؟)
تكرر هذا السؤال من كذا طرف ومن أشخاص ربما لا اهتمام لهم بالسياسة، أثار لدي الفضول، وتحتم علي تحت هذا الإلحاح المتصاعد أن أمهد لمشاهدته، واضرب عصفورين بحجر.

فقرأت كتاب (من أيام العمر الماضي) كمدخل لهذه المقابلات، خصوصاً أن الكتاب يقف عند فترة زمنية معينة ولا يتجاوزها وهي (بدايات الغزو العراقي للكويت)، فقلت من الجيد أن أقرأ هذا الكتاب لمقصدين، وهي أن أجعله مقدمة لمشاهدة اللقاء، وأكمل ما وقف عنده الكتاب، وأن أقارن ما بين أسلوب (الكتابة) و(الإلقاء) في التدوين.
وبعد أن أنهيت الكتاب، تصفحت في وجوه مكتبتي، لأختار الكتاب القادم، فظهر لي كتاب آخر عن سيرة النفيسي وهو للصحفي السعودي علي العميم (النفيسي رجل الفكرة والتقلبات.. سيرة غير تبجيليّة). فقلت في نفسي إن لم أقرأ هذا الكتاب الآن فلن أقرأه في قادم الأيام، هذه فرصة أن أضرب الحديد وهو ساخن.

وبعد أن أنهيت كتاب العميم، أتت في ذهني عبارتان، الأولى (لم أرَ منك خيراً قط) ورأيت أن هذا اللفظ يصلح عنواناً للكتاب، فالكتاب باختصار هو تجميع لسقطات الرجل وإن لم توجد سقطات اختلقها لك اختلاقاً، ولا يقف عند ما هو منصوص بل يستنطق ما لم يدل عليه النص! ويخرجه عن مداه وحده ومدلوله ليقول لك في النهاية: هذا هو تاريخ النفيسي!

وزد على ذلك الجزم فيما يتعلق بواطن النيات (النفيسي يقصد كذا والنفيسي فعل كذا لأجل كذا).
فرأيت أن هذا الكتاب حتى وإن أتى بنقدٍ موضوعي في بعض الجزئيات، إلا أن ما يعكره عموماً هو النفسية الناقمة التي تجعل من القارئ متعاطفاً مع الشخص المنقود أكثر من أن يتقبل هذا النقد وإن كان صحيحًا، ومن تصفح خانة المراجعات على موقع (goodreads) ورأى تعليقات القرّاء خلصَ الى نفس النتيجة.

أما العبارة الأخرى فهي: (إن لم تكتب تاريخك كتبه غيرك). وأحياناً تلك الكتابة قد تكون المصدر الوحيد المتوفر عنك، ومع شح المصادر قد يضطر الباحث اضطراراً أن يعتمد عليها في تقريب الصورة. وهذا الخطأ غالبًا ما يقع فيه المؤثرون وأصحاب التجارب، فالبعض يقع في ورع بارد وسخيف، ليقول لك: من أنا حتى أكتب مذكراتي؟! مظهراً شيئاً من ورعه وتواضعه في غير موضعه.

فالمتردية والنطيحة قد كتبوا مذكراتهم وحتى من لا تأثير له ومن لا قيمة له، فلماذا يسترخص الشخص نفسه ويجعلها في مقام أقل من مقام هؤلاء؟! ثم إن لم تكتبها لهذا السبب، اكتبها بدافع حب الخير للآخرين على الأقل! فالشخص الذي مر بتجارب وسقطات وأخطاء من الجيد أن ينبه الناس عليها، فاكتب هذه المذكرات وما فيها محاولًا استنقاذ كل من يمكن استنقاذه! وأن تقي من كان بإمكانه أن يقع في نفس المطب الذي وقعت به.

الآن، بعدما كتب النفيسي مذكراته، بالله عليك من يريد أن يقتني كتاب علي العميم؟ فالماء يغني عن التيمم، فكتاب النفيسي هو بالضرورة إزاحة للكتاب الآخر.

حسناً، هل أصاب علي العميم في "بعض" انتقاداته للنفيسي؟ الجواب: نعم.

كنا نقول ولا زلنا نقول، أن (العقيدة والفقه والحديث إلخ ...) مقدمة على الفكر الإسلامي، لأنها تحدد المسار وتضبطه، فحينئذ الشخص يضبط الفكر بناءً على النص ومخرجاته، ولكن إذا لم يكن يعرف النصوص كيف يمكن أن يضبط الفكر؟ ولا يلزم أن يتخصص الشخص في كل العلوم بل يكفي الإلمام بالأساسيات.

النفيسي لم تتهيأ له الفرصة لأن يؤسس نفسه شرعياً، ودخل المعترك الإسلامي من البوابة الحزبية والعمل الطلابي ابتداءً. وهذا له أثره في اضطراب النفيسي، وهذا الاضطراب أوضحه العميم في عرضه لكتابين صدرا بنفس العام (عندما يحكم الإسلام) و(مجلس التعاون الخليجي .. الإطار السياسي والاستراتيجي) ببيان أوجه التعارض وعدم التزام النفيسي بكلامه الأوّل.

وأظن أن ما يمكن أن يُضاف هو تغيّر آليات التغيير المحبذة لدى النفيسي عبر امتداد الوقت، وهذا لا يجزم به ولكن يلتمس من مدحه للتنظيمات، فأولًا مارس السياسة عبر البرلمان ثم آمن أنها طريق غير سوي لتطبيق الإسلام وأن من يظن ذلك هو واهم، ثم نصحه لحماس عدم دخول السياسة والاستمرار بالقتال والجهاد (سنة 2005)، ثم في وقت لاحق قال الحل هي القاعدة وليست حماس (سنة 2009)، ثم في نهاية المطاف خلص أن النموذج الأقرب هو نموذج حزب العدالة والتنمية في تركيا (سنة 2017).

التغير في تبني آليات التغيير قد لا يتم عن إيمان جازم بها أو قناعة تامة، وهذا سبب التغير من عمل سياسي ثم ثوري أو جهادي ثم سياسي بوجهٍ آخر. ولكن نحن نتكلم عن كتاب (من أيام العمر الماضي) الذي ربما يكون من أواخر كتبه التي تمثل خلاصة فكره، وقد ذكر فيه أن التغيير يجب أن يكون من الأسفل، وأن إيمان الناس بأفكار معينة هو ما يفرض على من هم في الأعلى تطبيق توجهات من هم بالأسفل.

وهذا قول مثالي لا واقعي، والسبب أنه لا توجد دولة سوف تتركك تبث أفكارك ومبادئك في الناس حتى تكون لك قاعدة جماهيرية كبيرة تضغط عليها وتؤثر عليها وتجعلها تطبق الإسلام وتحكم الشريعة وتبث العدل وتقضي على المحسوبية والفساد، فالحكومات مستعدة أن تبذل الغالي والنفيس من أجل أن تعزلك عن الجمهور وأن تجعل أثرك محدوداً أو أن تشوه صورتك وتغتالك إعلامياً إن أبيت الانصياع أو تعتقلك، فالخلاصة أن الدولة لها أدوات وأساليب تُلغي أي محاولة تأثير وضغط وتركيع لها. وجميع الحركات الإسلامية التي حاولت التغيير من الأسفل لابد أن تسأل نفسها ماذا كانت النتيجة بعد مرور عقود من هذا التصور؟! لم يزدَدِ الناس إلا بُعداً، فأنت تبني والدولة بسياستها تهدم فكأنك تحرث في الماء.

وكتاب علي العميم عن النفيسي نشر عام 2012، وهو مستل من كتابه الضخم الآخر (شيء من النقد شيء من التاريخ: آراء في الحداثة والصحوة وفي الليبرالية واليسار)، وجزئية النفيسي هذه كتبها عبر حلقات في مجلة (المجلة) من أكتوبر/2004 عبر ثلاث حلقات، أي أنها بعد ظهور عبد الله النفيسي المتكرر على قناة الجزيرة في فترة الأحداث في السعودية سنة 2003-2004 وانتقاده المتكرر للسعودية. ربما هذا الكتاب هو ردة فعل على هذه اللقاءات؛ فالكتاب لم يصدر حديثًا وهذا واضح من المقدمة من أجل ذلك تراه لم يضمن العديد من المواقف والتصريحات التي قالها النفيسي بعد 2004 والتي قد تصب في خانة انتقادات المؤلف.

حسناً، علي العميم كما يظهر أنه شخص مُطّلع، وناقد، ولكنه متكلف، ولا يكتفي بالظاهر أحياناً للحكم بل ينبش عن الباطن ولا يكتفي بالظن بل يجزم أن مقصده كذا!

ولكن كتابه سلط الضوء على أمور ربما النفيسي لم يفصّل فيها في مذكراته لاحقاً، وهي العلاقة مع جماعة جهيمان. وهذه الجزئية على وجه الخصوص شطحَ فيها بعيداً عن النفيسي؛ إذ هي زاوية نقد مشترك ما بين النفيسي واليسار المتمثل بدار الطليعة ومن يدعمها، فاستطرد هنا بنقد اليسار والازدواجية في أحكامه وأفعاله.

أما كتاب الدكتور عبد الله النفيسي (من أيام العمر الماضي) ويقع في (184) صفحة من طبعة مكتبة آفاق الكويتية التي طبعت الكثير من كتب النفيسي، وهي للأسف مكتبة سيئة الإخراج، لا تُكلِف نفسها تدقيق النص بل تطبعه بأخطائهِ كما أرسله المؤلف.

وهي الجزء الأول من مذكراته وانتهت تقريباً مع حل مجلس "الأمة" وبداية الغزو العراقي، فلم يذكر النفيسي مشاهدته في الغزو العراقي بقدر ما أجاب على سؤال وهو عنوان الفصل الأخير (الغزو العراقي للكويت: هل كان مفاجأة)؟ والذي برهن فيه أن الغزو لم يكن مفاجئًا بل هنالك شواهد حسية حقيقة لاستعداد العراق لغزو الكويت، وقد تجاهلتها الحكومة الكويتية وأدت في النهاية الى هذه الكارثة.

هذه المذكرات لم يبدأ فيها النفيسي منذ النشأة والجذور العائلية وتاريخ العائلة، بل أول ما بدأ بهِ هو رحلته في (مدرسة فكتوريا) الإنجليزية في مصر منذ 1951 الى 1961 (أنهي المراحل التعليمية الثلاث فيها).

يقول النفيسي إن مستوى التعليم في هذه المدرسة ليس بالجودة المطلوبة ولم يكن هو الهدف الرئيس من هذه المدرسة، بل الهدف من تأسيس مدارس كهذه هو إنشاء جيل موالٍ للثقافة الغربية ولكن بأسماء عربية، فكانت هذه المدرسة حريصة على أن يكون التعلّم كله بالإنجليزي وأن تُدرّس الثقافة الغربية في الأدب والفن، وتُعاقِب بصرامة من ضُبِطَ وهو يتكلم بالعربية مع زميله وتلزم الطالب كعقاب له أن يكتب (I must not speak Arabic) مئة أو مئتي مرة، مما يجعل يد الطالب تخدر من كثرة التكرار فيحرّم الكلام بالعربية.

وهذا ما جعل النفيسي ينشأ نشأة جاهلة جهلاً مركباً في الدين واللغة العربية، فسنوات التأسيس الأولى قضاها في جو بعيد عن الدين وعن الثقافة، وهذا ما جعله يجاوز العاشرة وهو لا يعرف الوضوء ولا يحفظ شيئًا من القرآن، ولا يعرف أساسيات اللغة العربية، مما أبعد عنه فرصة الدخول إلى الأزهر أو كلية الشريعة في دمشق في وقت لاحق.
ويستفيد الشخص من هذه التجارب، أن قذف الطالب في مدارس خاصة ذات توجه غربي محض، دون حتى رعاية ولا مراقبة ولا توجيه، غالباً لن يخرج الشخص إلا غربياً أكثر من الغربيين أنفسهم، جاهلًا بثقافته محتقراً لها، لا يعرف أساسيات دينه ولا لغته ولا يربطه بهذه الأمة رابط طالما فقد الشخص أدوات التواصل معها.

والخط العريض لهذه المذكرات هي السيرة التعليمية والسياسية على وجهٍ خاص، لذلك لا تجد ذكراً للعائلة وأفرادها ولا قصة الزواج ولا طريقة تنشئة الأبناء (كما هو الحال في رحلة الدكتور عبد الوهاب المسيري)، فكان خط المذكرات للنفيسي يبدأ من الدراسة في مصر ثم إنجلترا (مانشستر) ثم قفل راجعاً الى الكويت، ثم الدراسة في لبنان ثم الدكتوراة في إنجلترا، ثم التدريس في الكويت وفي أحد المعاهد البريطانية، ثم جامعة العين الإماراتية ثم الدخول في البرلمان ثم الغزو العراقي.

أسلوب النفيسي في الطرح "أسلوب شعبوي"، فهو يتكلم في مسائل معقدة باللهجة العامية، لذا تجد جمهورًا عريضًا له، لأنه يتكلم في أمور معقدة بأسلوب يفهمه الكثير. وبالأخص الأفراد غير المتخصصين في هذا المجال وهم جمهور الناس. (وحبذا لو تراجع كلام أحمد سمير في كتابه "معركة الأحرار" عن نجاعة هذا الأسلوب).

وهذا الأسلوب الشعوبي لا يخلو من طرافة، ولا يخلو من الكلام بالعامية وعدم الالتزام بالنص الفصيح وهذا ما يجعل غير الكويتي أو الخليجي لا يفهم ما المقصود من بعض الحوارت مثل ما هو موجود في ملحق الصور، استغرب النفيسي من نشاط أحد كبار السن العمانيين، فسأله عن سر ذلك فقال له (وخر عن الأچل الدسم والنسا) فرد عليه النفيسي: (هذه چايدة) فالرجل الكبير يقول له ابتعد عن الأكل الدسم والنساء فالنفيسي يقول هذه صعبة وعلى هذا قس.

ويظهر لي أن هذه المذكرات هي من كتابة النفيسي شخصياً، أي أنها ليست نتائج سلسلة لقاءات صوتية ثم تفريغها على شكل كتاب. وعادةً من سلك هذا المسلك تضعف لياقته مع طول الأحداث وتفاصيلها. فتجد في بداية الكتاب تفاصيل كثيرة وفي نهايته اختصارًا وقفزًا على المراحل. تستطيع أن تقارن مثلًا مواضيع الطرح في هذا الكتاب وسلسلة لقاءات في (الصندوق الأسود) تجد أن النفيسي في اللقاءات المرئية أكثر انبساطا وتفصيلاً من الكتاب.

حسناً، في فترة مانشستر، تخصص النفيسي في دراسة الطب وأبلى بلاءً حسناً، ولكن أقدار الله شاءت أن يترك هذا كلياً بقصة حصلت له، وهي مروره على محل لبيع الكتب المستعملة ورؤيته كتاباً مستعملاً اسمه (لماذا لستُ مسيحياً) للفليسوف برتراند راسل، فكان يُنظّر لفكرة الإلحاد من هذا الكتاب في نقد الأديان والمسيحية على وجه الخصوص. أدى هذا إلى زرع بذرة الشك لدى النفيسي، الذي لم يجد بُداً من الرجوع إلى الكويت وترك الدراسة وخسران البعثة، من أجل القراءة عن الإسلام. ومن هنا يعرف الشخص أهمية برامج (صناعة المحاور) التي تقي الشخص مثل هذه المزالق وتختصر عليه الطريق والوقت والجهد.

وفي فترة بيروت عندما التحق النفيسي ببعثة لدراسة العلوم السياسية في الجامعة الأمريكية، كانت تلك الحقبة تموج بالحراك السياسي والطلابي، ويذكر النفيسي هنا مفارقة بين بيروت ومانشستر فيقول: (وفجأة ارتفع صوت الأذان من مسجد قريب في بيروت.. فاغرورقت عيني من الفرح، وتذكرت مانشستر حيث لا يسمع هذا الصوت).

تكرار الأذان وحضوره الدائم يجعلك لا تعرف قيمته إلا إذا سكنت في مكان تبقى فيه بالشهور والسنوات لا تسمعه. فالأذان نعمة لا يُقدّر البعض قيمتها إلا بفقدانها.

وفي تلك الحقبة احتك النفيسي بجهابذة القومية العربية واليسار في هيئة التدريس بالجامعة الأمريكية في بيروت، من بينهم مؤرخ الحزب الشيوعي للعراق حنا بطاطو وفايز الصائغ وصادق جلال العظم وغيرهم، وكل هؤلاء وقعت له معهم قصة، ولعل أبرزها في نظري التي مع فايز الصائغ، والذي كلفه بجمع قرارات الأمم المتحدة المتعلقة بإسرائيل منذ 1948 حتى 1965، هذه التجربة أفادت النفيسي كثيراً فتراه يقول:
(كانت مهمة مفيدة لي شخصيًا لأنها أطلعتني على سُخف مقولة "الشرعية الدولية" و"القانون الدولي" و"المنظمة الدولية" وتفاهة القرارات الصادرة عنها، وأقنعتني هذه المهمة بأن سياسات القوة هي السائدة في العالم وأن اللهاث وراء سراب ميثاق الأمم المتحدة أو غيره من المواثيق ما هو إلا إطالة عمر الظلم الفادح الذي تتحمله الشعوب المستضعفة).

البعض لا يريد أن يتعلم من تجارب من سبقوهُ للوصول إلى هذه النتيجة، لابد أن يمر بمرحلة تعليق الأمل بهم ثم يكتشف مع الوقت أنهم متواطئون أو في أحسن الأحوال سراب، رأس ماله الإنكار والشجب، الذي لا يغير من المعادلة شيئًا على الأرض.

حقاً كما قال أحدهم "منطق السياسة في أيامنا لا يحترم إلا أصحاب الأقدام الثقيلة". وحبذا لو ترجع إلى كتاب (تحت وابل النيران في سراييفو) للصحفي أحمد منصور، ورؤية موقف الساسة البوسنيين من دور الأمم المتحدة في الأزمة البوسنية.

في سوريا البعض احتاج سنوات ودماء وفاتورة كبيرة حتى يعلم أن ما يسمى بـ(أصدقاء سوريا) لا قيمة لهم ولا تأثير ولا نفع! وأن منظمة الأمم المتحدة لم تستطع أن تنقذ الناس من الحصار ولا أن تمنع القصف، ولم تستطع أن تفرض حصاراً حقيقياً على النظام حتى يسقط. ولا تجيد إلا التنديد والوعود الفارغة، وفي أي تجربة قادمة في المستقبل من يعلّق الأمل على هؤلاء فهو كمن اتكل ولم يتوكل.

إن تحرير فلسطين لن يتم إلا بعد التوصيف الحقيقي للدول الغربية، وأنهم في خندق العدو وليسوا وسطاء، فهؤلاء لم ولن يؤيدوك في تحرير فلسطين، بل أقصى أمانيهم هو التنديد ببعض ممارسات إسرائيل، ومن ظن غير ذلك فهو واهم.

وتكلم أيضًا النفيسي أنه بعدما أصدر كتابه (الكويت: الرأي الآخر) وسحب جوازه ومنعه من العمل، وبعد أحداث مطولة استطاع الذهاب إلى الإمارات، ومن خلال سرد النفيسي تستطيع أن تقارن بين الحريات السياسية الموجودة في الإمارات آنذاك وحالها الآن!

فقد أصبح أستاذاً جامعياً في مدينة العين الإماراتية، وقد طلبت منه وزارة الخارجية الإماراتية أن يشارك في ندوة عن منظمة مجلس التعاون الخليجي التي تأسست للتو، فرفض أن يشارك لأن رأيه نوعاً ما شديد حول هذه القضية، وقد أخبر الخارجية الإماراتية بذلك فرد عليه المندوب (الخارجية الإماراتية لا تُمانع أن تصدع برأيك ولو كان مخالفاً للرواية الرسمية).

وتكلم في هذه الندوة "وجلد هذه المنظمة جلدًا"، وأنها ليست إلا نزولاً على الرغبة الغربية في تأسيسها، ويكمل النفيسي قائلًا: (من الغد وفي الصباح الباكر اتصل بي السيد أحمد السويدي المستشار المقرب للشيخ زايد، وطلب مني تأجيل عودتي للعين إذ إنه يرغب في دعوتي إلى الغداء في منزله لتبليغي رسالة من الشيخ زايد: (فقال لي: الشيخ زايد يسلم عليك ومسرور جداً من المحاضرة ويقول زين سوّيت فيهم وأنت في ديرتك وبين أهلك). بل قال له وزير الخارجية الإماراتي د.سيف غباش [انتبه لهذا الاسم جيداً]: (يا أخي تعال عندنا واترك الكويت فنحن أحوج لأمثالك!).

الغريب أن في الندوة تكلم النفيسي عن مشكلة الندرة السكانية في دول الخليج (الإمارات على وجه التحديد) وعن استيراد عمالة أجنبية بكثرة، مما رجح الكفّة لصالح الوافدين الأجانب وجعلهم أغلبية كبيرة (large majority) فسأله د.سيف غباش ما الحل لمعالجة هذه المشكلة؟ فقال النفيسي: (الحل في اليمن، فاليمن فيه كثافة بشرية وفي الوقت نفسه اليمن قريب جغرافياً. لماذا لا تعمل الإمارات على استيراد العمالة اليمنية وهي عمالة أثبتت نجاحها في ميتشيجان "ديترويت" في الولايات المتحدة، وفي شيفيلد في إنجلترا، وثقافة اليمني وعاداته وأخلاقه ودينه ولغته قريبة جداً من المجتمع الخليجي، والبديل اليمني قطعًا أفضل من الكم الهائل من الفلبينيين والهنود والكوريين وغيرهم إلخ ...).

طيب ماذا كان الرد على المُقترح؟ يكمل النفيسي: (انشرح الدكتور سيف للفكرة وتحمس لها، ووعد بتفعيلها وطرحها على الشيخ زايد، وأظن أنه فعل، وأن الشيخ زايد وافق على هذا الحل كما علمت لاحقاً).

فأظن أن توطين الجالية اليمانية –الذي حصل في وقتٍ لاحق في الإمارات- كان على ضوء اقتراح النفيسي هذا.
وأيضًا كما يظهر من خلال الكتاب، أن من ينهمك في السياسة قد يزهد بشكلٍ أو بآخر في الأدب، أنا أرى ذلك ماثلًا في نفسي، كلما أكثرت القراءة في الفكر أو السياسة ابتعدتُ تدريجيًا عن الأدب الروائي، وقد رأيت أن هذا الزهد في ظل الحرارة السياسية قد يكون حاضرًا لدى غيري كذلك، مثل كلام النفيسي هذا: (تداولت مع د. سيف عدة مواضيع من ضمنها إعادة النظر كليًا في هيكل جامعة العين وتخصصاتها وكلياتها، فلسنا في الخليج –كل الخليج- بحاجة لدراسة شعر الغزل في العصر العباسي حتى نستورد المختصين بالغزل أو حتى الأدب والفن. هذه ميادين لا تهتم بها المجتمعات والدول إلا إذا استكملت بنيتها التحتية والفوقية).

الأولولية غالبًا ما تبعد الأدب وتجعله على ضفاف الاهتمامات.

ويُلاحظ تغير أحكام النفيسي على الرموز والشخصيات مع تقدّم الزمن، ففي كتابه القديم (عندما يحكم الإسلام) تراه ينقل الإجماع على كفر الحكام، وأنهم نصبوا بدعم القوى الكافرة المتربصة بالإسلام، وفي نفس الكتاب تراه يقول عن جهيمان العتيبي (جهيمان بن محمد بن سيف العتيبي ولإخوانه الأطهار الأبرار رحمهم الله وغفر لهم).

ولكن في كتاب (من أيام العمر الماضي) ترى الآية انقلبت، فهو يترحم على الحكام "الذين كفروا" (كالسادات وغيره) ويقول عن جيهمان (له عند الله ما يستحق)، وزد على ذلك حذف الكلام عن جهيمان في طبعة الكتابة الثالثة سنة 2011 فيما يبدو لي. وهنا لابد أن نفصل الشخصية عن مراحلها المتقدمة، فالنتاج الكلي هو ما استقرت عليه في ختام الأمر، وهو ينسخ ما سبق إن كان مخالفًا له. فالتغيّر قد لا يكون عيباً بحد ذاته، وإنما العيب قد يكون في كثرته.

وتكلم النفيسي أيضًا عن دخوله انتخابات مجلس الأمة (البرلمان الكويتي) وفوزه ودخوله برلمان عام 1985 الذي حُل، وكان الحل بسبب ضغوطات خارجية على الكويت واشتداد المعركة بين إيران والعراق، فلم تكن الكويت -حسب وصف النفيسي- تنقصها مشاكل داخلية، فكان الحل "غير الدستوري" محاولة منها لسد جهة ضغط داخلية للتفرغ لبقية الجبهات، والنفيسي في هذا الوقت تكلّم عن نقد ذاتي وقال إنه لم يكن هنالك داعٍ للضغط على الحكومة أكثر، وإن هذا الضغط حصل بسبب عدم وجود قنوات تواصل ومكاشفة حقيقية بين الحكومة والبرلمان، وأما التراجع الثاني قوله عن مرحلة البرلمان: (قراران في حياتي ندمت عليهما أيما ندم. الأول تركي دراسة الطب في مانشستر سنة 1962 والثاني: دخولي مجلس الأمة سنة 1985).

ثم طفق ينتقد أسلوب الحركات الإسلامية وأداءها السياسي، وهذا قد تطرق إليه بالتفصيل في كتابه (الحركة الإسلامية ثغرات في الطريق)، وكذا في برنامج (المقابلة) مع قناة الجزيرة سنة 2017.

اللفتة الأبرز هو كلامه عن دواوين الإثنين، والديوان مجلس شعبي يجتمع فيه الناس للحوار والنقاش، وهو أشبه بالملتقى العام في بعض الدول الخليجية. أصبحت هذه الدواوين في الكويت بعد حل البرلمان سنة 1985 هي الملتقى لتوجيه رسائل السخط على قرار الحكومة، وأصبحت مكاناً لمعارضة قرار الحكومة. فعقدت الندوات واللقاءات ضد هذا الحل.

اللافت للانتباه الحادثة التي حسب وصف النفيسي جعلته يغسل يده من الجماهير، يقول: (فبدأت الحديث بالقول إن الأمير لا يحق له حل المجلس بالطريقة التي تمت؛ لأن ذلك الحل هو حل غير دستوري ولأنه لم يحدد موعداً للانتخابات -ستين يوماً- كما ينص الدستور، وهذا أمرٌ مرفوض ولا ينبغي أن نقبل به).

ماذا حدث بعد أن قال النفيسي كلامه هذا؟

يقول: (فجأة ظهر صوت في الخلف عند مدخل الديوان قائلًا: أنا النقيب هزاع الصلال من أمن الدولة أطلب منك دكتور عبد الله أن تكف الكلام. فقلت له: أنا ضيف عند جاسم القطامي وهذا ديوانه ولست ضيفاً عندك، وإذا طلب جاسم القطامي مني أن أكف عن الكلام فلا أمانع. فقال مندوب أمن الدولة لجاسم القطامي: أطلب من الدكتور عبد الله أن يكف عن الكلام. فقال لي جاسم القطامي: أكمل أبا مهند. فأكملت الحديث مواصلاً. فما كان من الصلال ومعه شرطيان إلا أن اخترقا الصفوف متوجهاً إلينا وعندما وصل إلينا طلب منّا مرافقته. الغريب في الأمر أن الجمهور كان متعاوناً مع الشرطة ومندوب أمن الدولة بطريقة وكأنها (تواطؤ)؛ لأنهم كانوا يفسحون الطريق لهم. ولم أسمع كلمة -مجرد كلمة!- احتجاج من هذا الجمهور الكثيف الذي قدّره جاسم القطامي فيما بعد بمفخر شويخ الصناعي بـ700 مواطن كويتي.. لا أخفي القارئ أن موقف الجمهور في ديوان القطامي وهو موقف سلبي للغاية اتجاه القضية واتجاه صاحب الديوانية الذي استضافهم لنصف قرن ولم يعترضوا حتى لفظاً على اعتقاله، دفعني للتفكير العميق في طبيعة الكويتيين وخلصت إلى قناعة: ليسعك بيتك!).

هذا الموقف يصلح كمقياس لشعوب الخليج كافة، فالشعب الكويتي هو الأوعى سياسياً والذي مارس السياسة عبر أحزاب وتكتلات، وكانت هنالك هوامش من الحرية غير موجودة في بقية الدول الخليجية. مما جعله الشعب الأوعى سياسياً، ومع ذلك خذلت الجموع النخبة في قضية هم يتفقون معها في مشروعيتها.

فالشعوب الخليجية من هذا النص ومن خلال مشاهدة عينية تتفق معك في المبدأ، ولكنها لا تمشي معك إلى نهاية الطريق. لياقتها ضعيفة، وهذا ما جعل جملة من النخب تشعر بالخذلان مما جعلهم ينكفئون على ذواتهم، ولا يطالبون بحقوق شعوب هي أول من يتخلى عنهم عند أول امتحان.

فشخّص كل التجارب السياسية في الدول الخليجية التي تحصل حدة الخصام بين الحكومة والمعارضة إلى ذروتها، وفتش عن الجمهور تجد النتيجة ماثلة أمام عينيك وهي أنهم انتقلوا من مرحلة التأييد إلى مرحلة التفرج، ربما الطائفة الوحيدة التي تُحامي عن نخبها هم الشيعة، وهذا مشاهد.

حسناً، الآن نرجع إلى اسم ذكره النفيسي وهو (الدكتور سيف غباش) وزير الخارجية الإماراتي. النفيسي يتكلم عن مرحلة تأسيس مجلس التعاون الذي أُنشى عام 1981 بينما الدكتور سيف غباش اغتيل سنة 1977! فلا يعقل أن يشارك النفيسي في ندوة عن مجلس التعاون في سنة 1983 ويلتقيه فيها الدكتور سيف بينما الدكتور سيف من المفترض أنه ميت قبلها بـ6 سنوات!

أيضًا لو رجعت إلى سلسلة (الصندوق الأسود) تجد شيئاً من هذا القبيل، فمثلًا تكلم عن لقائه مع الملا عمر في أفغانستان أواخر السبعينيات، ولكن الأرجح أنها حصلت في التسعينات، بدليل أنه في ندوة في سنة 2009 بعنوان (العرب قبل وبعد الحرب على غزة) ذكر تفاصيل متشابهة لهذا اللقاء، ولكن في الندوة تكملة وهي قوله: (أنا قابلت الملا عمر شخصياً وشرفت بذلك، وهو رجل ليس من هذا العصر، كان لا يستقبل الوفود الغربية يقول لهم اذهبوا إلى كابل قابلوا وزير الخارجية بينما أنا جالس هنا في قندهار)، فدلت هذه التكملة أن الملا عمر كان آنذاك أمير دولة ولديه وزير خارجية، وهذا لم يتحصل له إلا في مرحلة التسعينيات لا في أواخر السبعينيات التي كان فيها مجرد قائد عسكري عادي غير بارز، وهذا تجده في كتاب (حياتي مع الطالبان) للملا عبد السلام ضعيف سفير الطالبان في باكستان، وهو كتاب متوفر بالعربية بالمناسبة.

هذه النماذج تدل على أن الدكتور عبد الله مع تقدم العمر وكثرة الأحداث قد يخلط بين التواريخ والشخصيات أحياناً. وهذا أمر لا يسقط الشخص بالكلية؛ لأنه يحصل مع فطاحلة الحفّاظ، قد يقع لهم مثل هذا، فيحصل لديهم شيء من الاختلاط والوهم في الرواية، والمحدثون في تشخيصهم يقولون إن هذا مترادف مع الكبَر والتقدم في العمر في بعض الأحيان.

وأنا شخصياً قد جالست بعض كبار السن وسجلت لهم وهم يَروون شهاداتهم لبعض الأحداث والشخصيات التي مضت منذ وقتٍ بعيد، وقد رأيت أنهم يتذكرون الحدث ولكن يقع الوهم في تسمية المكان أو الشخص أو السنة، فمن خلال قراءات سابقة مؤرخة لا تلغي هذه الشهادة بل تعمل مقاربة لها من خلال ما هو مؤرشف في الوثائق والكتب التاريخية المعتمدة، فمن خلال أسلوب المقاربة بين الروايات تُثري الرواية التاريخية بدلًا من إلغائها جملة واحدة بحجة أن صاحبها يخلط أو يَهم في الأسماء أو السنوات.

وهذا يختلف جذريًا –بلا شك- عمن يكذب متعمداً أو يُدلّس متعمداً، فمثل هذا لا تؤخذ روايته ولا تقبل شهادته إلا اذا وافقت رواية غيره مثلما صنع سيد قطب في محاكمته لما استُدل عليه بأقوال أحد القياديين معه في التنظيم وهو علي عشماوي؛ فقال لا تقبل روايته إلا اذا وافقت رواية بقية القادة كما ذكر ذلك سامي جوهر في كتابه (الموتى يتكلمون).
*

النقطة الأخيرة من خلال الرحلة في سيرة الدكتور عبد الله النفيسي، هل غطى برنامج (الصندوق الأسود) أغلب ما في كتاب (من أيام العمر الماضي؟) الجواب: نعم بل زاد عليه الكثير من التفاصيل المهمة، فأسلوب السرد أكثر نجاعة وفاعلية في التوثيق من أسلوب الكتابة، لأن توجيه السؤال يقدح بالذاكرة في الرأس فيسترسل المجيب في الإجابة ويُطنب.

وهذا أسلوب متّبع في الغرب في كتابة المذكرات، يقول الشيخ عمر بن محمود في نص طويل: (كثير من الإخوة ممن يملكون معاناة أو تجربة مهمّة ولكن تمنعهم قدراتهم من الكتابة؛ فالطريقة المعاصرة هي طريقة جيّدة من أجل تجاوز هذا العجز، وتخليد هذه الذكريات لتاريخ وللأجيال، وهي كالتالي:

يحضر صاحب القضيّة التي يُراد كتابة مذكّراته أو ذكرياته أو الأحداث التي يريد أن يتكلّم بها، فيحضّر عند جلوسه من عندهم قدرة على كتابة الأسئلة، ويجلسون معه ويسألونه؛ مثلًا تبدأ بالتعريف بالشخصية: من أنت وما هي عائلتك وأين وُلدت، وهو يجيب ويتكلّم. هو لا يعرف الكتابة، هو يتكلّم كما نتكلّم نحن، وكأنه في جلسة انبساط، جلسة حديث عادية، فيتكلّم ويُسجّل له وهم يسمعون.

ثم هذه الأجوبة تنتج أسئلة؛ أنت سُجنت في أي يوم؟ من سجنك؟ هم يعرفون هذا، هو ليس في ذهنه قدرة على صياغة قصة. قد لا يكون قصّاصًا جيّدًا، وبعضهم عنده القدرة على القصّ يعني أن يتكلّم، فتُسجل له الساعات؛ مائة ساعة، مائتي ساعة، وبعد ذلك يأخذون هذه الأشرطة ويفرغونها على الورق. ويبدأ بعد ذلك الترتيب؛ هذه توضع هنا، هذه تُزال، هذه تُرتّب، هذه نقطة غير بيّنة ارجع اسأله السؤال، فيحضّرون هذا السؤال مرة أخرى، وبعد ذلك يكوّنون هذا الكتاب.

فالكتاب يخرج باسمه أنه ذكريات فلان. وهو لم يكتب، وإنما كتبه هؤلاء الصحفيون. عادةً هناك أناس في الغرب مختصون لهذا، وما أحد هناك من المشاهير سواء سياسي أو لاعب كرة قدم أو ممثّل إلا ويكتب مذكّراته بهذه الطريقة. لا يوجد عندهم أحد يأتي بمثل ما عندنا ويضع الكمبيوتر ويكتب مذكّراته ثم ينشرها، هذا لا وجود له، هذا انتهى عندهم) أهـ.

وكذا المذكرات فهي مهمة من حيث قراءتها ومهمة من حيث كتابتها لأهل التجربة، يقول عمر عبد الحكيم في شرحه لكتاب حرب المستضعفين: (فأنا أشجع الإخوة الذين يلمسون في أنفسهم هذه المبادرة، أن يبادروا للكتابة لأننا محتاجون إلى قوّاد يكتبون ويقرأون، من أحب الكتب إلي مذكرات الزعماء، مذكرات تشرشل، مذكرات ديجول، مذكرات الإسلاميين، مذكرات العلمانيين، مذكرات الملوك: مذكرات الملك حسين، مذكرات الملك الحسن، لأنها عصارة التاريخ، وعصارة التجارب) اهـ.

ثم هنالك نقاط وجدت في الكتاب لم يتطرق إليها في برنامج (الصندوق الأسود)، ولكن بعضها هامشي جداً ولا يؤثر، باستثناء نقطة مهمة جداً وأعدها من السقط، وهي لقاء النفيسي في لبنان لما كان طالباً مع المصري الغامض الذي كان يبيع الكرفتات (ربطات العنق)، والذي استضافه لاحقاً في منزله المتواضع جداً، ثم اتضح أن هذا الشخص ليس سوى قائد السرب في سلاح الجو المصري سابقاً اللواء عبد المنعم عبد الرؤوف الذي كان له الدور الرئيس في انقلاب 23 يوليو 1952، وكان عضواً في مجلس قيادة الثورة وهو الذي قام بقيادة الفرقة التي حاصرت قصر رأس التين في الإسكندرية، ونجحت في إرغام الملك السابق فاروق على التنازل عن العرش. ولما بدأ هذا الأخير يسرد ذكرياته يقول النفيسي: (في حضرته كانت سياستي "دعه يتكلم" فهذا رجل مخزون بالخبرة والقوة والفروسية. ولو تركني على حريتي لأحضرت معي آله تسجيل لأستعيد ما كان يقوله عن انقلاب 23 يوليو 1952 وعن زملائه في مجلس قيادة الثورة إلخ ...).

ربما لم يتطرق إلى هذه النقطة رغم أهميتها أن عبد المنعم عبد الرؤوف قد كتب مذكراته في وقت لاحق بعنوان (أرغمت فاروق على التنازل عن العرش)، وقد نشرتها دار الزهراء للإعلام العربي. ولكن أحياناً يكون في الحوار ما هو غير موجود في الكتاب ويستفاد منه في تكميل المشهد، ومع ذلك لم تُذكر هذه الحادثة في البرنامج وأعدها هي السقط الوحيد.

تكلم النفيسي في خاتمة الكتاب عن غزو الكويت، وأن ما بعد التحرير، كُوّنت لجنة لتقصي الحقائق حول الغزو، وخلصوا إلى وجود مؤشرات متكررة نقلها بعض السفراء وغيرهم إلى القيادة الكويتية تحذرهم جدياً من حصول الغزو وأن هذا الغزو لم يحدث فجأة، الأمر الذي استغربه النفيسي هو ما قاله (لم يقص أحد من المسؤولين عن منصبه ولم يحاسب ولم يحاكم؛ بل عاد الجميع إلى ما كانوا عليه، لو حدث هذا في بلد غير الكويت لكان ما كان بعده؛ لكن ماذا نقول غير: الله المستعان على هذا الهوان).

وهذا مفارقة، فقد تجد في الدول الغربية لو ارتكب الوزير أو المسؤول خطئًا قد يستقيل أو يُحال الى الاستجواب والتحقيق، رغم أن هذا الخطأ قد يكون محدود الضرر، ولكن في الدول الخليجية أو العربية عموماً، قد تجد أن بعض المسؤولين قد تسبب إهمالهم في عدم الاستعداد والتحصن مما جعل الاحتلال يدخل بسهولة ويسقط الحكومة في ساعات، فخطأهم تسبب في احتلال بلد كامل، وما تلا ذلك من قتل واعتقال وتعذيب وانتهاك للأعراض ومآسٍ تجدها مؤرخة في مجموعة كبيرة من كتب التأريخ التي كتبها الكويتيون ولعل من أبرزها في نظري (الكويت وأيام الاحتلال) للمؤرخ محمد عبد الهادي جمال.

فمر حدث الغزو كمرور الكرام، فلا مساءلة –رغم تشكل لجنة أثبتت حصول الأخطاء- ولا استقالة ولا محاسبة؛ بل كما قال النفيسي (لم يُقصَ أحد من المسؤولين عن منصبه).

فهذه هي عقلية الحكومات العربية، والآن البعض يريد من وزير النقل أن يستقيل لأن قطارين تصادما، أو لحدوث حريق في أحد القطارات، فهذه دولة بأكملها احتلت ولم يُساءل أحد، وهؤلاء يريدون أن يُقيلوا الوزير من أجل حريق قطار!

ثم لم تكن هناك أصوات تحذر من دخول العراق فقط، بل كانت هنالك أصوات علنية لا تحتاج إلى رجل استخبارات بقدر ما تحتاج إلى باحث أو راصد، تقول إن أمريكا تسعى بقوة للدخول إلى جزيرة العرب، وأن هذا ضمن خطة استراتيجية أتى صدام حسين وطبقها على طبق من ذهب، وقد جمعها الدكتور سفر الحوالي –فرج الله عنه- في كتابه الشهير (وعد كسينجر) أو يعرف أحياناً بـ(كشف الغمة عن علماء الأمة).
هذا والله أعلم وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.
‏١٥‏/١٢‏/٢٠١٩ ٩:٢٤ م‏
الناتو العربي والتحالفات العسكرية في المنطقة محمود جمال [حمّل العدد الجديد http://bit.ly/2P55Bo6 هدية العدد http://bit.ly/2Y2dbEm الأعداد والهدايا السابقة http://bit.ly/2vvtufk] مقدمة: نقلت وكالة "رويترز" منذ فترة عن مصادر مطلعة أن مصر نأت بنفسها عن الجهود الأمريكية لتشكيل "ناتو عربي" على غرار حلف شمال الأطلسي هدفه "التصدي" لسياسات طهران. ووفقا للمصادر، فإن مصر قد أبلغت قرارها للولايات المتحدة والأطراف الأخرى المعنية بالتحالف الأمني في الشرق الأوسط المقترح، قبل اجتماع عقد في الرياض. وأضافت أن القاهرة لم ترسل وفدها إلى الاجتماع الأخير الرامي لدفع الجهود التي تقودها واشنطن لجمع الحلفاء العرب في معاهدة أمنية وسياسية واقتصادية للتصدي لإيران. ونقلت الوكالة حسب مصادر بأن مصر انسحبت لتشككها في جدية المبادرة، فهي لم تر بعد خطة أولية تحدد ملامح هذا التحالف، ولأن وضع خطة مثل هذه ينطوي عليه خطر زيادة التوتر مع إيران. وحسب الوكالة، فإن الغموض المحيط بما إذا كان الرئيس ترامب سيفوز بولاية ثانية العام القادم، واحتمال أن يتخلى من يخلفه عن المبادرة عاملان ساهما في اتخاذ مصر القرار، فيما قال مصدر سعودي عن المبادرة "إنها لا تسير كما ينبغي". وتعمل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على وضع أسس لتشكيل "تحالف الاستراتيجي في الشرق الأوسط" (وهو الاسم الرسمي لما أطلق عليه "الناتو العربي")، الذي يفترض أن يشمل وفقا للمخططات الأمريكية ست دول خليجية عربية هي البحرين وقطر والكويت والإمارات وعمان والسعودية، إضافة إلى مصر والأردن. وقام وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو بجولة في هذه الدول مطلع العام، سعيا منه إلى التقريب بين الدول الثماني الأعضاء المحتملين في هذا التحالف. أولاً: الناتو العربي.. نشأة الفكرة استضافت مصر فعاليات التدريب المشترك «درع العرب -1» والذي نفذ لأول مرة بجمهورية مصر العربية في المدة من 3 – 16 نوفمبر 2018 بقاعدة محمد نجيب العسكرية، ومناطق التدريبات الجوية والبحرية المشتركة بنطاق البحر المتوسط. وشارك في التدريب عناصر من القوات البرية والبحرية والجوية وقوات الدفاع الجوي والقوات الخاصة لكلٍ من مصر والسعودية والإمارات والكويت والبحرين والأردن، كما شاركت كل من (المغرب، لبنان) بصفة مراقب. وفي تعليقها على تدريبات “درع العرب 1” قالت وكالة رويترز الأمريكية7 : "إن التدريبات العسكرية المشتركة هي خطوة قد تتطور لتصبح معاهدة إقليمية لمكافحة النفوذ الإيراني المتنامي في منطقة الشرق الأوسط”. وأضافت: “أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يدفع الدول الخليجية- جنبا إلى جنب مع كل من مصر والأردن- باتجاه تشكيل ما يطلق عليه بعض المسؤولين في البيت الأبيض بـ“الناتو العربي mesa الذي يتألف من الحلفاء في العالم السني، للوقوف يداً واحدة أمام القوة الإيرانية التي تسعى إلى التغلغل في المنطقة”. وكذلك مواجهة الحركات المسلحة التي تحمل أفكاراً جهادية بشكل عام. وكان نائب مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الخليج العربي، تيم ليندركينغ، قد قام خلال شهر سبتمبر 2018 بجولات دبلوماسية في الخليج، بهدف وضع الأسس لقمة تستضيفها الولايات المتحدة في شهر يناير المقبل لإطلاق تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي “ميسا” كمفهوم يحاكي حلف الناتو.8 وأوضح ليندركينغ في مقابلة مع صحيفة “ذا ناشيونال” الإماراتية أنّ التحالف يضم الولايات المتحدة والدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي (السعودية والإمارات والكويت والبحرين وقطر وعمان) إضافة لمصر والأردن. وقال ليندركينغ: إن وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو استضاف لقاءً يجمع دول مجلس التعاون الخليجي ومصر والأردن على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة للتحضير للقمة المزمع عقدها في يناير2019م، مُنَوهاً بأن هذه المحادثات لا تزال في مراحلها المبكرة وإذا وجدنا أن هناك حاجة إلى تغيير التواريخ، فسوف نتعاطى مع هذا الأمر بمرونة”. وأوضح ليندركينغ أن هذا التحالف “يعود لقمة الرياض في العام 2017 حين اتفق الجميع على أن الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي ستجتمع على أساس سنوي.. إضافة إلى الاهتمام المشترك وتطلع كلا الجانبين لبناء هذا التحالف (ميسا)، الذي سيقوم على أساس اتفاقية أمنية واقتصادية وسياسية تربط دول مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة ومصر والأردن”. وعلى الرغم من الخلافات الموجودة بين دول “مجلس التعاون” حالياً، قال ليندركينغ إنّ فكرة التحالف تكمن في كونه يبني درعاً قوياً وصلباً في وجه التهديدات ضد الخليج، وأشار في هذا الصدد إلى إيران وأيضاً إلى المخاوف المتعلقة بالشبكة العنكبوتية والهجمات على البنى التحتية وتنسيق عملية إدارة الصراعات من سوريا وصولاً إلى اليمن، مؤكداً على أنّ إيران تتصدر قائمة التهديدات. وأشار ليندركينغ إلى الأزمة داخل مجلس التعاون الخليجي والمتعلقة بقطر، وقال: “على المدى البعيد، وفي ظل التحالف الذي نصبو إليه، سيكون من الصعب خوض بلدين أو ثلاثة في التحالف مواجهة من هذا النوع.. لذا يمكننا مواصلة تطوير المفهوم والعمل على بعض الأسس، إلا أنّه في نهاية المطاف، ينبغي لنا أن نشهد رأباً للصدع “. ثانياً: التحالفات العسكرية بعد الربيع العربي: منذ اندلاع ثورات الربيع العربي وإلى اليوم، لم تبارح فكرة إنشاء هيكل أمني إقليمي لمواجهة التهديدات الأمنية التي تواجه الدول والأنظمة الحاكمة عقول القادة العرب، وبرزت عدة محاولات منذ عام 2013م، وهي على النحو التالي: 1-الناتو الخليجي: وكانت تلك المحاولة بحلول نهاية عام 2013م، إذ طرحت دول الخليج مشروعاً للدفاع المشترك يضم دول مجلس التعاون الخليجي إضافة إلى الأردن والمغرب، تحت قيادة سعودية ممثلة في الأمير متعِب بن عبد الله قائد الحرس الوطني السعودي في ذلك التوقيت. ولكن التحالف المقترح واجه مجموعة من العقبات التي أدت إلى فشله في النهاية، وذلك بداية من الخلافات السياسية داخل مجلس التعاون الخليجي، سواء على الموقف من حركة الإخوان المسلمين التي لا تراها الدولة القطرية تمثلاً تهديداً، وتراها الإمارات والسعودية تهديدا لنظاميهما، أو الموقف من إيران التي تراها السعودية والإمارات تهديداً عكس بقية أعضاء التحالف المقترحين خاصة دولة سلطنة عمان، مروراً بالمواقف المختلفة حول النظام السوري والفصائل السورية، ووصولاً إلى تردد الأردن والمغرب في دعم طموحات الرياض العسكرية رغم اصطفافهما ظاهريا مع الأخيرة، فضلاً عن التعقيدات التشغيلية المرتبطة بتباين المعدات العسكرية، واختلاف العقيدة القتالية، وعدم وجود أنظمة اتصالات قابلة للتشغيل المتبادل. 2- التحالف العربي لقيادة عاصفة الحزم: وهذا هو الاسم الذي استخدمته السعودية في الفترة الأولى (بين 25 مارس و21 أبريل عام 2015) من التدخل العسكري الذي قادته في اليمن، للإشارة للنشاط العسكري الذي تمثل بغارات جوية ضد جماعة الحوثيين وقوات علي عبد الله صالح المتحالف معهم، والتي شنها تحالف من عشر دول بقيادة السعودية، إذ ضم التحالف إلى جانب السعودية كل من البحرين والكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة ومصر والأردن والمغرب والسودان وباكستان؛ ثم أطلقت السعودية على العمليات اللاحقة لـ 21 أبريل 2015 اسم “عملية إعادة الأمل”. وشُكل التحالف بالأساس لمواجهة الحوثيين ومحاولة السيطرة على الأوضاع وعودة الحكومة الشرعية “حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي” للسيطرة على الأراضي اليمنية التي أصبحت تحت سيطرة جماعة الحوثيين؛ ولكن التحالف فشل في تحقيق مبتغاه، ولا يزال الحوثيون مسيطرين حتى الآن على معظم الأراضي اليمنية بما في ذلك العاصمة اليمنية صنعاء. جدير بالذكر أن السعودية كانت تعول في بداية إنشاء التحالف على الدور المصري وخصوصا التدخل العسكري البري وربما تصريح اللواء أحمد العسيري المتحدث السابق باسم قوات التحالف يدل علي هذا؛ إذ كشف “عسيري” أن السيسي عرض على السعودية وعلى التحالف أن تضع الحكومة المصرية قوات على الأرض، وأضاف أن الجيش المصري يشارك الآن مع قوات التحالف في الجهد البحري والجهد الجوي فقط، ولكن في ذلك الوقت كنا نتكلم عن 30 إلى 40 ألف جندي كقوة برية بالإضافة إلى القوات السعودية الموجودة على الحدود وغيرها من القوات التي ترغب في أن نتشارك في العمل البري. وأدى تراجع الجيش المصري آنذاك عن إرسال الجنود إلى اليمن إلى توتر في العلاقات بين مصر والسعودية، مما دفع السعودية إلى معاقبة النظام المصري اقتصاديا بإيقاف إمداد مصر بالمواد النفطية في عام 2016م. وترك تراجع الجيش المصري عن المشاركة البرية أثراً سلبياً على أداء التحالف في تحقيق أهدافه المرغوبة. وحتى تتدارك السعودية الموقف لجأت إل الجيش الباكستاني حتى يشارك بعدد من الجنود في التدخل البري العسكري في المعارك داخل اليمن، ولكن أبدى الجيش الباكستاني بعد ذلك تحفظه علي الأمر وطلب أن تكون مشاركته في التحالف فقط جوياً وبحرياً، مما دفع السعودية إلى اللجوء للدولة السودانية التي تمتلك جيشاً ليس علي مستوى الجيش المصري أو الجيش الباكستاني في الإمكانيات، وشاركت بالفعل دولة السودان وأرسلت قوات وجنودًا إلى الداخل اليمني للمشاركة في المعارك بين قوات التحالف وقوات الحوثيين ولكن إلى الآن تتلقى القوات السودانية خسائر كبيرة في صفوف جنودها، وبسبب ذلك تتعالى الدعوات في الداخل السوداني لسحب قواتها من الداخل اليمني للحفاظ علي أرواح جنودها، جدير بالذكر أيضا أن السعودية والإمارات استعانوا بقوات من المرتزقة “بلاك ووتر”، كي تقاتل في اليمن لمساعدة قوات الجيش اليمني التابع لحكومة “هادي” والقوات السودانية المشاركة في الحرب وذلك حسب دراسة صادرة عن “مركز بيغن السادات للدراسات الاستراتيجية”، التابع لجامعة “بار إيلان”. 3- القوة العربية المشتركة: في نهاية القمة العربية السادسة والعشرين التي انعقدت في شرم الشيخ في أبريل 2015، صدر بيان موحد عن تأسيس قوة عربية مشتركة لمواجهة تحديات الأمن الإقليمي. وكانت الدوافع الرئيسية وراء المبادرة العربية للقوة التي كان مقررا – وفقا لما أوردته مجلة فورين بوليسي– أن تضم 40 ألفا من جنود النخبة من مصر والأردن والمغرب والسعودية والسودان ودول الخليج، بما يشمل قوة جوية مكونة من ألف شخص، و5000 شخص لسلاح الخدمات البحرية، و35 ألفا من القوات البرية، على أن تتولى القاهرة التزويد بمعظم المقاتلين، وتتكفل الرياض بمصاريف القوة، واقترح أن يكون مقرها القاهرة وأن تخضع لقيادة سعودية أو التناوب على قيادتها بين القاهرة والرياض. ولكن مثلها مثل المحاولة السابقة لم تر القوة العربية النور بسبب الخلافات حول القيادة بين القاهرة والرياض من جهة، وبسبب الجدل حول الهدف من إنشاء القوة من جهة أخرى، وبسبب المعوقات اللوجستية من جهة ثالثة، وذهب المشروع إلى النسيان. 4- التحالف الإسلامي الذي شكل في 15 ديسمبر 2015 والذي تكون من 41 دولة، هي: السعودية، وأفغانستان، والإمارات العربية، والأردن، وأوغندا، وباكستان، والبحرين، وبروناي، وبنغلاديش، وبنين، وبوركينا فاسو، وتركيا، وتشاد، وتوغو، وتونس، وجيبوتي، وساحل العاج، والسنغال، والسودان، وسيراليون، والصومال، وسلطنة عمان، والغابون، وغامبيا، وغينيا، وغينيا بيساو، وفلسطين، وجزر القمر، والكويت، وقطر، ولبنان، وليبيا، والمالديف، ومالي، وماليزيا، ومصر، والمغرب، وموريتانيا، والنيجر، ونيجيريا، واليمن. وأعلن وقتها ولي العهد السعودي محمد بن سلمان أن هدف التحالف هو تنسيق الجهود ضد المتطرفين في العراق، وسوريا، وليبيا، ومصر، وأفغانستان. وتضمن بيان الإعلان أن أعضاء التحالف يتحالفون في أربعة مجالات لتنسيق جهودها في محاربة الإرهاب، وهي: 1ـ المجال الفكري: ويهدف إلى المحافظة على عالمية رسالة الإسلام، مع التأكيد على المبادئ والقيم الإسلامية، والتصدي لأطروحات الفكر الإرهابي، وإحداث الأثر الفكري والنفسي والاجتماعي لتصحيح المفاهيم الإرهابية المتطرفة. 2ـ المجال الإعلامي: ويهدف إلى الإسهام في تطوير وإنتاج ونشر محتوى تحريري واقعي، وعلمي، لاستخدامه في منصات التواصل والقنوات الإعلامية من أجل فضح وهزيمة الدعاية الإعلامية للجماعات المتطرفة. \ 3 – مجال محاربة تمويل الإرهاب: بالعمل على قطع تمويل الإرهاب وتجفيف منابعه، وتوفير الموارد الكافية لمحاربته، بجانب التواصل والتنسيق مع الجهات الدولية لملاحقة ممولي الإرهاب، وتمويل المبادرات التي تحاربه. 4ـ المجال العسكري: وفيه العمل على دعم التنسيق العسكري العملياتي بين الأعضاء لمواجهة الإرهاب، بجانب تدريب وتأهيل الوحدات الخاصة للدول الأعضاء المنخرطة في محاربة الإرهاب، وردع التنظيمات الإرهابية من خلال التنسيق العسكري لدول التحالف. ويقود هذا التحالف الآن الجنرال الباكستاني رحيل شريف، وتأسس مركز للتحالف في العاصمة السعودية الرياض، ولكن منذ نشأة هذا التحالف لم يقم بالدور المنوط به وأصبح اسماً فقط، ومن حين إلى آخر تجتمع قيادات تلك الدول لمناقشة تطورات الأوضاع في المنطقة، وربما كان السبب الأهم في عدم فعالية ذلك التحالف هو التنازع بين الرياض والقاهرة على قيادة التحالف، والذي أرغم الرياض في نهاية الأمر على المجيء بقائد باكستاني ليكون على رأس هذا التحالف، مما أدى إلى تخفيض تمثيل القاهرة في المؤتمرات السنوية الذي يعقدها التحالف في الرياض، فشاركت مصر في أول اجتماع للدول المشاركة في التحالف، في الرياض في مارس 2016م، ورأس الوفد المصري آنذاك رئيس الأركان السابق الفريق محمود حجازي. ولكن في اجتماع نوفمبر 2017، اكتفت مصر بحضور وفد بقيادة رئيس هيئة العمليات السابق ومساعد وزير الدفاع الحالي توحيد توفيق (5) وشاركه كل من اللواء ا.ح محمد صلاح مدير إدارة الأزمات، واللواء ا.ح طارق المالح، مساعد مدير المخابرات الحربية، وعميد ا.ح إيهاب الشيخ ملحق الدفاع المصري بالسعودية، ووزير مفوض خالد عزمي مدير إدارة مكافحة الاٍرهاب بوزارة الخارجية . وجاء هذا الاجتماع بعد تعيين رحيل شريف قائداً لهذا التحالف، حيث نقضت الرياض اتفاقها مع النظام المصري بأن قائد قوات التحالف في تلك الفترة سيكون مصرياً. وذهب البعض إلى أن السعودية لم تعط القيادة لمصر بسبب ضعف الدور المصري في عملية “عاصفة الحزم” بل تراجع الجيش المصري عن التدخل العسكري كما ذكرنا سابقاً. ثالثاً: بين المعوقات والإمكانيات على الرغم من أن تطورات الأوضاع في منطقة الشرق الأوسط ليست ملائمة لتشكيل مثل هذا التحالف وتُشكل تحدياً على أن يكون لهذا التحالف دور جاد وفعال، وخاصة في ظل الأزمة الخليجية ومحاصرة دولة قطر من كلٍ من السعودية والإمارات ومصر والبحرين، وتداعيات قضية اغتيال الصحفي السعودي جمال خاشقجي، هذا بجانب تحدً آخر من الممكن أن يكون سبباً في عدم إمكانية تشكيل وتشغيل هذا التحالف المزعوم، وهو بحسب صحيفة “واشنطن تايمز” الأمريكية أن بعض دول مجلس التعاون الخليجي لديها علاقات متميزة مع إيران؛ ففي الوقت الذي اتخذت السعودية والإمارات موقفاً متشدداً تجاه طهران، فإن الكويت تريد علاقات أفضل معها”. يضاف إلى ذلك أن سلطنة عمان لديها علاقات متميزة مع النظام الإيراني، وحتى بالنسبة لدولة الإمارات فهناك بعض الجهات بداخلها لها علاقات اقتصادية وتجارية حيوية مع إيران. كما أن الأزمة التي افتعلتها السعودية والإمارات ضد قطر، دفعت بالأخيرة إلى التقارب مع إيران وتركيا”. كما أن تركيا ترى تهديداً أمنياً لها في إقامة مثل هذا التحالف، على خلفية الدور الذي قيل إنه يمكن القيام به لدعم الوجود الكردي شمال سوريا، وهو ما يمثل تهديداً استراتيجيا لتركيا. وفي ظل التحالف القائم الآن بين تركيا وقطر، يصعب تصور أن تدخل قطر في تحالف لن ترضى عنه تركيا في الوقت الراهن، كما أن أمريكا أيضاً لن يمكنها دعم مثل هذا التحالف إذا عارضته تركيا صراحة. فيما تمثل إسرائيل تحدياً في إقامة أي تحالفات في المنطقة، ولكن إذا كان ذلك التحالف تحت المظلة الأمريكية فربما توافق إسرائيل لأنه سيراعي المصالح الإسرائيلية ولن يؤثر بأي شكل من الأشكال على أهدافها. أخيراً: إن فكرة الناتو العربي، رغم كل التحديات التي تواجهها، من داخل الدول التي يمكن أن تشارك فيها، أو من داخل طبيعة التطورات الإقليمية في المنطقة، فإن الجزء الأكبر من إمكانية تطبيق الفكرة، ولو مرحلياً يرتبط بالموقف الفعلي للولايات المتحدة، ومدى حرصها على ذلك في ظل حجم التأثير الذي تمارسه على الدول التي تستهدفها بالانضمام لهذا الكيان.
الناتو العربي والتحالفات العسكرية في المنطقة
محمود جمال



[حمّل العدد الجديد
http://bit.ly/2P55Bo6

هدية العدد
http://bit.ly/2Y2dbEm

الأعداد والهدايا السابقة
http://bit.ly/2vvtufk]

مقدمة:

نقلت وكالة "رويترز" منذ فترة عن مصادر مطلعة أن مصر نأت بنفسها عن الجهود الأمريكية لتشكيل "ناتو عربي" على غرار حلف شمال الأطلسي هدفه "التصدي" لسياسات طهران.

ووفقا للمصادر، فإن مصر قد أبلغت قرارها للولايات المتحدة والأطراف الأخرى المعنية بالتحالف الأمني في الشرق الأوسط المقترح، قبل اجتماع عقد في الرياض. وأضافت أن القاهرة لم ترسل وفدها إلى الاجتماع الأخير الرامي لدفع الجهود التي تقودها واشنطن لجمع الحلفاء العرب في معاهدة أمنية وسياسية واقتصادية للتصدي لإيران.

ونقلت الوكالة حسب مصادر بأن مصر انسحبت لتشككها في جدية المبادرة، فهي لم تر بعد خطة أولية تحدد ملامح هذا التحالف، ولأن وضع خطة مثل هذه ينطوي عليه خطر زيادة التوتر مع إيران.

وحسب الوكالة، فإن الغموض المحيط بما إذا كان الرئيس ترامب سيفوز بولاية ثانية العام القادم، واحتمال أن يتخلى من يخلفه عن المبادرة عاملان ساهما في اتخاذ مصر القرار، فيما قال مصدر سعودي عن المبادرة "إنها لا تسير كما ينبغي".

وتعمل إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب على وضع أسس لتشكيل "تحالف الاستراتيجي في الشرق الأوسط" (وهو الاسم الرسمي لما أطلق عليه "الناتو العربي")، الذي يفترض أن يشمل وفقا للمخططات الأمريكية ست دول خليجية عربية هي البحرين وقطر والكويت والإمارات وعمان والسعودية، إضافة إلى مصر والأردن.

وقام وزير الخارجية الأمريكي مايك بومبيو بجولة في هذه الدول مطلع العام، سعيا منه إلى التقريب بين الدول الثماني الأعضاء المحتملين في هذا التحالف.

أولاً: الناتو العربي.. نشأة الفكرة

استضافت مصر فعاليات التدريب المشترك «درع العرب -1» والذي نفذ لأول مرة بجمهورية مصر العربية في المدة من 3 – 16 نوفمبر 2018 بقاعدة محمد نجيب العسكرية، ومناطق التدريبات الجوية والبحرية المشتركة بنطاق البحر المتوسط. وشارك في التدريب عناصر من القوات البرية والبحرية والجوية وقوات الدفاع الجوي والقوات الخاصة لكلٍ من مصر والسعودية والإمارات والكويت والبحرين والأردن، كما شاركت كل من (المغرب، لبنان) بصفة مراقب.

وفي تعليقها على تدريبات “درع العرب 1” قالت وكالة رويترز الأمريكية7 : "إن التدريبات العسكرية المشتركة هي خطوة قد تتطور لتصبح معاهدة إقليمية لمكافحة النفوذ الإيراني المتنامي في منطقة الشرق الأوسط”. وأضافت: “أن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب يدفع الدول الخليجية- جنبا إلى جنب مع كل من مصر والأردن- باتجاه تشكيل ما يطلق عليه بعض المسؤولين في البيت الأبيض بـ“الناتو العربي mesa الذي يتألف من الحلفاء في العالم السني، للوقوف يداً واحدة أمام القوة الإيرانية التي تسعى إلى التغلغل في المنطقة”. وكذلك مواجهة الحركات المسلحة التي تحمل أفكاراً جهادية بشكل عام.

وكان نائب مساعد وزير الخارجية الأميركي لشؤون الخليج العربي، تيم ليندركينغ، قد قام خلال شهر سبتمبر 2018 بجولات دبلوماسية في الخليج، بهدف وضع الأسس لقمة تستضيفها الولايات المتحدة في شهر يناير المقبل لإطلاق تحالف الشرق الأوسط الاستراتيجي “ميسا” كمفهوم يحاكي حلف الناتو.8 وأوضح ليندركينغ في مقابلة مع صحيفة “ذا ناشيونال” الإماراتية أنّ التحالف يضم الولايات المتحدة والدول الأعضاء في مجلس التعاون الخليجي (السعودية والإمارات والكويت والبحرين وقطر وعمان) إضافة لمصر والأردن.

وقال ليندركينغ: إن وزير الخارجية الأميركية مايك بومبيو استضاف لقاءً يجمع دول مجلس التعاون الخليجي ومصر والأردن على هامش الجمعية العامة للأمم المتحدة للتحضير للقمة المزمع عقدها في يناير2019م، مُنَوهاً بأن هذه المحادثات لا تزال في مراحلها المبكرة وإذا وجدنا أن هناك حاجة إلى تغيير التواريخ، فسوف نتعاطى مع هذا الأمر بمرونة”.

وأوضح ليندركينغ أن هذا التحالف “يعود لقمة الرياض في العام 2017 حين اتفق الجميع على أن الولايات المتحدة ودول مجلس التعاون الخليجي ستجتمع على أساس سنوي.. إضافة إلى الاهتمام المشترك وتطلع كلا الجانبين لبناء هذا التحالف (ميسا)، الذي سيقوم على أساس اتفاقية أمنية واقتصادية وسياسية تربط دول مجلس التعاون الخليجي والولايات المتحدة ومصر والأردن”.

وعلى الرغم من الخلافات الموجودة بين دول “مجلس التعاون” حالياً، قال ليندركينغ إنّ فكرة التحالف تكمن في كونه يبني درعاً قوياً وصلباً في وجه التهديدات ضد الخليج، وأشار في هذا الصدد إلى إيران وأيضاً إلى المخاوف المتعلقة بالشبكة العنكبوتية والهجمات على البنى التحتية وتنسيق عملية إدارة الصراعات من سوريا وصولاً إلى اليمن، مؤكداً على أنّ إيران تتصدر قائمة التهديدات. وأشار ليندركينغ إلى الأزمة داخل مجلس التعاون الخليجي والمتعلقة بقطر، وقال: “على المدى البعيد، وفي ظل التحالف الذي نصبو إليه، سيكون من الصعب خوض بلدين أو ثلاثة في التحالف مواجهة من هذا النوع.. لذا يمكننا مواصلة تطوير المفهوم والعمل على بعض الأسس، إلا أنّه في نهاية المطاف، ينبغي لنا أن نشهد رأباً للصدع “.

ثانياً: التحالفات العسكرية بعد الربيع العربي:

منذ اندلاع ثورات الربيع العربي وإلى اليوم، لم تبارح فكرة إنشاء هيكل أمني إقليمي لمواجهة التهديدات الأمنية التي تواجه الدول والأنظمة الحاكمة عقول القادة العرب، وبرزت عدة محاولات منذ عام 2013م، وهي على النحو التالي:


1-الناتو الخليجي: وكانت تلك المحاولة بحلول نهاية عام 2013م، إذ طرحت دول الخليج مشروعاً للدفاع المشترك يضم دول مجلس التعاون الخليجي إضافة إلى الأردن والمغرب، تحت قيادة سعودية ممثلة في الأمير متعِب بن عبد الله قائد الحرس الوطني السعودي في ذلك التوقيت. ولكن التحالف المقترح واجه مجموعة من العقبات التي أدت إلى فشله في النهاية، وذلك بداية من الخلافات السياسية داخل مجلس التعاون الخليجي، سواء على الموقف من حركة الإخوان المسلمين التي لا تراها الدولة القطرية تمثلاً تهديداً، وتراها الإمارات والسعودية تهديدا لنظاميهما، أو الموقف من إيران التي تراها السعودية والإمارات تهديداً عكس بقية أعضاء التحالف المقترحين خاصة دولة سلطنة عمان، مروراً بالمواقف المختلفة حول النظام السوري والفصائل السورية، ووصولاً إلى تردد الأردن والمغرب في دعم طموحات الرياض العسكرية رغم اصطفافهما ظاهريا مع الأخيرة، فضلاً عن التعقيدات التشغيلية المرتبطة بتباين المعدات العسكرية، واختلاف العقيدة القتالية، وعدم وجود أنظمة اتصالات قابلة للتشغيل المتبادل.

2- التحالف العربي لقيادة عاصفة الحزم: وهذا هو الاسم الذي استخدمته السعودية في الفترة الأولى (بين 25 مارس و21 أبريل عام 2015) من التدخل العسكري الذي قادته في اليمن، للإشارة للنشاط العسكري الذي تمثل بغارات جوية ضد جماعة الحوثيين وقوات علي عبد الله صالح المتحالف معهم، والتي شنها تحالف من عشر دول بقيادة السعودية، إذ ضم التحالف إلى جانب السعودية كل من البحرين والكويت وقطر والإمارات العربية المتحدة ومصر والأردن والمغرب والسودان وباكستان؛ ثم أطلقت السعودية على العمليات اللاحقة لـ 21 أبريل 2015 اسم “عملية إعادة الأمل”.

وشُكل التحالف بالأساس لمواجهة الحوثيين ومحاولة السيطرة على الأوضاع وعودة الحكومة الشرعية “حكومة الرئيس عبد ربه منصور هادي” للسيطرة على الأراضي اليمنية التي أصبحت تحت سيطرة جماعة الحوثيين؛ ولكن التحالف فشل في تحقيق مبتغاه، ولا يزال الحوثيون مسيطرين حتى الآن على معظم الأراضي اليمنية بما في ذلك العاصمة اليمنية صنعاء.

جدير بالذكر أن السعودية كانت تعول في بداية إنشاء التحالف على الدور المصري وخصوصا التدخل العسكري البري وربما تصريح اللواء أحمد العسيري المتحدث السابق باسم قوات التحالف يدل علي هذا؛ إذ كشف “عسيري” أن السيسي عرض على السعودية وعلى التحالف أن تضع الحكومة المصرية قوات على الأرض، وأضاف أن الجيش المصري يشارك الآن مع قوات التحالف في الجهد البحري والجهد الجوي فقط، ولكن في ذلك الوقت كنا نتكلم عن 30 إلى 40 ألف جندي كقوة برية بالإضافة إلى القوات السعودية الموجودة على الحدود وغيرها من القوات التي ترغب في أن نتشارك في العمل البري.

وأدى تراجع الجيش المصري آنذاك عن إرسال الجنود إلى اليمن إلى توتر في العلاقات بين مصر والسعودية، مما دفع السعودية إلى معاقبة النظام المصري اقتصاديا بإيقاف إمداد مصر بالمواد النفطية في عام 2016م.

وترك تراجع الجيش المصري عن المشاركة البرية أثراً سلبياً على أداء التحالف في تحقيق أهدافه المرغوبة. وحتى تتدارك السعودية الموقف لجأت إل الجيش الباكستاني حتى يشارك بعدد من الجنود في التدخل البري العسكري في المعارك داخل اليمن، ولكن أبدى الجيش الباكستاني بعد ذلك تحفظه علي الأمر وطلب أن تكون مشاركته في التحالف فقط جوياً وبحرياً، مما دفع السعودية إلى اللجوء للدولة السودانية التي تمتلك جيشاً ليس علي مستوى الجيش المصري أو الجيش الباكستاني في الإمكانيات، وشاركت بالفعل دولة السودان وأرسلت قوات وجنودًا إلى الداخل اليمني للمشاركة في المعارك بين قوات التحالف وقوات الحوثيين ولكن إلى الآن تتلقى القوات السودانية خسائر كبيرة في صفوف جنودها، وبسبب ذلك تتعالى الدعوات في الداخل السوداني لسحب قواتها من الداخل اليمني للحفاظ علي أرواح جنودها، جدير بالذكر أيضا أن السعودية والإمارات استعانوا بقوات من المرتزقة “بلاك ووتر”، كي تقاتل في اليمن لمساعدة قوات الجيش اليمني التابع لحكومة “هادي” وال